Skip to main content

Dr.Baha'a Makkawi

متطلبات وآليات تطبيق معايير الجودة في التعليم العالي

 تقوم الجودة الشاملة في التعليم على عدد من المبادئ من أهمها: ضرورة العمل على تَفَهُّم احتياجات الطُلّاب وأرباب العمل والمجتمع المحلي والسعي الجاد لتحقيق توقعات هذه الفئات، ووجود قيادة فاعلة وقادرة على صياغة رؤية وأهداف واستراتيجيات المنظومة التعليمية وتهيئة المناخ التعليمي لتحقيق الأهداف المنشودة، وتعبئة وحشد وتسخير طاقات كل العاملين لخدمة أهداف المؤسسة التعليمية، والتركيز على استنباط الوسائل الملائمة لتحقيق الأهداف بعيدة المدى وليس على حل المشكلات العارضة التي تطرأ من خلال الممارسة، واتخاذ القرارات بطريقة علمية تقوم على جمع البيانات وتحليلها واستخلاص النتائج، وتكثيف الجهود بهدف التحسين المستمر للمنتج التعليمي كهدف استراتيجي ودائم للمؤسسة، والاستقلالية في اتخاذ القرارات الملائمة التي تحقِّق أهداف المؤسسة([1])

إن تطبيق نظام إدارة الجودة الشاملة في مؤسسات التعليم العالي يتطلب القناعة الكاملة من الإدارة العليا للمؤسسة بأهمية الجودة، والتفهم الكامل لمتطلباتها والالتزام التام بمبادئها، كما يتطلَّب سعي الإدارة المستمر لإشاعة الثقافة التنظيمية والمناخ التنظيمي الملائم لإدارة الجودة الشاملة داخل المؤسسة، وتوفير التعليم والتدريب المستمِرَين للعاملين في المؤسسة المعنية، والتنسيق الفعال بين الإدارات والأقسام والكليات وتفعيل الاتصالات بينها، وإتاحة الفرصة لجميع المستويات الإدارية للمؤسسة لكي تشارك في جهود تحسين الأداء، بالإضافة إلى توفير نظام معلومات دقيق وفعال لإدارة الجودة الشاملة ([2]). إن الإطار الواسع الذي تقوم عليه فلسفة الجودة الشاملة يقتضي التخطيط للجودة في كل وحدات وأنشطة المؤسسة، والتنسيق التام بين هذه الوحدات من أجل تحقيق الأهداف المحددة سلفاً، وهذا ما يقتضي اشتراك كل وحدات المؤسسة في السعي لتطبيق مبادئ الجودة في مجال عملها وبالتنسيق مع الوحدات الأخرى في المؤسسة. لقد نادى مالكولم بالديرج (Malcolm Baldirg)، والذي كان له الفضل في إدخال مفهوم الجودة الشاملة في التعليم بالولايات المتحدة الامريكية مطلع ثمانينات القرن الماضي، بتطبيق المبادئ التالية على التعليم ([3]): أ. ضرورة تضافر جهود أعضاء الهيئات التدريسية والإداريين من أجل تحقيق الجودة. ب. الاهتمام بمنع الطُلّاب من الفشل وليس دراسة أسباب الفشل بعد وقوعه. ج. استخدام الإحصاء في تحسين العمليات الإدارية وإنجازات الطُلّاب. د. الاهتمام بتدريب كل أفراد المؤسسة على أعمال الجودة. ه. الاتفاق – داخل المؤسسة- على معايير واضحة تحدد جودة العمليات والمخرجات وأن تراجع هذه المعايير سنوياً.
  1. خطوات تطبيق الجودة الشاملة في التعليم العالي:
يقتضي نجاح تطبيق الجودة الشاملة في التعليم العالي التَدَرُّج في هذه العملية، واتباع خطوات متسلسلة تُؤدي كلٌ منها إلى الخطوة التي تليها. أولى هذه الخطوات هي التمهيد لتطبيق الجودة بنشر ثقافة الجودة داخل المؤسسة من خلال المحاضرات والندوات والدورات التدريبية للعاملين بما يمكنهم من مواكبة التطورات التي سوف تحدث في مؤسستهم، ثم وضع خطة شاملة للتطوير يتم فيها تحديد أهداف النظام، والمستفيدين من الخدمة التعليمية، والاحتياجات، وعوامل النجاح. تعقب ذلك مرحلة التنظيم وذلك بتعبئة أعضاء الهيئة التدريسية والموظفين لتنفيذ الخطة، ثم مرحلة التنفيذ وتكون بتكوين مجموعات عمل صغيرة  تعمل بشكل مستمر من أجل تنفيذ متطلبات الجودة، وأخيراً تأتي مرحلة التقويم للتأكد من أن ممارسة الأعمال الأكادِيميَّة والإداريَّة تتسق مع مبادئ الجودة الشاملة والمعايير المعتمدة ([4]).   