كلمة قومية مشتقة من القوم ، والقوم في اللغة العربية هم : الجماعة من الناس تجمعهم جامعة يقومون لها
([1]) أما في اللغة الإنجليزية فنجد كلمتي Nation والتي تترجم عادة إلى ” أمة ” و Nationalism وتترجم إلى ” قومية” .
جاء في الموسوعة العالمية للعلوم الاجتماعية أن كلمة (Nation) مشتقة من اللفظ اللاتيني (Nasci) ومعناه (يولد) ، وتشير كلمة (Nation) إلى مجموعة من الناس ولدوا في مكان واحد ، واستخدمت قديماً في الجامعات الأوربية للإشارة إلى مجموعة من الطلاب قدموا من إقليم واحد أو دولة واحدة. وفي العصور الوسطى المسيحية أطلق اللفظ على كل الجماعات التي تدين بغير اليهودية والمسيحية حيث قام التمييز بين اليهود والمسيحيين من جهة وغيرهم ( The Nations) أو الغرباء (Foreigners)، من جهة أخرى . أما في الاستخدامات المعاصرة كما جاء في الموسوعة المذكورة ، فإن كلمةNation تعني مجموعة بشرية ترتبط فيما بينها بروابط تجعل ولاء أعضائها لجماعتهم ، أقوى من الولاء لأي جماعة أخرى سواها ، وأن العاطفة التي تربط بين أعضاء هذه الجماعة تجعلهم راغبين في التعاون والخضوع لحكومة واحدة تمثلهم وتعبر عنهم
([2]). أما كلمة Nationalism فهي حديثة لأنها استخدمت لأول مرة في عام 1798م ، بيد أن كلمة Nation هي أقدم من ذلك بكثير حيث استخدمت في فرنسية القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين
([3]).
لكن كلمة (القومية) لم تستخدم في اللغة العربية كترجمة لكلمة Nationalism قبل القرن التاسع عشر ، على أن اللغة العربية قد عرفت تعبيرين أقرب ما يكونا إلى معنى ” القومية” وهما : (الشعوبية) و(العصبية). تشير الشعوبية إلى ثورة القوميات ضد الخلافة العربية أيام العباسيين ، وذلك حينما رفضت هذه القوميات سيطرة العناصر العربية على مقاليد السلطة العباسية مؤكدة أن جدة الدين الإسلامي لا تبرر سيطرة العرب على السلطة واستئثارهم بالمناصب السياسية ، لأنه ووفقاً للمنهج الإسلامي ، لا توجد أفضلية مطلقة للعرب على من سواهم من الشعوب إذا كانوا مسلمين ، أما العصبية فهو تعبير أطلقه عالم الاجتماع (عبد الرحمن بن خلدون) صاحب المقدمة ، حيث أشار إلى العصبة والعصبية باعتبار أنها أساس وحدة المجتمع القائمة على أساس العرق أو الجنس
([4]).
أما عن تعريف القومية من الناحية الاصطلاحية ، فقد اختلف الكتاب والباحثون اختلافاً كبيراً في ذلك ، وسيقوم الباحث هنا بإيراد بعض التعريفات الخاصة بالقومية للتدليل على الاختلاف الكبير بين الباحثين إزاء موضوع القومية.
يعرف البعض القومية على أنها ميل أو شعور بالانتماء إلى جماعة حضارية معينة ، ورغبة في التجمع والترابط لتحقيق غايات وأهداف مشتركة ، في ظل إحساس عام بوحدة المصير
([5]).
الملاحظ أن هذا التعريف لم يشترط مقومات معينة كوحدة الأصل العرقي أو اللغة أو الدين كأساس للقومية ، لكنه أشار إلى ” شعور” بالانتماء إلى حضارة بعينها. هذا ” الشعور” هو الذي يوحد بين الأفراد ويقودهم للتوحد من أجل تحقيق أهداف وقيم تتعلق بالحضارة التي ينتمون إليها.
