تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Dr.Baha'a Makkawi

لم يتفق العلماء والمفكرون حول تعريف موحد للمجتمع المدني فهناك من يعرفه على انه هو “كل المؤسسات التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات والمنافع العامة، دون تدخل أو توسط مع الحكومة”  (سعيد بن سعيد العلوي ). وهناك من يقول بإن “المجتمع المدني عبارة عن مجموعة من التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام، والتراضي، والتسامح، والإدارة السلمية للتنوع والخلاف” ( سعد الدين ابراهيم ) . وهكذا فالمجتمع المدني هو الجزء المنظم من المجتمع على أساس الإرادة الحرة لأعضائه، والذي يلتزم قيم التسامح ويقبل التنوع والاختلاف، ويلتزم الوسائل السلمية والحوار في تعامله مع الحكومة والتنظيمات النظيرة من أجل تحقيق مصالح أعضائه. نشأة المجتمع المدني السوداني : نشأت تنظيمات المجتمع المدني السوداني الرئيسية في ظل الحكم الاستعماري، وكرد فعل على ممارسات الحكومة الاستعمارية، فالأحزاب السياسية السودانية برزت إلى الوجود في أربعينيات القرن الماضي وخاصة بعد ميثاق الأطلنطي الذي أكد على حق الشعوب في الحرية والديمقراطية. لقد أدى ذلك إلى نشاط سياسي مكثف وهيأ الظروف للعمل السياسي العلني، وبدأت الجماعة الوطنية في رص صفوفها في إطار أحزاب سياسية فنشأ حزب الأشقاء بزعامة الأزهري عام 1944م من العناصر الداعية للوحدة مع مصر وذلك تحت رعاية السيد على الميرغني، وفي عام 1945م أسس الاستقلاليون حزب الأمة تحت رعاية السيد/ عبد الرحمن المهدي. ونتيجة لمجهودات الطلاب السودانيين الذين درسوا بمصر تم تأسيس أول خلية شيوعية بالسودان عام 1945م وأطلق عليها اسم الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو)، و في أواخر الأربعينيات تأسست في كلية غردون (حركة التحرر الإسلامي) التي تعد نواة الحركة الإسلامية الحديثة، في ذات الوقت إِنضم عدد من الطلاب السودانيين الذين يدرسون بمصر إلى جماعة الأخوان المسلمين هنالك ونقلوا الفكرة إلى السودان، كما برز تيار شعبي يقوده المرحوم على طالب الله. وقد تم توحيد هذه التيارات الثلاثة تحت اسم “الأخوان المسلمون” عام 1954م. كما ظهرت بعض الأحزاب الجنوبية مثل حزب الأحرار الجنوبيين (53-1958م)، وحزب الإتحاد السوداني الإفريقي، وجبهة الجنوب خلال الستينيات، وبعض الأحزاب الصغيرة مثل حزب السلام، والحزب الديمقراطي الجنوبي، وحزب النيل. كما ظهرت لاحقاً عدد من الأحزاب العربية مثل حزب البعث – العراق، وحزب البعث – سوريا واللجان الثورية (ليبيا)، والحزب العربي الناصري. أما الحركة العمالية المنظمة فقد بدأت بظهور هيئة شئون العمال في عطبرة عام 1947م، وفي سنة 1949م تأسس الإتحاد لنقابات عمال السودان. أما حركة المزارعين فيمكن القول بأنها ظهرت في العام 1947م بإنشاء (هيئة ممثلي المزارعين) والتي تم استبدالها بـ (هيئة مزارعي الجزيرة)، وقد لعب الشيوعيون دوراً مقدراً في إنشاء الهيئة التي تحولت إلى (إتحاد مزارعي الجزيرة) عام 1953م. أما عن تنظيمات النساء فقد بدأت بإنشاء (رابطة الفتيات المثقفات) عام 1947م. وتم تكوين (الإتحاد النسائي السوداني) عام 1952م. وبدأت التنظيمات الطلابية