تخيل الآتي…… أنت سياسي ومرشح لمنصب سياسي رفيع ضد خصم سياسي عتيد ، وتم تنظيم مناظرة حاشدة بينك وهذا المرشح ، وبدأت المناظرة ، وطلب مدير الجلسة من خصمك أن يبدأ النقاش ، فابتدره بسؤالين على النحو التالي :- الخصم (موجهاً حديثه لك) : طبعاً أنت سياسي .. أليس كذلك ؟ أنت : طبعاً !! . الخصم :هل يمكن أن تحدثني عن مفهوم السياسة ؟ ……………………………………………….. إنتبه …ربما تكون عدم قدرتك على تقديم إجابة متماسكة على هذا السؤال- الذي يبدو بديهياً في نظر الحاضرين- سبباً في اخفاقك في الانتخابات وتقدم خصمك وفوزه !!!! لماذا ؟ لأنك قدمت نفسك على أنك ( سياسي) ولكنك لم تبرهن ( بصورة مقنعة) إدراكك لمعنى السياسة ، ويعتقد الحضور أن هذا سؤال سهل ، وإجابته ينبغي أن تكون واضحة خاصة بالنسبة لك ( كسياسي) وهي نقطة سيستخدمها خصمك ضدك . الآن أسألك بصراحة شديدة، هل كنت مستعداً للاجابة على هذا السؤال ؟! ، هل سألت نفسك يوماً ما عن معنى السياسة؟!! الآن دعني أقول لك الآتي : يقول أحد علماء السياسة المرموقين : ” يجد البعض في مفهوم السياسة بساطة واضحة من الوهلة الأولى ، فهو من اكثر المفاهيم تداولاً وانتشاراً بين الناس مثله مثل الرياضة أو الفن أو الحب يعرفها الناس ويتحدثون عنها بكثرة ، ولكنهم قد لا يستطيعون تقديم تعريف محدد لها ” . ولكن اذا كنت سياسياً محترفاً ، أو صحافياً متخصصاً في الشؤون السياسية ، أو مثقفاً مهتماً بمناقشة الأوضاع السياسية في مجتمعك ، فانت بحاجة إلى معرفة هذا المفهوم جيداً.
فما المقصود بالسياسة ؟؟؟؟
تعريف السياسة:
سوف يتم التطرق في هذا الجزء الى معني السياسة من الناحيتين : اللغوية والاصطلاحية
(أ)السياسة لغة:-
جاء في لسان العرب لابن منظور ان السياسة مصدر للفعل ساس يسوس ، وساس الأمر سياسة: قام به ، وسوسه القوم:جعلوه يسوسهم
(1)
يقول الفيروزآبادي- صاحب القاموس المحيط – سست الرعية سياسة، أي أمرتها ونهيتها
(2)
وقال ابن حجر: يسوس الشئ أي يتعهده بما يصلحه
(3)
والسياسة فعل السائس الذي يسوس الدواب سياسة ، أي يقوم عليها ويروضها ، والوالي يسوس الرعية أي يأمرهم
(4)
وجاء في الحديث النبوي الشريف “كان بنو اسرائيل يسوسهم أنبياؤهم” أي يتولون أمورهم كما يفعل الولاة بالرعية.
كما وردت كلمة سياسة ومشتقاتها في شعر العرب ، تقول الخنساء :
ومعاصم للهالكين وساسة قوم محاشد
ويقول ابو العلاء المعري :
يسوسون الأمور بغير عقل فينفذ أمرهم ويقال ساسة
وقال الحطيئة :
يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد
وبشكل عام يمكن القول إن السياسة في اللغة العربية تشير إلى معنى الرياسة والقيادة والذكاء والفطنة والكياسة والدهاء .
أما مصطلح السياسة في اللغات الغربية ومنها الانجليزية ((Politics والفرنسية Politique)) فهو مشتق من ثلاث كلمات لاتينية هي:
(1)Polis وتعني المدينة ، وقد كانت المدينة هي الوحدة السياسية في اليونان القديمة ، حيث عرفت اليونان آنذاك ما أطلق عليه اسم دولة المدنية City – State )) .
(2) Politica وتعني الأشياء السياسية والمدنية النظرية ، وكل ما إذا ذكر تبادر إلى الذهن معنى السياسة كالدستور والحكومة والسيادة وغيرها من الكلمات .
(3) Politike وتعني السياسة كفن او كممارسة يقوم بها السياسيون .