هذا التعريف للقومية قريب من المفهوم الإسلامي فقد ورد لفظ قوم في القرآن الكريم لوصف جماعة تمتاز بخصائص معينة : فكرية أو اجتماعية مثل : القوم الظالمين ، القوم الكافرين …الخ ، وتشير كلمة (أمة) في الإسلام إلى جماعة عقدية ، فالأمة الإسلامية هي مجموع المسلمين الذي يؤمنون بوجود الله تعالى وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم بغض النظر عن أعراقهم ، وألوانهم ، ولغاتهم ، بل وأوطانهم. وقد أجاز الفقهاء المعاصرون تعدد الوحدات السياسية بحكم الأمر الواقع ، واشترطوا التنسيق في المواقف والتعاضد بين المسلمين ومناصرة المسلمين بعضهم لبعض ، وسيظل المسلمون وإن تباعدت بينهم المسافات وحالت بينهم الحدود السياسية أو الحواجز الطبيعية- (أمة) ، بل يتسع مفهوم الأمة أحياناً ليشمل أهل الكتاب ، فقد وصفت وثيقة المدينة المسلمين واليهود في المدينة بأنهم “أمة” في مواجهة الكفار والمشركين.
على أن الاختلاف بين التعريف السابق والمفهوم الإسلامي ، هو أن هذا التعريف عام ، لأنه لم يتحدث عن حضارة معينة ، بل تحدث عن شعور بالانتماء إلى جماعة حضارية ، ويشمل التعريف من ثم الانتماء إلى كل جماعة حضارية حتى وإن تعارضت قيمها الحضارية مع القيم الإسلامية أو الرسالات السماوية مما يتعارض مع الفهم الإسلامي للقومية والذي لا يتجاوز في كل حالاته القيم التي جاءت بها الأديان السماوية ، ويحث على عدم موالاة الكفار وعدم التضامن معهم.
والقومية عند آخرين تعني ” شعور متبادل بين الأفراد ، يجعلهم متأثرين في وجدانهم وسلوكهم بفكرة الولاء لوطن ما ، لأنهم نبت أرض واحدة ، ومصالحهم الاقتصادية والسياسية واحدة ، يتأثرون بمؤثرات واحدة بغض النظر عن ميولهم الطائفية أو الدينية أو مصالحهم الفردية ، لأنهم نتاج تاريخ مشترك”
([6]).
وفقاً لهذا التعريف يمكن أن تنهض الأمة على ثلاث دعائم أساسية هي :
1/ العاطفة والولاء للأرض (الوطن) ، وهي صفة يشترك فيها كل الذين يقطنون هذه الأرض ، بغض النظر عن اختلافاتهم العرقية والطائفية ، مما يعني أن الولاء للوطن يعلو على كل الولاءات الأخرى : العرقية واللغوية والجهوية …الخ.
2/ المصلحة الاقتصادية والسياسية بين أعضاء الجماعة وتعتبر هي أقوى الصلات بحيث يتغاضى الناس في سبيلها عن الاختلافات في الجوانب الأخرى.
3/ المؤسسية : وتعني خضوع الجماعة إلى نظام مؤسسي يعمل من أجل تحقيق المصالح المشار إليها ، وترتبط شرعية النظام الحاكم بمدى قدرته على تحقيق هذه المصالح وهو ما يعرف في الأدبيات السياسية باسم ” الاندماج الوظيفي ” حيث تندمج الجماعات العرقية المختلفة في إطار نظام سياسي معين لأداء وظائف تخدم الأعضاء عامة بغض النظر عن أعراقهم وثقافاتهم ولغاتهم وأديانهم.
برزت مثل هذه التعريفات إلى الوجود استجابة للأمر الواقع بعد أن تأكد ـ من الناحية العملية ـ عدم وجود دول في عالم اليوم تتمتع بالتجانس العرقي واللغوي والديني مما جعل العلماء والمفكرين يبحثون عن ” قواسم مشتركة ” للجماعة الوطنية مثل المصالح الاقتصادية والسياسية ، وبالتالي تقوم الأمة على روابط مؤسسية تجمع بين الأفراد على أسس أخرى غير الأصل العرقي والدين واللغة التي أصبح التوحد حولها أقرب إلى المستحيل في دولة اليوم ، لذلك جاءت مثل هذه التعريفات في إطار السعي لدمج الجماعات المختلفة في إطار الدولة الوطنية.
ومع وضوح هذه الحقيقة فهنالك بعض التعريفات التي تسهب في الحديث عن المقومات التي ينبغي أن تنهض عليها الأمم وتتأسس عليها القوميات مثل : وحدة اللغة ، ووحدة الأصل العرقي ، ووحدة العادات والتقاليد والشعور الاجتماعي …الخ. فعلى سبيل المثال يعرف مانتشيني Mancini الأمة بأنها ” مجتمع طبيعي من البشر ، يرتبط بعضه ببعض من ثنايا وحدة الأرض ، والأصل ، والعادات ، واللغة، فضلاً عن اشتراكه في الحياة ، وفي الشعور الاجتماعي
([7]).