بإنشاء جمعية الثقافة والإصلاح بكلية غردون في العام 1938م، ثم تأسس إتحاد الطلاب عام 1940م . وبعد الاستقلال بدأت تنظيمات المهنيين في الظهور فظهرت نقابات الأطباء والمهندسين والمعلمين والمزارعين والقضاة والمحامين والصحفيين وأساتذة الجامعات وإتحادات الفنانين والمسرحيين . كل هذه الإتحادات تمثل المجتمع المدني السوداني، إلا أنه من الصعب الوقوف عند نشأة كل هذه التنظيمات بالتفصيل. بعض الإشكاليات التي تواجه المجتمع المدني السوداني: تواجه المجتمع السوداني عدة إشكاليات، ونعتقد أن قيام المجتمع المدني بالدور المنوط به يتوقف –إلى حد كبير– على مقدرته على تجاوز هذه الإشكاليات ووضع الحلول الناجعة لها. وتتمثل هذه الإشكاليات –من وجهة نظرنا – في الآتي: 1/ غموض المفهوم: لعل واحدة من أكبر المشكلات التي يواجهها المجتمع المدني السوداني هي غموض مفهوم المجتمع المدني ودوره في الحياة الاجتماعية والسياسية في أذهان العاملين في إطاره، بل وقياداته. وبعيداً عن الغموض العام الذي يحيط بالمفهوم، والتعريفات الكثيرة التي وردت بشأنه والتي وصلت في بعض الأحيان إلى حد التناقض، فإنه يمكن القول بأن مفهوم المجتمع المدني في أذهان قياداته السودانية يتعرض للتشويش والخلط بصورة لافتة للنظر، وسنحاول في السطور التالية توضيح الخلط والتشويش للمفهوم في أذهان بعض القوى السياسية السودانية. فالملاحظ أنه في الحالة السودانية ساد مصطلح “القوى الحديثة” خاصة في ثمانينيات القرن الماضي للتعبير عن قوى المجتمع المدني الحية. وقد استخدمت القوى السياسية مصطلح القوى الحديثة في مقابلة الطائفية، وذلك أن كل الانتخابات الديمقراطية التي جرت في السودان قد اكتسحتها الأحزاب الوطنية: حزب الأمة والحزب الإتحادي الديمقراطي. لذلك وفي مقابلة “الطائفية” المرتبطة بالتقليدية والمجتمع الريفي، برز الحديث عن “القوى الحديثة” المتحررة من الطائفية، والمتمثلة في الخريجين، والمثقفين، والمحامين، وأساتذة الجامعات، بالإضافة إلى الشرائح المهنية المنظمة مثل: النقابات، والتنظيمات الفئوية كالنساء والطلاب والشباب، ولا شك أن هذه التنظيمات هي ذاتها المجتمع المدني الذي نتحدث عنه. لقد كثر الحديث عقب إسقاط نظام جعفر نميري في 6/ أَبريل 1985م عن القوى الحديثة وضرورة تمثيلها في البرلمان القادم، إلاَّ أن القوى السياسية السودانية لم تستطع –رغم مناداتها بتمثيل القوى الحديثة– أن تقدم تعريفاً لهذه القوى المراد تمثيلها، حتى إِضطرت (اللجنة الوزارية لاستطلاع آراء القوى السياسية حول قانون الانتخابات) أن تكتب في تقريرها أن “غالبية القوى السياسية تؤيد تمثيل القوى الحديثة في البرلمان المقبل.. على الرغم من صعوبة تعريفها بصورة قاطعة أو علمية”، وقال مقرر هذه اللجنة – الأستاذ أمين مكي مدني – بأن هذه القوى السياسية “تصر وتحرص على تمثيل القوى الحديثة دون تعريف واضح لها” بل ذهب إلى أبعد من ذلك حيث كتب قائلاً “في أكتوبر 1985م قامت 51 نقابة بالتوقيع على ميثاق الأحزاب السياسية، وخلص هذا الميثاق إلى (ضرورة إصدار قانون ديمقراطي ينص على تمثيل القوى الحديثة والمرأة تمثيلاً عادلاً)… ومضى مدني ليقول إن هذه الفقرة تعتبر دليلاً آخر على غموض مفهوم القوى