(5)
كذلك يميز العلماء بين مصطلح السياسة المعرف بالألف واللام والذي تقابله كلمة(Politics) ومصطلح سياسة المجرد من الألف واللام والذي تقابله كلمة Policy) )لان الأخير يشير الى ما تصنعه الدولة وتنفذه من خطط وبرامج عمل ، كان نقول سياسة خارجية Foreign Policy)) و سياسة مالية Financial Policy)) وسياسة اجتماعية ((Social Policy و سياسة اقتصادية (Economic Policy) وتشكل – مجتمعة – سياسات(Policies ) الدولة ، وتمثل الجوانب العملية الهادفة الى تحقيق غايات الدولة
(6).
(ب) السياسة اصطلاحاً:-
أولاً: في الفكر الغربي :
هناك اختلافات واسعة بين العلماء والمفكرين الغربيين حول تعريف معنى السياسىة من الناحية الاصطلاحية ، ولا يمكن لأي باحث واحد أن يحصي التعريفات الواردة بشأن السياسة لكثرتها وتباين اتجاهات القائلين بها ، وحينما يتم استعراض الاراء المختلفة حول السياسة ، يلاحظ المرء أن هناك اختلافات واسعة حول المفهوم ، لكنها تعني – كقدر مشترك بين المفكرين – كل ما يتعلق بالدولة والسلطة الحاكمة وعلاقتها بالمواطنين ، ولكن من منطلقات مختلفة ، ومتعارضة في بعض الاحيان ،وما ذلك إلا بسبب اختلاف الزوايا التي ينظر من خلالها كل مفكر إلى الموضوع ، ومنطلقه نحو دراسته .لكن ، ورغم الاختلافات الواسعة حول هذا الموضوع ، وتشعب الاراء حوله ، يمكن التمييز بين الاتجاهات التالية في تعريف السياسة :
الاتجاه الأول : السياسة هي فن الحكم :
طبقاً لهذا الاتجاه ، فإن السياسة هي فن حكم الناس ، وهو اتجاه قديم برز في كتابات اليونانيين القدماء من أمثال: سقراط وإفلاطون، ، حيث يرى سقراط 469-399 ق. م ) أن ” السياسة هي فن الحكم والسياسي هو الذي يعرف هذا الفن ” . وبالتالي فان السياسة عند سقراط هي (فن ) يتفاوت الناس في كسبهم منه ، فمنهم السياسي البارع الذي يجيد هذا الفن ، ومنهم من لا يجيده ، بينما يرى افلاطون (428-347 ق.م) ان ( السياسة هي فن حكم الافراد برضاهم ، والسياسي هو الذي يعرف هذا الفن ) .
يلاحظ ان هذا الاتجاه يركز – بشكل مباشر – على ما يعرف اليوم في الادبيات السياسية بالرضا الشعبي ((Popular Consent ، حيث أكد هذا الاتجاه على ان الحكم يكون برضاء المحكومين وليس عن طريق القوة ، ولا غرو في ذلك فقد عاش هؤلاء المفكرون في كنف الديمقراطية الاثينية ، وشاركوا في حياتها العامة ، وأسهموا في تطويرها ، وكانت لهم فيها صولات وجولات .
الاتجاه الثاني :السياسة هي الصراع على الحكم :
يرى اصحاب هذا الاتجاه ان السياسة هي صراع مستمر بين الافراد والجماعات من أجل الوصول الى السلطة ، فقد قال هانز مورجنثاو (1904-1980) إن (السياسة هي مجال السلطة والعمل السياسي هو الكفاح من أجل القوة)
(7) .
بينما يرى ميكافيللي (1469- 1527) ” ان السياسة ما هي الا معركة ، بل هي معركة مستمرة تتمثل في الصراع على القوة”
(8).
وكذلك يرى اغلب الاشتراكيين ان السياسة تعني الصراع، فعلى سبيل المثال يعرفها تروتسكي (*) على انها : النشاط الاجتماعي المرتبط على نحو وثيق بالكفاح من أجل السلطة ” .وهي عند جورج كلاوس “صراع بالدرجة الاولى بين الطبقات حول السلطة الاقتصادية والدولية يهدف الى استخدام سلطة الدولة لتحقيق المصالح الطبقية وصيانتها والدفاع عنها ”
(9) .ومع ذلك فان بعض الاشتراكيين من امثال روبرت أوين وفورييه برودون ، رغم ايمانهم بالصراع الطبقي ، فانهم يرفضون فكرة الصراع السياسي ويعولون على التدابير الاقتصادية
الاتجاه الثالث :السياسة هي النفوذ السلطوي :
طبقاً لهذا الاتجاه ، فإن السياسة هي السعي للسلطة من أجل بسط النفوذ ، وعلى الرغم من الاتفاق حول هذا الهدف ( بسط النفوذ ) ، الا ان هناك اختلافاً حول الهدف من بسط النفوذ ، فبينما يرى البعض انه لتحقيق مصالح ذاتية ، يرى اخرون ان الهدف هو السعي لتلبية احتياجات المجتمع ، وتحقيق الصالح العام .