شكل رقم (2) خطوات تطبيق الجودة الشاملة في التعليم العالي   وعىجع سبق ذكرهلأزاريطة، 2008، ص5ذه الهيئة أو المنظمة.روري من معايير الكفاءةسة علمية متخصصةقها بهدف قياس الواقع في ضوئه للتعرف علعلى الرغم من الاختلافات الواسعة حول الخطوات التي يجب على الإدارات التعليمية في مؤسسات التعليم العالي اتخاذها بهدف تعزيز الجودة في ممارساتها بشكل عام، ومن ضمنها جودة البرامج العِلمِيَّة فيها، إلاَّ أن أغلب البحوث والدراسات تشير إلى أن تعزيز الجودة يتطلب فهماً عميقاً لفلسفة ونطاق الجودة، وتلاؤماً ذهنياً مع فلسفة التغيير المستمر، وتحديد القيم المستهدفة للجودة وبرامج تنفيذها ومراقبتها للتأكد من تحقُّق القيم المطلوبة، وتطوير نظام متكامل للجودة بالمؤسسة يشمل سياسة الجودة، والخطة الاستراتيجية للجودة، والخطة التنفيذية، والخطة التدريبية، وتزويد أفراد المؤسسة بثقافة الجودة وتدريبهم على تقبل التغيير والعمل كفريق من أجل تحقيق الأهداف المنشودة، وتعزيز قدرات الفريق على مواجهة المشكلات وتصحيح المسار، ووضع الخطط للتحسين المستمر، ودعم الاستراتيجيات التي تضعها قيادة المؤسسة والعمل على تنفيذها من قبل كل العاملين في المؤسسة كل من موقعه، وتطوير المشاركة الإيجابية للعاملين من خلال التغذية الراجعة، والتخطيط للحصول على الاعتماد ([5]).  
  1. تحديات تطبيق نظام ضمان الجودة في التعليم العالي:
يواجه تطبيق نظام ضمان الجودة في مؤسسات التعليم العالي العديد من التحديات التي يجب التصدي لها لضمان تحقيق الأهداف المرجوة من هذا النظام، ومن أهم هذه التحديات:
  1. عدم وضوح سياسة تطبيق نظام الجودة في كثير من مؤسسات التعليم العالي وذلك بسبب الفجوة وعدم التواصل بين قيادات الجامعات ومسؤولي الجودة فيها، وعدم إشراك أصحاب المصلحة في تحديد سياسات الجودة، والمركزية القابضة فيما يتعلق بنظام الجودة ([6])
  2. قصور آليات نشر ثقافة الجودة في مؤسسات التعليم العالي، ونقص التدريب اللازم لتوعية أعضاء الهيئة التدريسية بأهمية الجودة وآليات تنفيذ متطلباتها، وغياب ثقافة العمل الجماعي بين العاملين في كثير من مؤسسات التعليم العالي، وقِلَّة الكوادر المؤهلة في مجال نظم الجودة ([7]).
  3. صعوبة التحقُّق من تطبيق معايير الجودة في التعليم عن بعد: يقصد بالتعليم عن بعد ” عمليّة نقل المعرفة إلى المتعلِّم في موقع إقامته أو عمله بدلاً من انتقال المتعلِّم إلى المؤسسة التعليميّة، وهو مبني على أساس إيصال المعرفة والمهارات والمواد التعليميّة إلى المتعلِّم عبر وسائط وأساليب تقنية مختلفة، حيث يكون المتعلِّم بعيداً أو منفصلاً عن المعلِّم أو القائم على العملية التعليميّة، ويستخدم التكنولوجيا من أجل سد الفجوة بين كلٍّ من الطرفين بما يُحَاكِي الاتصال الذي يحدث وجهاً لوجه”([8]).
