ظهرت التنظيمات الطلابية السودانية في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي في إطار الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار، ومنذئذ انخرط الطلاب في نشاط سياسي محموم وقادوا عدداً من الاضرابات ذات الطابع السياسي الواضح، وتضامنت مع الطلاب تنظيمات أخري كما حدث في إضراب طلبة مدرسة خور طقت عام 1949م ومساندة الاتحاد العام لنقابات عمال السودان لهم، واستمرت جهود الطلاب في إطار معركة التحرير الوطني حتى نال السودان استقلاله في 1/1/1956م.
ولما كان الصراع ضد الاستعمار هو المظلة العريضة التي احتشدت تحتها كل القوي السياسية بالبلاد (أحزاب سياسية وتنظيمات مهنية وفئوية)، فإن الاستقلال أدى إلى انتفاء هذا العامل الموحد من ناحية، وأوجد فرصاً سياسية ومكاسب اقتصادية جديدة سعت الجماعات المختلفة – في تنافس محموم -من اجل الحصول عليها من ناحية أخرى، وقد أدى ذلك الى صراعات سياسية حادة بين هذه التنظيمات في مرحلة ما بعد الاستقلال.
سعت هذه التنظيمات السياسية الى التغلغل في الجامعات، وكانت النتيجة ان كل الاحزاب السياسية الكبرى – تقريباً-لها فروع داخل الجامعات السودانية تتحدث باسمها وتدافع عن مواقف هذه الاحزاب أمام الطلاب، واستمرت على هذه الحالة منذ استقلال السودان وحتى اللحظة الراهنة.
وعلى الرغم من ذلك، فقد كشفت دراسة أشرف عليها كاتب هذا المقال على انه، ورغم طول عمر هذه التنظيمات الطلابية، فقد لوحظ قلة العضوية الملتزمة في هذه التنظيمات الطلابية حيث اشارت نتائج الدراسة الى ان نسبة طلبة الجامعات السودانية المنتمين سياسياً (الملتزمين تنظيمياً) لا تتجاوز ال 7% فقط من مجموع طلبة الجامعات السودانية، لذلك سعت الدراسة الى معرفة الاسباب الكامنة خلف هذه المفارقة؟
لقد ظهرت التنظيمات الطلابية السودانية في ثلاثينيات القرن الماضي حين أسس الطلاب السودانيون (جمعية الثقافة والإصلاح) عام 1938م، ثم انفتح الباب امام التنظيمات الطلابية بالسودان، وقد لعبت تنظيمات الطلاب دوراً رائداً في التصدي للحكومة الاستعمارية، ووحدت جهودها مع الجماعات الوطنية الأخرى بالبلاد من الاحزاب السياسية ونقابات العمال وتنظيمات النساء، وبعد الاستقلال ظلت التنظيمات الطلابية في قلب المعركة السياسية: تأييدا ومعارضة للأنظمة الحاكمة.
لكن المتأمل في تجربة الطلاب بالسودان يلاحظ وجود ارتباط قوى بين تنظيمات الطلاب والأحزاب السياسية بالبلاد الى درجة أن البعض وصفها (أي التنظيمات الطلابية) بأنها مجرد أذرع للأحزاب السياسية بالجامعات، وانه رغم سيطرة هذه التنظيمات على مجمل الأوضاع بالجامعات لكن عدد المنتمين لها يمثل نسبة ضعيفة من الطلاب لا تتعدى كثيراً الـ (7%). لقد أكد 92.9% من افراد العينة عدم انتمائهم لأي حزب سياسي، بينما أكد 7.1% من أفراد العينة انتماءهم للأحزاب السياسية، وقد كانت تفاصيلهم كالآتي: أحزاب عقائدية (4.3%)، أحزاب وطنية تاريخية (1.1%)، أحزاب عروبية (0.5 %)، وجماعات عرقية وجهوية (1.1%) وقد سعت الدراسة الى معرفة أسباب احجام الطلاب عن المشاركة السياسية والانضمام لهذه التنظيمات الطلابية.
اعتمدت الدراسة بشكل رئيسي على المنهج الإحصائي من خلال الاستبيان، وقد وزعت الاستبيانات على طلاب ينتمون الى اربع جامعات سودانية ، وبعد ان تم تحليل بيانات الاستمارات تم التوصل الى عدد من النتائج منها أن هناك عزوفاً من قبل الطلاب عن العمل السياسي إذ قال بذلك 55.5% من أفراد العينة ، وإن الاسباب التي جعلت الطلاب يبتعدون عن دائرة العمل السياسي تتمثل في : الانشغال بالالتزامات الأكاديمية ، السياسات الخاطئة التي ارتكبتها الانظمة السياسية السودانية جعلت البعض يؤثر الابتعاد عن دائرة النشاط السياسي عموماً، ضعف التنظيمات السياسية الطلابية وعدم قدرتها على تحقيق مصالح الطلاب بالصورة المطلوبة ، وأن التنظيمات ليست مستقلة، وإنما هي – في نظرهم- مجرد أذرع للأحزاب السياسية السودانية التي تعمل خارج البيئة الجامعية ، وأن التنظيمات الطلابية تهتم بخدمة أهداف التنظيمات السياسية المنتمية إليها خارج الجامعة أكثر من اهتمامها بقضايا الطلاب .