الاتجاه الرابع :السياسة هي فن الخداع :
يرى البعض ان السياسة هي ” فن حكم البشر عن طريق خداعهم ” وان السياسة هي المكر والخداع والمساومة ، والسياسي هو الذي يجيد المكر والخداع ، وكلما كان السياسي مخادعاً ، كلما كان ناجحاً وقادراً على الاحتفاظ بالسلطة لفترة أطول
(10) .
ثانياً: السياسة في الفكر الاسلامي :
يختلف المفهوم الاسلامي للسياسة عن المفهوم الغربي لها ،لأن السلطة في الاسلام ليست غاية بذاتها ، وانما هي وسيلة لحمل المجتمع المسلم على مقتضى الشرع . يقول العلامة عبد الرحمن بن خلدون إن السياسة ثلاثة انواع :
1- السياسة الطبيعية : وتعني حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة بما يحقق الاستبداد والمصالح الفردية .
2- السياسة العقلية : وهي حمل الناس على مقتضى النظر العقلي بما يحقق مصالحهم ويدفع عنهم الضرر في الدنيا.
3- السياسة الشرعية : وتعني حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي بما يحقق مصالحهم الدنيوية والاخروية معاً، ويحصل نفع هذه السياسة في الدارين
(11) .
يقول شهاب الدين بن أبي الربيع المتوفي عام 227 ه الموافق 842 إن السياسة هي (القيام بأمر الناس وتدبير أحوالهم بالدين القيم والسنة العادلة )
(12).
يعرفها الإمام الغزالي رحمه الله بأنها (صلاح الخلق عن طريق إرشادهم إلى الطريق المستقيم المنجي في الدنيا والمؤدي إلى الاخرة )
(13).
ومما تجدر الاشارة اليه هو ان الاسلام – يقول الدكتور محمد عمارة – لم يتعرض للتفصيلات في شكل الحكم الاسلامي ، ولم يحدد شكلاً معيناً للحكم باعتباره نموذج الدولة الاسلامية ، وانما ترك ذلك للمسلمين – في اطار الوصايا الكلية المقررة في الدين – لاستنباط شكل الحكم الذي يناسب ظروف الزمان والمكان الذي يعيشون فيه.
يقول الامام ابن القيم – رحمه الله – ان السياسة هي ” ما كان الناس معه اقرب الى الصلاح وابعد عن الفساد، وان لم يشرعه رسول ولا نزل به وحي ، فاذا قامت امارات الحق وبرزت ادلة العدل واسفر صبحه باي وجه فثم شرع الله ودينه ورضاه وامره ، فالطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها ، وانما المراد غايتها التي هي المقاصد “
(14).
ولان الاسلام لم يتعرض للتفصيلات ، فان عملية تطبيق الحكم الاسلامي هي مسألة اجتهادية قابلة للخطأ والصواب ، واراء الحاكم – كبشر مجتهد – قابلة للاخذ والرد والتعديل بالحذف والاضافة ، وهي ليست مقدسة لانها اجتهاد بشري .
والاسلام يؤكد على الشورى ، ويدعو لتقديم النصح للحكام ، ويجعل الاستماع الى اراء المحكومين واجباً على الحكام ، وقد جاء في القران الكريم ” وشاورهم في الامر ) ، وقد مارس الرسول صلى الله عليه وسلم الشورى حتى قال عنه ابوهريرة ” لم يكن أحد اكثر مشورة لاصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ويقول ابن تيمية ” لا غنى لولي الامر عن المشاورة فان الله تعالى أمر بها نبيه ” .
كما ان الحاكم في الدولة الاسلامية لا ينوب عن الله ،كما تقول بذلك النظريات الثيوقراطية التي ظهرت في الغرب ، بل عن الشعب . يقول الامام محمد عبده ان ” الامة او نائب الامة هو الذي ينصبه … فهو حاكم ” مدني ” من جميع الوجوه “.