ويعرفها كابور Kapoor بأنها ” جماعة من الناس يجمعهم إحساس واع نابع من تراث ثقافي مشترك ، وتطلع مشترك إلى العيش معاً في دولة مستقلة ، ويلزم أن تستحوذ هذه الجماعة في صورة الأمة على الولاء السياسي والنهائي للأفراد المكونين لها
([8]).
لقد كثرت التعريفات التي تتحدث عن مقومات الأمة مثل الأصل العرقي واللغة والتاريخ المشترك ، والدين والرغبة في المعيشة المشتركة… الخ ، ومن أشمل التعريفات في هذا الصدد ما جاء في بحث د. عبد السلام بغدادي في إطار الحديث عن القوم حيث ذكر بأنهم ” الجماعة من الناس تؤلف بينهم وحدة اللغة ، والتقاليد الاجتماعية ، وأصول الثقافة ، وأسباب المصالح المشتركة. والقومي هو المنسوب إلى القوم … القومية أيضاً صلة اجتماعية عاطفية تتولد من الاشتراك في الوطن … واللغة والثقافة ، والتاريخ ، والحضارة والآمال ، والمصالح
([9]).
لقد اشتمل هذا التعريف على كثير مما أشار إليه الكتاب على أنه أساس القومية ونشوء الأمم مثل : اللغة والدين والثقافة والتقاليد الاجتماعية والمصالح الاقتصادية بالإضافة إلى التاريخ والحضارة والآمال المشتركة والرغبة في التعايش… الخ . وبداهة فإنه من الصعب الاشتراك في كل هذه الخصائص ، فقد تشترك جماعة ما في بعض هذه الخصائص ولكنها تختلف في البعض الآخر ، لكن يمكن القول أنه كلما اشتركت الجماعة الوطنية في أكبر قدر من هذه الصفات ، كلما كان ذلك مصدراً لتماسكها وانسجامها ، والعكس أيضاً صحيح ، كلما اختلفت في أكبر قدر من هذه الصفات كلما ازدادت تنافرا ًوقلت فرصتها في التماسك والوحدة.
اختلف الكتاب حول تعريف القومية اختلافاً كبيراً كما اتضح من خلال الاستعراض السابق ، ويرجع ذلك إلى اختلافهم حول مقومات الأمة ، على أنه يمكن من خلال التعريفات المختلفة للقومية استنباط أهم العناصر التي أوردها الباحثون باعتبارها الأساس الذي تنشأ عليه القوميات وتقوم على أساسه الأمم وهي كما يلي :
1/ وحدة الأصل :
يرى البعض أن وحدة الأصل العرقي تمثل الركيزة الأساسية للقومية لأن “الانتماء إلى مجموعة بشرية واحدة تربطها علاقة الدم ، هو الذي يحدد تماسك هذه المجموعة ، وهو الذي يفسر ويعطي معنى لاشتراك أبناء هذه المجموعة في اللغة ، والدين ، والثقافة بوجه عام”
([10]).
لقد لعبت مشاعر الاعتزاز بالنفس القائمة على أساس الاعتقاد في نقاء الأصل العرقي دوراً كبيراً في التاريخ ، فعلى سبيل المثال قامت النازية في ألمانيا على أساس سمو الجنس الآري على سائر الأجناس باعتباره حامل مشعل الحضارة وعلى عاتقه تقع مسؤولية الحضارة الإنسانية قاطبة. وعلى هدى عقيدة سمو الجنس الآري ، قام هتلر بمهاجمة الدول الأوربية في أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات من القرن الماضي.
وبرغم التشكيك في وجود أمة تنحدر كلها من أصل واحد ، وقول البعض بأن ذلك لا يعدو كونه أسطورة ، إلا أن الثابت هو أن الاعتقاد في وحدة الأصل يهيئ للرغبة في المعيشة المشتركة ، ويعزز مشاعر الوحدة الوطنية والتماسك القومي ، وبالعكس فإن الاعتقاد في تباين الأصول العرقية بين الجماعات المختلفة داخل الدولة من شأنه خلق صراعات ونزاعات قد تعصف بكيان الدولة نفسها.