أكد عدد كبير من الطلاب (تجاوزت نسبتهم 65%) على أهمية المشاركة في التنظيمات الطلابية، ونشر الثقافة الديمقراطية وثقافة المشاركة في أوساطهم، وأن الانخراط في النشاط الطلابي السياسي هو عملية تربوية من نوع خاص ولا بد أن يمر بها الطالب، وان التنظيمات الطلابية يفترض أن تقوم بصقل شخصية الطالب وتنمية قدراته القيادية والحوارية، والتنظيم الطلابي مصدر جيد للمعلومات ووسيلة فعالة للتدريب
لكن الطلاب أكدوا على أن التنظيمات السياسية عجزت عن كسب ولاء الطلاب ، وأن التنظيمات الطلابية غدت أدوات تستخدمها الأحزاب السياسية وتدير معركتها السياسية من خلالها ، وأن الأحزاب السياسية وتنظيماتها الطلابية تنشط في تقديم الخدمات للطلاب في مواسم الانتخابات فقط لكسبهم واحتوائهم ، بينما تتجاهل مطالبهم في الظروف العادية ، و الخطاب السياسي للتنظيمات السياسية الطلابية هو نفس خطاب الأحزاب التي تنتمى لها هذه التنظيمات، وإن رسالة التنظيم الطلابي – تشابه الى حد كبير- رسالة الأحزاب السياسية خارج البيئة الجامعية رغم اختلاف البيئة الجامعية عن البيئة السياسية العامة ، وبالتالي فان خطاب التنظيمات الطلابية لا يشبع الحاجات الفكرية والنفسية والاجتماعية للطلاب الجامعيين ، وإن تحكم الأحزاب السياسية الكامل في التنظيمات الطلابية يؤثر سلباً على التنظيم الطلابي الذى تنتمى إليها هذه التنظيمات ، كما ان التنظيمات الطلابية تتميز بالضعف والقصور في التخطيط وآليات العمل ، وكل هذه الأسباب قادت الى ضعف المشاركة الطلابية في الشأن السياسي عموماً .
وترى شريحة من الطلاب ان من اسباب العزوف عن العمل السياسي في الوسط الطلابي (بالإضافة الى مثالب التنظيمات السياسية الطلابية) إن العمل السياسي الطلابي نفسه ليس من أولويات الحياة الجامعية، وإن النشاط السياسي يشغل الطالب عن الدراسة والتحصيل العلمي، وإن النشاط السياسي يدخل الطالب في صراع يشغله عن أداء رسالته الأساسية وهو في غنى عن ذلك.
وبناءً على نتائج الدراسة – التي لم يتسع المجال لذكرها كاملة -أوصت الدراسة بالآتي:
- العمل على تطوير الخطاب السياسي للتنظيمات الطلابية بما يشبع الحاجات الفكرية للطلاب، وبما يراعى خصوصية الوسط الطلابي واحتياجاته.
- التركيز على خدمة قضايا الطلاب، وإعطاء المزيد من الاهتمام للمسائل الخدمية التي تهم قطاعات واسعة من الطلاب.
- وضع خطة لتقديم الخدمات للطلاب طوال العام، وعدم ربط تقديم الخدمات بمواسم الانتخابات.
- الاهتمام بترقية الجانب الفكري للقيادة الطلابية، وحثها على الاطلاع والمواكبة.
- التنسيق بين القيادات الطلابية بالخرطوم والقيادات الطلابية بالولايات من أجل تبادل الآراء والخبرات
- العمل على ايجاد علاقة متوازنة بين التنظيمات الطلابية والتنظيمات السياسية خارج البيئة الجامعية مع ضرورة الانحياز للطلاب إذا تعارضت مواقفهم مع مواقف القوى السياسية الخارجية.
- الموازنة بين الالتزامات الأكاديمية والعمل النقابي والسياسي الطلابي، بحيث تكون القيادات الطلابية قدوة لبقية اعضاء التنظيم وعدم إهمال جانب منها لحساب جانب آخر.
- وجوب تقديم المعلومة الصحيحة والموضوعية للطلاب، والابتعاد عن أساليب الكذب والإثارة.
- تنوير قواعد التنظيم السياسي، وتزويدها بالمعلومات اللازمة عن القضايا السياسية: داخلياً وإقليمياً ودولياً.
- العمل على زيادة فاعلية التنظيم السياسي من خلال التدريب الجيد لعضويته، وتعبئة العضوية لتحقيق الأهداف المرسومة.
- إجراء عمليات التقييم والمراجعة للنشاط والممارسة السياسية السابقة، مع تحديد الأهداف المستقبلية بدقة.
- تشجيع روح المبادرة في الطلاب، وتوفير فرص التعبير الحر عن الآراء.
- التزام الحياد والموضوعية في تقديم وتأخير القيادات الطلابية واعتماد الكسب الشخصي للعضو كمعيار اساسي في ذلك.
- بناء علاقة متوازنة بين التنظيم الطلابي والحزب السياسي تمكن التنظيم الطلابي من اختيار الاساليب المناسبة في عمله السياسي دون تدخل مباشر من الحزب.
- الاهتمام بالتنمية البشرية الطلابية لخلق كوادر مستنيرة ومتدربة وقادرة على العطاء.
- عمل برنامج طواف مكثف للقيادات الطلابية على كل انحاء السودان لمعرفة جماعاته وأوضاعه الاجتماعية والثقافية.
- الابتعاد عن العنف كوسيلة لحسم الصراعات السياسية داخل الوسط الجامعي.
- ترغيب الطلاب في الانضمام للتنظيمات السياسية من خلال إعلاء روح التكامل بين الطلاب، والعمل على حل مشاكل الوسط الطلابي، وتقديم القدوة الحسنة، وتوازن الخطاب السياسي، والابتعاد عن التجريح الشخصي للقيادات الطلابية.
- وضع ميثاق طلابي للعمل السياسي توقع عليه كافة التنظيمات السياسية الطلابية تلتزم فيه بروح التسامح وأسلوب الحوار والابتعاد عن العنف في علاقاتها ومع الاخرين.
0 Comments