تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Dr.Baha'a Makkawi

ساد لدى مجموعة كبيرة من علماء السياسة والقانون ، ولفترة طويلة من الزمان ، مفهوم تقليدي يرادف بين النظام السياسي ونظام الحكم  اذ كثيراً ما كان يطلق مصطلح النظام السياسي ويقصد به نظام الحكم والعكس ايضاً صحيح ، لكن التطورات التي طرأت على علم السياسة لاحقاً قد أدت الى التمييز بين هذين المصطلحين بشكل واضح . ووفقاً للاتجاهات الحديثة في الدراسات السياسية ، يشير نظام الحكم الى أبنية السلطة والتي تشتمل على السلطات الثلاث : التشريعية والتنفيذية والقضائية ، أي المؤسسات الحكومية الرسمية ، أما مصطلح النظام السياسي فانه يشير بالاضافة الى الابنية الرسمية والمتمثلة في السلطات الثلاث ، الى المؤسسات غير الحكومية كالاحزاب السياسية ، وجماعات المصالح وكافة تنظيمات المجتمع المدني ، وبالتالي يكون نظام الحكم جزء من النظام السياسي . إن النظام السياسي – حسب ديفيد ايستون– هو “مجموعة التفاعلات والادوار المتداخلة والمتشابكة التي تتعلق بالتخصيص السلطوي للقيم ” ، وهو لدى جبرائيل الموند يمثل التفاعلات ” التي تتضمن الاستخدام الفعلي أو التهديد باستخدام الارغام المادي المشروع في سبيل تحقيق تكامل وتكيف المجتمع على الصعيدين الداخلي والخارجي “(1) يرى أغلب العلماء الذين استخدموا مفهوم النظام السياسي بهذا المعنى ان هذا المفهوم ليس سوى تصور ذهني لفهم وتحليل التفاعلات السياسية داخل المجتمع ، وان هذا  النظام السياسي يتميز بالاتي:-
  • التفاعل المستمر بين وحدات النظام السياسي من جانب ، وبين هذه الوحدات وبيئة النظام السياسي من جانب اخر .
  • إن العلاقة بين أطراف النظام السياسي تقوم على أساس الاعتماد المتبادل (Interdependence) بمعنى أن أفعال كل طرف من هذه الأطراف تؤثر في أفعال الأطراف الأخرى .
  • يسعى النظام السياسي – بوسائل مختلفة – للحفاظ على ذاته (2).
أما وظائف النظام السياسي فيمكن تلخيصها في : التجنيد السياسي ، والتنشئة السياسية ، وتجميع المصالح ، والتعبير عن المصالح ، والاتصال السياسي ، وصنع القاعدة التشريعية ، والوظيفة التنفيذية ، والوظيفة القضائية ، والحفاظ على الامن القومي للدولة ، وتوزيع الموارد بين فئات المجتمع المختلفة (3). وسنقوم هنا بشرح هذه الوظائف باختصار .
  • التجنيد السياسي :
يقصد بالتجنيد السياسي عملية اختيار الاشخاص المناسبين لتولي المناصب الرسمية والقيادية في الدولة ، وهي وظيفة تؤديها كل الانظمة السياسية دون استثناء ، وتختلف أسس ومعايير التجنيد ( الاختيار) تبعاً لاختلاف الانظمة السياسية ، فقد يتم التجنيد على أسس عرقية أو على أساس الانتماء الديني ، وقد يكون على أساس الكفاءة والقدرات السياسية للقادة دون اعتبار للجوانب العرقية أو الدينية ، وقد يكون الاختيار على اسس اقليمية أو جهوية ، وقد يكون مزيجاً من كل هذه المعايير .
  • التنشئة السياسية :
وهي عملية نقل الثقافة السياسية ، وقد تستهدف التنشئة السياسية تغييرات جزئية أو شاملة في الثقافة السياسية للمجتمع ، وتعرف على انها هي ” التلقين الرسمي وغير الرسمي، المخطط وغير المخطط للمعارف والقيم وأنماط السلوك السياسي، وخصائص الشخصية ذات الدلالة السياسية وذلك في كل مرحلة من مراحل العمر”(4) . وتضطلع بهذه المهمة مؤسسات مختلفة مثل : الأسرة ، والمدرسة ، وجماعات الرفاق ، والاحزاب السياسية ، ومنظمات المجتمع المدني ، ووسائل الاعلام ، وغيرها .
  • تجميع المصالح :
تعد هذه الوظيفة من أهم وظائف النظام السياسي ، وتعني تلقي النظام السياسي للمطالب من بيئته وصياغتها في شكل برنامج محدد للنظر في تحقيقها في اطار اولويات وامكانات النظام السياسي .وتتم هذه العملية بثلاث طرق : أ- المساومة البراغماتية : وتهدف الى التوفيق بين المصالح المتعارضة عن طريق التسويات والحلول الوسط . ب- الاسترشاد بقيمة مطلقة : أي الانحياز لمصالح جماعة دون الجماعات الأخرى في المجتمع ، وهذا الاسلوب يكون مدخلاً للصراعات السياسية لانه يثير حفيظة الجماعات الاخرى التي لا يعمل النظام السياسي على تحقيق مطالبها . ج- الاسلوب التقليدي : بمعنى الاسترشاد بالسوابق التاريخية في تجميع المصالح وصياغتها في شكل بدائل محددة للوصول الى أهداف بعيدة المدى (5).