وهناك خلاف بين الفقهاء حول وجوب نصب الامام ، فبينما يرى فريق بان امر تولية الخليفة واجب شرع لاجتماع الصحابة والتابعين على تولية الخليفة ، ولان تولية الخليفة يتوقف عليها صلاح الرعية وحفظ كيان الامة ، يرى فريق اخر ان الخلافة غير واجبة شرعاًحيث لم يرد للخلافة بهذا المعنى ذكر في القران الكريم ، ولم يتعرض لها الحديث النبوي ، لكن الرأي الأول – يعتقد الكاتب – هو الأرجح لان الله سبحانه وتعالى قد فرض على المسلمين من الواجبات ما يتعذر القيام به دون وجود الدولة مثل : إقامة الحدود ، والقصاص ،والدفاع عن العقيدة ، ورعاية المصالح الاسلامية بصورة عامة .
لقد أدرك علماء الاسلام أهمية السلطة في المجتمع المسلم فقال الماوردي ” يجب اقامة خليفة يكون سلطان الوقت وزعيم الامة ليكون الدين محروساً بسلطانه ، والسلطان جارياً على سنن الدين واحكامه “. ويقول ابن تيمية ” ان ولاية أمر الناس من اعظم واجبات الدين ، بل لا قيام للدين ولا الدنيا الا بها “. لقد دعا الامام علي الى اقامة السلطة حتى لو كانت فاجرة فقال : ” لا بد للناس من امارة ، برة كانت او فاجرة ” ، فقيل يا امير المؤمنين :” هذه البرة عرفناها ، فما بال الفاجرة ؟” قال : “تقام بها الحدود ، وتأمن بها السبل ، ويجاهد بها العدو ، ويقسم بها الفئ”
(15) .
الهوامش والمراجع :-
(1) إبن منظور، لسان العرب ، ج6، دار احياء التراث العربي ،بيروت ،1996، ص429.
(2) الفيروز ابادي , مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازي ، القاموس المحيط( الجزء الثاني ) فصل السين والشين ، ص 220.
(3) قحطان أحمد سليمان الحمداني ، الاساس في العلوم السياسية ، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع ، عمان ، 2004 ،ص 15.) .
(4) المرجع السابق نقلاً عن : الخليل بن أحمد الفراهيدي ، كتاب العين ، ج 7 ، تحقيق مهدي المخزومي وابراهيم السامرائي، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة ، 1984م ، ص 336.
(5) حسن سيد سليمان ، المدخل للعلوم السياسة ،دار جامعة افريقيا العالمية للطباعة ، الخرطوم،2010، ص5.
(6) المرجع السابق ص 9
(7)Hans Morgenthau, Politics Among Nations , Alfred Knopf, New York.5th ed.,1975, P. 82
(8) حورية توفيق مجاهد ، الفكر السياسي من افلاطون الى محمد عبده ، مكتبة الانجلو المصرية ، القاهرة ، الطبعة السادسة ، 2013 ، ص310.
(*)اسمه الحقيقي ليف دافيدوفيتش بروناشتاين ، ولد في أوكرانيا في 25أكتوبر 1879 في عائلة يهودية ، وهو ماركسي بارز واحد قادة الثورة البلشفية وعضو المكتب السياسي في الحزب البلشفي ومؤسس الجيش الأحمر، عمل في هيئة تحرير صحيفة أسكرا (الشرارة) ، كما أسس مجلة برافدا (الحقيقة) في فينا (1907- 1914م) . بعد وفاة لينين اختلف مع ستالين وطرد من البلاد ، اغتيل في المكسيك في 21 اغسطس م1940 .
(9) محمد علي محمد، أصول الاجتماع السياسي : السياسة والمجتمع في العالم الثالث ، دار المعرفة الجامعية، القاهرة ، بدون تاريخ، ص17.
(10)مجموعة من اساتذة الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة،مبادئ العلوم السياسية ،القاهرة ،1992، ص 4.
(11) عبد الرحمن بن محمد بن خلدون ، مقدمة ابن خلدون ، تحقيق الاستاذ درويش الجويدي ، المكتبة العصرية ، بيروت ، 2009، ص 189.
(12) شهاب الدين أحمد بن محمد بن ابي الربيع ، سلوك المالك في تدبير الممالك ، تحقيق عبد العزيز بن فهد بن عبد العزيز ، دار العاذرية للنشر والتوزيع ، الرياض ، الطبعة الاولى 2010،، ص 7-8.
(13) ابو حامد الغزالي ،فاتحة العلوم ،مكتبة الجندي ، 1322ه، ص6.
(14) بن قيم الجوزية ، محمد بن ابي بكر بن ايوب الزرعي ، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ، تحقيق دكتور محمد جميل غازي ، مطبعة المدني ، القاهرة ، 1961، ص 15
(15) محمد عمارة ، الدولة الاسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية ، دار الشروق ،الطبعة الثانية ، 2007 ، ص243.
0 Comments