الحديثة في أذهان هذه القوى لأن المرأة جزء أصيل من القوى الحديثة” (حيدر إبراهيم علي (تحرير)، الديمقراطية الرابعة في السودان: البعد التاريخي والوضع الراهن وآفاق المستقبل (أبحاث ندوة  تقييم الديمقراطية في السودان)، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، ص225. وفي الواقع لا يزال الغموض يلف هذا المفهوم لدى الكثيرين من قادة الرأي والفكر وليس فقط لدى الاشخاص العاديين. وهناك جانب آخر يتعلق بغموض المفهوم لدى قادة المجتمع المدني وهو ذلك الجانب المتعلق بالقوى والجماعات التي تدخل في تشكيل المجتمع المدني، حيث يرى البعض على أن الأحزاب السياسية هي جزء لا يتجزأ من المجتمع المدني، بل هي أهم تنظيمات المجتمع المدني خاصة في دولة كالسودان تنتمي إلى العالم الثالث وتكافح من أجل الديمقراطية مما يجعلها –أي الأحزاب– هي رأس الرمح في عملية “الدمقرطة” وبالتالي تمثل أهم قوى المجتمع المدني على الإطلاق، في ذات الوقت نجد “هناك من يخرج  الاحزاب السياسية من المجتمع المدني لانها تعمل من أجل الوصول إلى السلطة . وفي هذا الصدد هناك من يدعو إلى تجاوز التعريف التقليدي للمجتمع المدني والمتأثر بالتجربة الغربية وإعادة تعريف المجتمع المدني بما يعبر عن الواقع الأفريقي عامة والسودان على وجه الخصوص، وفي هذا الإطار يشير البعض إلى الدور المحوري للقبيلة في أفريقيا عامة – ومنها السودان – في القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية مما يجعلها جزءاً أصيلاً من المجتمع المدني، كما يشير البعض إلى الطرق الصوفية والإدارة الأهلية على أنها جزء لا يتجزأ من المجتمع المدني في السودان نسبة للدور الأساسي والمهم والكبير الذي تلعبه المنظمات: سياسية واقتصادية واجتماعية. يؤيد الكاتب فكرة إعادة تعريف المجتمع المدني بما يتماشى وواقع كل جماعة، لأن التعريف الغربي الذي غزا العالم الثالث أيضاً كان يعبِّر عن البيئة الغربية. وعلى قادة الفكر في أفريقيا عامة والسودان خاصة أن يسعوا لاستنباط تعريف للمجتمع المدني يتواءم وواقعهم الاجتماعي، لكن هذا الجدل الواسع دون الإِتجاه لإعادة تعريف المجتمع المدني والاكتفاء بنقد الإِتجاه والمفهوم الغربي لا يكفي للنهوض بالمجتمع المدني وتعزيز دوره . إن الإِتفاق على تعريف للمجتمع المدني يعبر عن الواقع السوداني يعد ضرورة حتمية للنهوض بهذا المجتمع وشرط أولي لتحقيق هذا النهوض، لأنه لا يمكن الحديث عن دور للمجتمع المدني دون تحديد لهذا المجتمع الذي نتحدث عنه في السياق السوداني، وما هي القوى المنضوية تحت لوائه حتى يمكن قياس فاعليته ونجاحاته وإخفاقاته وكيفية التنسيق بين قواه المختلفة. 2/ التسييس: نعتقد ان التسييس هو أس الداء وأساس البلاء بالنسبة للمجتمع المدني السوداني، وهو أكبر المعضلات التي تواجهها تنظيماته ويقعد بها عن أداء وظائفها على النحو المطلوب، ويهدد وحدة أعضائها ويشتت ولاءهم. لقد نشأت أغلب منظمات المجتمع المدني مثل النقابات وتنظيمات النساء والطلاب كأذرع للأحزاب السياسية في إطار صراع الأخيرة مع الحكومة الاستعمارية، وبالتالي فقد نشأت مسيسة ابتداءً بسبب ارتباطها الوثيق بالأحزاب السياسية. ولعبت دوراً وطنياً مقدراً في الصراع ضد الاستعمار، وساندت