لكن مما يجدر ذكره في هذا المقام ، هو أن كل الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية تؤكد على عدم وجود أمة واحدة على وجه الأرض ينحدر كل أفرادها من أصل واحد ، بل أن أية أمة من الأمم تتكون من أفراد ينحدرون من أصول عرقية مختلفة ، وفي هذا الصدد يشير البعض إلى أن القرابة التي يشعر بها أفراد الأمة إنما هي ” قرابة معنوية” تنشأ بينهم بسبب الروابط الاجتماعية والاشتراك في اللغة والتاريخ والمصالح ، ويؤكد الحصري على أن العرب القدامى كانوا يعلمون هذه الحقيقة وأن الحديث عن ” العرب المستعربة” يؤكد أن العرب كانوا يدركون أنهم لا ينحدرون من أصل واحد وأن العروبة لا تتوقف على وحدة الأصل العرقي
([11]).
كذلك فإن القول بوحدة الأصل كأساس للقومية ليس صحيحاً ، ذلك لأن وحدة الأصل وحدها ليست كافية لتقوم على أساسها قومية ، فقد تنحدر جماعة ما من أصل عرقي واحد ولكن تحول الطبيعة دون تواصلهم مع بعضهم البعض فتتطور مجموعتان تنحدران من أصل عرقي واحد في اتجاهين مختلفين مما يباعد بينهما ، بينما توجد مجموعتان مختلفتان من الناحية العرقية في مكان واحد فينتج بينهما تقارب بسبب التفاعل والاحتكاك مع بعضهما البعض.
وعلى الرغم من القول بأن وحدة الأصل العرقي تعتبر من مقومات الأمة ، وأنه إذا انحدرت الجماعة الوطنية من أصل واحد فذلك أدعى إلى توحدها وتماسكها ، إلا أن البعض يرى عكس ذلك ويعتبر التعدد مصدراً للإثراء الثقافي والتلاقح بين الثقافات المختلفة بما يخدم مصلحة الدولة ويعمل على تماسكها.
2/ وحدة اللغة :
يؤكد البعض على أهمية اللغة في دعم الوحدة الوطنية ، بل يعتبرها أهم المقومات التي تنهض عليها القومية ذلك أن وحدة اللغة تقود إلى تيسير عملية الاتصال بين الأفراد ، على نحو يهيئ في النهاية إلى خلق شعور بالتجانس والتجاوب بين أفراد المجتمع البشري ذي اللغة الواحدة ، وان وحدة اللغة تؤدي إلى وحدة الثقافة فعلى الرغم من الاختلاف بين الإنجليز والأمريكيين فإن الأخيرين يعتبرون أعمال شكسبير وميلتون جزءاً من تراثهم وذلك بسبب اشتراكهم في اللغة مع الإنجليز
([12]). وتعتبر المدرسة الألمانية أول من نادى بأهمية اللغة في تكوين الأمة، ذلك أنه وكنتيجة للصراع بين الفرنسيين والألمان حول إقليم الالزاس الغني بالفحم ، برزت مدرستان في تعريف القومية هما : المدرسة الألمانية والمدرسة الفرنسية. لقد ارتبط الخلاف بين المدرستين بمصالح كل من ألمانيا وفرنسا حول الألزاس. كان إقليم الالزاس من الناحية التاريخية جزءاً من ألمانيا ، لكن وبموجب معاهدة وستفاليا عام 1648م قام لويس الرابع عشر بضم الالزاس إلى فرنسا مما أحدث صراعاً بين فرنسا وألمانيا بسبب عدم اعتراف ألمانيا بضم الالزاس إلى فرنسا. ولما كان مؤتمر وستفاليا قد أقر قيام الدول على الأساس القومي ، ولما كان الإلزاسيون يتحدثون باللغة الألمانية ، فقد ركزت المدرسة الألمانية على أهمية اللغة في تكوين القومية ، دعماً لحجة الألمان في ضم إقليم الالزاس كما كان عليه الوضع في السابق ، باعتبار أن سكان الالزاس يعتبرون جزءاً من الأمة الألمانية بحكم لغتهم.
يقول العالم الألماني فيخته (Fichte) في هذا الصدد بأن ” الأمة الألمانية هي كل الذين يتكلمون اللغة الألمانية” ويؤكد على أن اللغة هي جهاز الاجتماع في الإنسان ، وأن اللغة والأمة أمران متلازمان ، وأن الذين يتكلمون بلغة واحدة يكونون كلاً موحداً ربطته الطبيعة بروابط متينة
([13]).
ومن أشهر رواد هذا الاتجاه أيضاً هردر Herder (1742 ـ 1803م) . كتب هردر بإسهاب عن علاقة اللغة بشخصية الأمة ، مؤكداً أن الطبيعة ، وكما فرقت بين الشعوب بواسطة الحواجز الطبيعية كالجبال والبحار والغابات ، فرقت بينهم كذلك بواسطة اللغات ، وأن اللغة القومية هي الوعاء الذي تنتقل بواسطته أفكار الشعب ، وهي التي تخلق العدل وتوجهه ، وهي قلب الشعب النابض
([14]).