  • التعبير عن المصالح : بمعنى اتاحة الفرصة للجماعات المختلفة التي تتكون منها الجماعة الوطنية للتعبير عن مصالحها وتوصيل مطالبها وارائها ومقترحاتها . ان هذا يتطلب قنوات اتصال مفتوحة بين النظام السياسي وعناصر بيئته ، بما يمكن كل فئات المجتمع من توصيل مطالبها في سهولة ويسر .
  • الاتصال السياسي : ويشير الى درجة التفاعل بين اجزاء النظام السياسي ، وبشكل عام فان الوضع الأمثل هو ان يكون هذا الاتصال في اتجاهين : من السلطة الحاكمة الى المواطنين المحكومين بما يمكن من نقل سياسات الحكومة ومواقفها وتوجيهاتها الى المحكومين ، ومن المحكومين الى السلطة الحاكمة بما يتيح نقل مطالب المواطنين وارائهم ومقترحاتهم حول الشؤون السياسية ، بالاضافة الى ذلك فان الاتصال السياسي يشير الى انفتاح العلاقة بين التكوينات الاجتماعية المختلفة في الدولة ،واستمرار الحوار السلمي فيما بينها .
  • التشريع : وهي وظيفة تقوم بها كل النظم السياسية ، حيث يقوم النظام السياسي – من خلال مؤسسات تختلف باختلاف الانظمة السياسية – باصدار التشريعات والسياسات والقرارات اللازمة لتسيير شؤون الدولة وتمكينها من تحقيق مصالح الجماعات المختلفة فيها .
  • التنفيذ : للسياسات والتشريعات والقرارات والتوجيهات والاوامر التي اتخذتها السلطة التشريعية بهدف النهوض بالاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية في الدولة ، وتأتي أهمية الوظيفة التنفيذية من أنه لا معنى لتشريعات لا توضع موضع التنفيذ وتنعكس على حياة الناس.
  • القضاء : لكل نظام سياسي جهاز قضائي يتولى الفصل في النزاعات التي تحدث بين المواطنين أو بينهم وبين الجهاز السياسي ، ويقوم الجهاز القضائي بتفسير القواعد القانونية وتطبيقها على الحالات الفردية .
  • الدفاع عن حدود الدولة والحفاظ على أمنها القومي :-
وتعد هذه الوظيفة هي أهم وظائف النظام السياسي على الاطلاق كونها تتعلق ببقاء الدولة نفسها .
  • وظيفة توزيع الموارد : حيث يعمل النظام السياسي على توزيع الموارد المتاحة – والتي غالباً لا تكفي لمواجهة مطالب كل المجموعات – وفق اسس موضوعية وعادلة ومقبولة لفئات المجتمع المختلفة .
مؤشرات قياس فاعلية النظام السياسي :- أما عن أداء الجهاز السياسي لوظائفه ، فقد حدد الموند مؤشرات للحكم على مستوى الأداء الفعلي للجهاز السياسي وهذه القدرات تتمثل في الآتي(6): (1)     القدرة الاستخراجية ) Extractive Capability) : وتعني قدرة الجهاز السياسي على الحصول على موارد من بيئته تحقق أستمراره ، وقدرته على تحريك هذه الموارد داخليا وخارجيا. (2)        القدرة التنظيمية (Regulative Capability ) : وتعني قدرة الجهاز السياسي في أن يلعب دور المنسق بين النشاطات الفردية والجماعية ، بمعنى آخر قدرته على ضبط السلوك الأجتماعي. (3)     القدرة التوزيعية ( Distributive Capability ) : قدرة النظام على توزيع الموارد التي أتيحت له من بيئته بين الجماعات المختلفة. (4)     القدرة الرمزية : ) Symbolic Capability) : إلتزام النظام بقيم المجتمع ومن ثم خلق ، رصيد من الدعم والتأييد من جانب المواطنين. (5)     القدرة الاستجابية Responsive Capability) ) : وتعني قدرة الجهاز السياسي على الرد على مطالب بيئية (القدرة على الأستجابة للمدخلات الحديثة – الجديدة) (6)     القدرة الدولية  (International Capability) : وتعني قدرة الجهاز السياسي على التغلغل في أنساق سياسية أخرى وتوجيه سياساتها من خلال تقديم المنح والقروض والمساعدات الفنية. الهوامش والمراجع : (1) لتفاصيل ذلك ، انظر : عادل ثابت ، النظم السياسية ،دار الجامعة الجديدة ، الاسكندرية ، 2007 ، ص 7-12. (2) محمد محمود ربيع وإسماعيل صبري مقلد (محرران)، موسوعة العلوم السياسية، جامعة الكويت، الكويت، 2003م، ص515. (3) محمد سعد ابوعامود والسيد محمد السيد عمر ، المدخل في علم السياسة ، جامعة العلوم التطبيقية – مملكة البحرين ، سلسلة كتب العلوم السياسية رقم (1)، المنامة ، 2011، ص 102-107 . (4) محمد محمود ربيع وإسماعيل صبري مقلد ،مرجع  سابق ،  ص478. (5) المرجع السابق ، ص 469.

(6) Gabriel Almond and Bingham Powell, Comparative Politics: A developmental Approach, Little Brown and Company,(Inc.), Boston,1966, pp. 22-27.

0 Comments

Leave a Comment