الأحزاب السياسية في صراعها مع المستعمر، وتضامنت مع بعضها البعض في مواجهة الاستعمار. فقد تضامن إتحاد العمال مثلاً، مع طلاب خور طقت ومع إضراب البوليس ومع الأحزاب الوطنية في معارضتها لقانون النشاط الهدام عام 1952م. هنالك إِتفاق حول الدور الوطني لهذه الفصائل، لكن المختلف عليه هو انغماسها في الصراع السياسي في مرحلة ما بعد الاستقلال. لقد كان من المفترض أن تسعى هذه التنظيمات – بعد الاستقلال– الى أن تكون مستقلة عن الأحزاب السياسية الأمر الذي لم يحدث. من جانبها عملت بعض الأحزاب السياسية –خاصة العقائدية– على التنافس لكسب ولاء هذه التنظيمات فأصبحت تنظيمات العمال والمزارعين ومنظمات النساء والشباب والطلاب مكاناً للتنافس بين تلك الأحزاب. لقد أثر ذلك سلباً على هذه التنظيمات لأنه أدى إلى مواجهتها مع السلطات السياسية في كثير من الأحيان لأسباب سياسية قد لا تخدم قواعدها بشكل مباشر، الأمر الذي باعد بين قيادات هذه التنظيمات وقواعدها، كما أدى إلى إِحتكاكات وصراعات فيما بينها على أساس سياسي محض، وقاد إلى تناقض في مواقفها في كثير من الأحيان. لقد كان التنافس محتدماً بين الحزبين الراديكاليين: الشيوعي والحركة الإسلامية لفترة طويلة من الزمن وكانت هذه التنظيمات تمثل الأرضية التي دارت عليها معركة الطرفين، وانعكس ذلك بشكل مباشرة على وحدة تلك التنظيمات فانقسم العمال بين (الإتحاد العام لنقابات السودان) الموالي للحزب الشيوعي و(إتحاد العمال الوطني) الموالي للحركة الإسلامية. وانقسم الشباب بين (إتحاد الشباب السوداني) ذي الميول الشيوعية و(منظمة الشباب الوطني) ذات الميول الإسلامية. وانقسمت النساء بين (الإتحاد النسائي) المحسوب على الحزب الشيوعي و(الجبهة النسائية الوطنية) المحسوبة على الحركة الإسلامية. لقد أدى ذلك إلى صراعات ومصادمات داخل هذه التنظيمات بين الموالين للشيوعيين والموالين للإسلاميين، كانت لها آثارٌ سالبة على وحدة هذه التنظيمات فقللت من فعاليتها ودورها في الساحة السياسية السودانية. كما أدى تسييس هذه التنظيمات إلى تناقض في مواقفها في بعض الأحيان، فعلى سبيل المثال رفض إتحاد العمال الموالي للحزب الشيوعي تجميد مطالب العمال عندما طلبت منه الحكومة الوطنية الأولى ذلك، باعتبار أن المرحلة مرحلة للتحرير وليست للتعمير، حيث عارض الإتحاد هذا الإِتجاه قائلاً بأنه “لا تحرير بدون تعمير” وأَن العمال لن يجمدوا مطالبهم، وعلى الحكومة أن تكون على قدر المسئولية. إِلا أن الإتحاد نفسه قد أعلن –ودون أن يطلب منه أحد ذلك– تجميد مطالب العمال عام 1964م في عهد حكومة جبهة الهيئات بل تبرع الإتحاد بمرتب يوم من العمال دعماً للحكومة. إن السبب في هذا الموقف المتناقض هو التسييس المفرط للإتحاد، ففي إطار معارضته للحكومة (الإتحادية) رفض تجميد المطالب، بينما وافق على ذلك خلال حكومة جبهة الهيئات التي كان للشيوعيين اليد الطولى فيها. وخلال فترة الديمقراطية الثالثة (1986-1989م) برزت المطالب السياسية للتجمع النقابي لتتصدر نشاطه، وفي مذكرة لرئيس الوزراء طالب التجمع النقابي بإلغاء قوانين سبتمبر وإيقاف الحرب في الجنوب، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وعدم تهميش