ولما كان هذا الاتجاه يتعارض مع رغبة الفرنسيين في ضم الألزاس ، فقد أكدوا على أنه لا اللغة ولا العرق هو الذي ينشئ القومية ، ولا يمكن لقومية صلبة أن تنشأ على مثل هذه الأسس الهشة. بل أن الرغبة في المعيشة المشتركة هي التي تشكل الأساس لنشأة الأمم ، ويؤكد رواد المدرسة الفرنسية على أن مشيئة الإنسان تمثل العنصر الحاسم في انضمامه لهذه أو تلك من القوميات ، فقد تنحدر جماعة ما من أصل عرقي واحد ويتحدث أفرادها بلغة واحدة ، لكن تطورات معينة تجعل جزءاً من هذه الجماعة لا يرغب في العيش مع الجزء الآخر الذي يشاركه الأصل واللغة ، ويحدث العكس حينما توجد جماعات لا يوحدها أصل ولا لغة ، وبرغم ذلك تكون مستعدة للتعايش مع بعضها البعض وراغبة في الانضمام والتوحد في إطار وحدة سياسية واحدة.
إن مثل هذه الاتجاهات في تعريف القومية تفتقد الصفة العلمية ، لأنها ترتبط بشكل مباشر بمصالح القوميات التي ينتمي إليها الباحثون ، وكما هو معروف فإن البحث العلمي يقتضي التجرد والموضوعية والحياد ، الأمر الذي لم يتوفر لهاتين المدرستين حيث حاولت كل مدرسة أن تطور نظرية في مقومات الأمة تتماشى ومصالح أمتها ، ومن ثم فإن ما قدمته المدرستان : الألمانية والفرنسية ، لا يصلح أساساً لتعريف علمي للقومية ، ولا يعدو كونه طرحاً آيديولوجياً وسياسيا محضاً.
ومع ذلك فإنه يمكن القول بأهمية كل من اللغة والرغبة في التعايش في تشكيل الأمة ، فالأمة الألمانية التي كانت مجزأة على مئات الوحدات السياسية تجمعت وتوحدت على أساس اللغة الألمانية ، وكذلك ايطالياً بل إن كثيراً من الدول التي نشأت في أوربا في القرن التاسع عشر قامت على أساس اللغة مثل: اليونان ، وبلغاريا ، ورومانيا ، وألبانيا , وغيرها ، واليوم تقف مشكلة إقليم كويبك في كندا شاهداً على أهمية اللغة في التكوين القومي حيث يطالب سكان كويبك (الناطقون بالفرنسية) بالانفصال عن كندا التي يتحدث أغلب سكانها باللغة الإنجليزية، واستناداً إلى معيار اللغة يعتبر سكان كويبك أنفسهم مختلفين عن بقية السكان.
لكن من ناحية أخرى ، فإنه من الصعب أن نتصور قومية تنشأ على أساس اللغة وحدها ، فليس رباط اللغة بأقوى من رابطة الدم ولا رابطة العقيدة ، ومع أن اللغة تعتبر عاملاً مساعداً في تحقيق الوحدة الوطنية ، وتحقيق التقارب وتسهيل التواصل بين الجماعات المختلفة ، إلا أن ما قال به فيخته من أن الأمة الألمانية هي كل المتحدثين باللغة الألمانية لا يخلو من غلو ، فعلى سبيل المثال ، قام الاستعمار الفرنسي على أساس السعي لفرض الثقافة واللغة الفرنسية ، والعمل على استيعاب Assimilation)) الشعوب المستعمرة في إطار الثقافة واللغة الفرنسية ، فهل يمكن أن نقول استناداً إلى هذا المنطق ، إن شعوب الدول الأفريقية الذين خضعوا للاستعمار الفرنسي ويتحدثون باللغة الفرنسية بأنهم جزء من الأمة الفرنسية ؟!
كذلك فإن هذه المقولة يمكن تفسيرها بأن القومية يمكن أن تفرض بالقوة فتستطيع دولة ما أن تفرض سيطرتها على إقليم معين فتستعمره ، ثم تفرض لغتها عليه فيصبح جزءاً منها لأنه يشاركها اللغة ، لكن المعروف هو أن القومية ” عاطفة” و “ولاء” يتولد عن القناعة والرغبة في الانتماء ولا مكان فيها للقوة والإكراه والقسر.