لقد اقتضت بعض الظروف مثل وباء كورونا الذي انتشر في كل انحاء العالم خلال العام 2020 والأعوام التي تلته اللجوء إلى هذا النوع من التعليم، ولكن يُشَكِّك الكثيرون في إمكانية ضبط الجودة في البرامج الأكادِيميَّة التي تقوم على هذا النمط التعليمي لصعوبة التحكم فيه خاصة في عملية التقييم.   بالإضافة إلى ذلك، فإن من أهم التحديات التي تواجه عملية تطبيق نظام ضمان الجودة بمؤسسات التعليم العالي عدم قناعة بعض قيادات الجامعات والكليات بأهمية ضمان الجودة، ومقاومة بعض أعضاء هيئة التدريس لجهود وحدات ضمان الجودة بسبب عدم قناعتهم بالأثر الإيجابي لتطبيق معايير ضمان الجودة على العملية التعليمية، بالإضافة إلى تغير القيادات التي تقود عملية ضمان الجودة، وفي بعض الأحيان يؤدي تغيير القيادة إلى توقف تنفيذ خطة وحدة ضمان الجودة، أو تأخيرها بالانصراف إلى جوانب أخرى قبل استكمال ما شرعت فيه القيادات السابقة. ولمواجهة هذه التحديات لا بد من نشر ثقافة الجودة في كل المؤسسة، والتبصير بأهمية الالتزام بمعايير الجودة  والتأثير الإيجابي لذلك في تعزيز مكانة الجامعة وسمعتها الأكادِيميَّة، وإقامة المحاضرات والندوات وورش العمل لتعريف منسوبي الجامعة بمفهوم الجودة وأهميتها ومعاييرها وآليات تطبيقها، وإشراك كل منسوبي المؤسسة التعليمية في تنفيذ متطلبات الجودة بأقسامها ووحداتها المختلفة، وفتح آفاق التواصل بين إدارات الجامعات ووحدات ضمان الجودة، وتشجيع هذه الوحدات على التطبيق الصارم لمعايير ضمان الجودة، ومتابعة أدائها بدِقَّة من أجل تحقيق المزيد من الإنجازات على هذا الصعيد، بالإضافة إلى إشراك أصحاب المصلحة من الطُلّاب وأولياء الأمور وأرباب العمل في التخطيط لضمان الجودة. ولضمان الجودة في التعليم عن بعد ينبغي اختيار طرق التعليم والتعليم المناسبة لهذا النوع من التعليم، والتي تضمن التفاعل بين طرفي العملية التعليمية، وتؤكد على نظام الحضور الفعلي للمحاضرات؛ وضرورة إيجاد نظام تَتَبُّع عالي الكفاءة للتأكد من استخدام المتعلمين لمصادر التَعَلُّم، وتفعيل آليات محاصرة الانتحال ومعاقبة مرتكبيه، واختيار أدوات التقييم المناسبة لهذا النوع من التعليم. ولضمان تطبيق نظام الجودة الشاملة في مؤسسات التعليم العالي لا بد من وجود سياسة واضحة للجودة بالمؤسسة، وتوفر هيكل تنظيمي واضح يحدد مسؤوليات العاملين في مجال ضمان الجودة بالمؤسسة، والحرص على تنظيم لقاءات دوريَّة بين إدارات مؤسسات التعليم العالي ووحدات ضمان الجودة في هذه المؤسسات، ووجود قدر مناسب من اللامركزية في اتخاذ القرارات تُمكِّن المستويات الإدارية والأكادِيميَّة المختلفة من اتخاذ القرارات التي تُحقِّق أهداف الجودة في الوقت المناسب، ووجود خطة تدريبية واضحة لأعضاء الهيئة التدريسية حول ضمان الجودة وتقارير حول الإنجازات التي تحقَّقت في هذا الصدد. [1]  رشدي أحمد طعيمه مرجع سبق ذكره، ص 28-29. [2]     هدى أحمد إبراهيم، أثر تطبيق ممارسات نواتج التَعَلُّم في تحقيق الجودة الشاملة للتعليم الجامعي في المملكة العربية السعودية، المجلة العربيــــة لجـــــودة التعليـــــم، المجلد ٤، العـــدد ٢، تشرين الأول/ اكتوبر2017، ص 15. [3]   المرجع السابق نفسه، ص 27. [4]  لمزيد من التفصيل ينظر: رافدة عمر الحريري، مرجع سبق ذكره، ص 201-202 [5]  محمد عطوة مجاهد، ثقافة المعايير والجودة في التعليم، (الأزاريطة: دار الجامعة الجديدة، 2008)، ص 61-62. [6] صليحة رقاد وياسين لعكيكزة، معوقات تطبيق نظام الجودة في مؤسسات التعليم العالي في مؤسسات التعليم العالي الجزائرية، المجلة الجزائرية للدراسات المحاسبية والمالية، العدد (3)، ديسمبر 2016م، ص 111. [7]  عبد الرحمن محمد النصيان وعبد الناصر راضي محمد، مرجع سبق ذكره، ص 4-6. [8]  المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم(يونسكو)، التعليم عن بعد: مفهومه، أدواته، واستراتيجياته: دليل لصانعي السياسات في التعليم الأكاديمي والمهني، 2020م، ص14.

0 Comments

Leave a Comment