القوى الحديثة وكان رد السيد/ الصادق المهدي رئيس الوزراء هو أن هذا إِتجاه حزبي لا يمثل الأغلبية وأن ميثاق الانتفاضة لم ينص على استبدال (قوانين سبتمبر) بقوانين 1974م كما يطالب التجمع النقابي، ولم ينص على تمثيل معين للقوى الحديثة. إلا أن التجمع النقابي اختار طريق المواجهة مع السلطة السياسية واستخدام سلاح الإضراب لشل نشاطها، وكانت الإضرابات هي السمة المميزة لذلك العهد حتى بلغت أيام الإضراب 332 يوماً في فترة ثلاث سنوات هي عمر الحكومة الديمقراطية الثالثة. لقد لعب التجمع النقابي المسيس الدور الأكبر في إضعاف النظام الديمقراطي من خلال الإضرابات ذات الطابع السياسي. وقد انعكس ذلك سلباً ليس فقط على وحدة عضويته، وإنما على مجمل الحياة السياسية بالبلاد. إن منظمات المجتمع المدني هي عماد الديمقراطية، وبالتالي على الأحزاب السياسية التي تنادي بالديمقراطية وتسعى إليها، أن تعمل على تقوية هذه التنظيمات، ولن تقوى هذه التنظيمات ما لم يتوقف السعي من قبل الأحزاب لاستقطاب هذه التنظيمات لأن ذلك من شأنه شق وحدة هذه التنظيمات. في ذات الوقت يقع على عاتق هذه التنظيمات المسئولية الرئيسية في ذلك ومن ثم فعليها أن تخطط لمستقبلها بعيداً عن السلطة، وما لم تخطط والأحزاب السياسية لمستقبلها، فستكون ضمن مخططات الآخرين، وبالتالي، لا بد أن تعي هذه التنظيمات دورها كاملاً وأن تنصرف لمعالجة شئون أعضائها، مع الابتعاد عن الانغماس في المعارك السياسية ما أمكن ذلك. وأن تعمل على تطوير علاقاتها مع بعضها البعض لأن علاقاتها ببعضها أجدى لها وأنفع من علاقاتها بالأحزاب السياسية. ومع ذلك فيمكن التنسيق مع الأحزاب السياسية في المواقف الوطنية على أساس الندية وليس على أساس هيمنة الأحزاب على هذه التنظيمات واستخدامها في المعارك السياسية. 3/ إشكالية إدارة التنوع العرقي والثقافي بالسودان: يطلق على السودان اسم أفريقيا المصغرة لما فيه من التنوع العرقي واللغوي والديني. كما يعاني السودان من التنمية غير المتوازنة، أو ما يطلق عليه أحياناً اسم التعددية الاقتصادية، حيث تتركز المشروعات التنموية في أواسط البلاد بينما تخلو أطرافها من مثل هذه المشروعات وهو ما تبلور مؤخراً فيما عُرف باسم قضايا المناطق المهمشة. هذا الواقع المعقد مع سوء إدارة التنوع الذي ميز استراتيجيات الحكومات المختلفة ألقى بظلاله على المجتمع المدني وأدى إلى إضعافه، فعلى الرغم من وجود إِتجاهات تقول بأن تنظيمات المجتمع المدني من أهم الوسائل التي تحقق الاندماج بين أفراد الشعب لكونها لا تقوم على أسس عرقية أو دينية، إلا أن الواقع السوداني يقول بخلاف ذلك، لأن الفرد في السودان يصنف أولاً على الأساس العرقي ويلعب الدين أيضاً دوراً رئيسياً في التصنيف، وهو ما استدعى القول بضرورة إعادة تعريف المجتمع المدني على ضوء حقائق الواقع السوداني، فبدلاً من أن تكون تنظيمات المجتمع المدني مكاناً للانصهار وتلاقح الأفكار، وتجاوز الولاءات التحتية، انتقلت عدوى القبلية والجهوية والإِتجاهات السياسية إلى داخل هذه التنظيمات فشغلتها عن مهامها الأساسية، وأدت –من ثم– إلى إضعاف دورها، وحصيلتها العملية. وبالتالي فإن حل هذه المشكلة التي تواجه منظمات المجتمع المدني يأتي في سياق أشمل يعالج قضايا الوحدة الوطنية والتنمية المتوازنة، ويتضمن الأمر كذلك إعلاماً يهدف إلى تحقيق الوحدة الوطنية من خلال تنشئة سياسية واجتماعية يخطط لها في صميم الخطط القومية. 4/ إشكالية التمويل: تعد إشكالية التمويل من أكبر معوقات المجتمع المدني السوداني، وهناك قضية مهمة تتعلق بالموازنة بين السعي لتمويل أنشطة أي منظمة من منظمات المجتمع المدني ودرجة استقلالها، فهناك منظمات أصرت على استقلالها عن السلطة السياسية وعن الجهات الأجنبية فيما يتعلق بأنشطتها، لكنها حرمت من التمويل مما أفشل خططها، وجعلها عاجزة عن تحقيق طموحاتها وإنفاذ خططها، بينما سعت تنظيمات أخرى لتمويل أنشطتها من جهات أجنبية أو من السلطات الحاكمة في بلدها، لكن النتيجة كانت، فقدانها التام لاستقلالها وتوجيه أنشطتها في وجهة تخالف أهدافها وغاياتها التي قامت من أجلها، فكم من منظمة تعمل في مجال حقوق الإنسان ارتمت في أحضان الحكومات بسبب التمويل فكانت نصيراً للحكومات على انتهاك حقوق الإنسان من خلال التقارير الكاذبة التي تصدرها ومساندتها للحكومات، وكم من مؤسسات مدنية وقعت في أحضان جهات أجنبية استخدمتها ضد مصالح مواطنيها بصورة جعلتها تمارس أنشطة تتعارض –جوهرياً– مع أهدافها وغاياتها وإن بدت في مظهرها الخارجي متفقة مع الأهداف المعلنة. وفي بلد فقير كالسودان، تعجز الجمعيات عن تسيير أمورها وتمويل أنشطتها من خلال اشتراكات الأعضاء، ليصبح أمر التمويل شبحاً مخيفاً يلازم الجمعيات وأنشطتها، ومهدداً أساسياً لاستقلالها ووجودها واستمرارها، مما يتطلب ضرورة تضافر الجهود لحل مشكلة تمويل تنظيمات المجتمع المدني، بل يجب على الحكومة دعم تنظيمات المجتمع المدني مع ضمان استقلالها، ولا شك أن هذا يتطلب إصلاحات دستورية وقانونية جوهرية تضمن انسياب الدعم لهذه المنظمات، وتحول دون أية تدخلات من جانب السلطة في أنشطتها، كما يتطلب الأمر جهوداً فكرية تؤكد على “الدور التكاملي” بين الدولة والمجتمع وتوضح حقيقة أن الدولة ليست متناقضة –بالضرورة– مع المجتمع المدني، وأن هناك الكثير من المجالات التي تحتاج إلى تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني. 5/ التجاذب بين الدولة والمجتمع المدني: من أكبر معوقات المجتمع المدني وجود حالة من التجاذب بين الدولة من ناحية، وتنظيمات المجتمع المدني من ناحية أخرى، حيث يتم تبادل الإِتهامات بين الطرفين، فالدولة تعتبر المجتمع المدني غير محايد وأنه مجرد ذراع لتنظيمات سياسية معارضة تستخدمه من أجل الضغط على السلطة لتحقيق مآرب سياسية معينة، كما تتهمه بالارتباط بالخارج وخاصة التنظيمات العاملة في مجال حقوق الإنسان بسبب معلومات دقيقة يتم تداولها في أوساط جمعيات حقوق الإنسان العالمية ومنظمة العفو الدولية، وهو ما يجعل السلطة تتعنت في التعامل مع بعض هذه التنظيمات. من جانبها ترى تنظيمات المجتمع المدني حتمية الصراع بين هذه التنظيمات ومؤسسة الدولة بسبب التناقض في المواقف ابتداءً، ولأن السلطة تعمل على تحقيق هدف الاستمرار في الحكم، الأمر الذي يتطلب إجراءات سياسية وأمنية لا تروق للمجتمع المدني كونه يمثل رأس الرمح في عملية “الدمقرطة” والمشاركة السياسية، وأن من بين تنظيمات المجتمع المدني تنظيمات تعمل في مجال حقوق الإنسان وتسعى لكشف ممارسات السلطة وهو ما لا تقبله السلطة، وبالتالي يقوم التعارض بين الطرفين. ومهما يكن من أمر فإنه يمكن القول بأنه –حتى في أكثر البلدان ديمقراطية– تقوم الصراعات بين السلطة وبعض تنظيمات المجتمع المدني حول الإِختصاصات، وقضايا حقوق الإنسان، والفساد وحماية البيئة والحكم الراشد والشفافية إلى غير ذلك من القضايا الحيوية، لكن شكل العلاقة بين الطرفين يتوقف على درجة الديمقراطية السائدة في الدولة، والأوضاع القانونية والدستورية في الدولة المعينة، وحجم الهامش الذي يمكن لتنظيمات المجتمع المدني التحرك في إطاره، إضافة إلى فاعلية التنظيمات المجتمعية وعلاقاتها الداخلية والخارجية، وقدرتها على التغلغل في أوساط المجتمع، وتعبئة الجماهير،… إِلخ. وفي السودان حيث التسييس هو السمة التي تميز تنظيمات المجتمع المدني تثور الصراعات بين الطرفين بصورة مستمرة لأن الصراع بينهما يتحول إلى صراع بين قوى سياسية، وقد تبلور ذلك في الإضرابات السياسية التي تقودها النقابات، وفي حالات العصيان المدني، وقيادة الثورات الهادفة لقلب النظام كما حدث في أكتوبر 1964م وأبريل 1985م، وفي نوعية المطالب التي تتقدم بها هذه الجماعات ، وقد أدى ذلك إلى حالة من العداء المستحكم بين المجتمع المدني والسلطات السياسية، وهو ما قاد إلى حل تنظيمات المجتمع المدني في بعض الأحيان كما حدث في عهد مايو إِبان الصراع مع الحزب الشيوعي حيث حل النظام إتحاد العمال، وإتحاد النساء السوداني وإتحاد الشباب وعطل الصحف التي تتحدث باسم هذه الجماعات. رؤية مستقبلية للمجتمع المدني السوداني يعتقد الباحث بأن نجاح المجتمع المدني في تحقيق المهام الملقاة على عاتقه، يتوقف –إلى حد كبير– على قدرته في إيجاد حلول للمشاكل التي تمت الإشارة إليها في ثنايا هذا المقال. ولكي يلعب المجتمع المدني دوره على النحو الأكمل لا بد أن يتم الإِتفاق على تحديد التنظيمات والمؤسسات الداخلة فيه، لأن هذا من شأنه تقسيم الأدوار بين المؤسسات المختلفة من أجل الارتقاء بالبيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما أنه من الصعب قياس فاعلية المجتمع المدني ما لم تكن هنالك مؤشرات لقياس هذه الفاعلية، ولكي تطبق هذه المؤشرات لقياس الفاعلية لا بد من معرفة التنظيمات التي تدخل في إطار هذا المجتمع المدني المراد قياس درجة فاعليته. ولما كانت أكبر المعضلات التي تواجه المجتمع المدني السوداني هي مسألة التسييس المفرط لمنظماته، فلا بد من ابتعاد الأحزاب السياسية عن هذه التنظيمات والتوقف عن استقطابها، لأن ذلك يجعل المجتمع المدني مجرد تابع للأحزاب السياسية، ويمكن أن تقوم علاقات بين الأحزاب وهذه المنظمات ولكن على أساس الندية، وليس على أساس الهيمنة. وعلى منظمات المجتمع المدني أن تخطط لمستقبلها، وترسم أهدافها بصورة واضحة حتى لا تكون ضمن مخططات الآخرين، وأن تبتعد عن الانغماس في الصراعات السياسية، إلا إذا اقتضت مصلحتها ذلك ولم يكن من ذلك بد. ولكي تتمكن هذه المنظمات من أداء رسالتها يجب عليها أن تطور علاقاتها مع بعضها البعض لأن ذلك أكثر فائدة لها من علاقاتها مع الأحزاب السياسية.

0 Comments

Leave a Comment