3/ الجوار الإقليمي :
يؤكد البعض على أن التجاور الإقليمي بين جماعات وإن كانت مختلفة ، ولفترة طويلة من شأنه أن يخلق الثقة بين هذه الجماعات ويوجد بينها قواسم مشتركة، ويولد لديها الرغبة في العيش المشترك ، خاصة إذا لم تكن هنالك اختلافات جوهرية أو حواجز لغوية بينها ، كما أن الاستقرار لفترة طويلة في منطقة واحدة سيولد بين هذه الجماعات إحساس مشترك بالولاء إلى أرضهم وحينئذ يكون الولاء للأرض من أهم الروابط التي توحد بين هذه المجموعات.
في ذات الوقت ، فإن الجماعات المتجانسة إذا تباعدت بينها المسافات وحالت بينها الحواجز الطبيعية ، أو سكن أعضاؤها في مناطق متباعدة ، فإن ذلك من شأنه أن يضعف روح الولاء القومي بينها ، حيث تستغنى هذه المجموعات المتباعدة بجيرانها عن جماعاتها المتفرقة والبعيدة.
لكن التجاور وحده بالطبع لا يكفي لدمج مجموعات متنافرة أصلاً ، ومختلفة عرقياً ودينياً ولغوياً ، بل أن الأهم من ذلك هو ” التفاعل” الإيجابي بين هذه المجموعات لتخلق فيما بينها قواسم مشتركة تمثل الأرضية التي تقوم عليها الوحدة. ولعل ما سبقت الإشارة إليه من أن التباعد الجغرافي يؤدي إلى إضعاف الولاء القومي ، وفصم عرى الوحدة ، لهو دليل على ما ذهبنا إليه ، لأن البعد الجغرافي حال دون تفاعل هذه الجماعات مع بعضها البعض ، وكما لوحظ فقد كادت جبال البرانس التي تفصل شبه جزيرة أيبريا عن بقية غرب أوربا ، سبباً في نمو القومية الأسبانية وكان لجبال الألب دوراً في دعم القومية الإيطالية كما قادت جبال البلقان إلى نمو القوميات المختلفة في تلك المنطقة
([15]).
4/ التاريخ المشترك :
يؤكد بعض الباحثين على أهمية دور التاريخ في تكوين الأمم والقوميات، باعتبار أن القومية هي ” نتاج تفاعل عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية ونفسية حدثت خلال العديد من القرون ، وأدت إلى دمج الجماعات مع بعضها البعض وصهرها في بوتقة واحدة ، فتميزت بذلك عن غيرها من الجماعات ، من حيث تراثها وتقاليدها”
([16]).
ويعتبر التاريخ المشترك من أهم العوامل التي تقود إلى الشعور بالوحدة القومية مما يؤدي ـ بدوره ـ إلى الاستعداد للتعايش والرغبة في ذلك بين الأفراد أو الجماعات التي لديها تاريخ مشترك ، وقد استخدم القوميون – على اختلافهم – التاريخ لإلهاب المشاعر القومية ، وإثارة الاعتزاز بمنجزات أمتهم. كما تحرص الدول ـ عادة ـ على الاهتمام بتاريخها وتدرسه لأبنائها باعتبار أن ذلك يؤدي إلى تقوية الروابط والشعور القومي بين أفرادها.
لقد اتضح من استقراء التاريخ أن الأمم الجديدة تنشأ بين جماعاتها وأفرادها صراعات تستمر لفترة من الزمن ، ثم تهدأ ثورتهم بعد ذلك بسبب (تاريخهم المشترك) وبسبب احتكاكهم مع بعضهم البعض ، وتفاعلهم ، وتواضعهم على قواسم مشتركة.
5/ وحدة الدين :
يلعب الدين دوراً رئيسياً في تكوين الأمم ، فوحدة العقيدة بين الأفراد والجماعات داخل حدود الدولة من شأنها تقوية شعور الترابط والتضامن بينهم. لأنهم يتوجهون بالعبادة إلى رب واحد ، ويؤمنون بنفس الأفكار والمعتقدات ، ويخضعون لنفس القيم المستمدة من الدين والتي توحد سلوكهم وتصرفاتهم ، وقد كان الدين ـ عبر التاريخ ـ سبباً في توحيد الكثير من الجماعات المختلفة عرقياً ، وثقافياً ، ولغوياً كما كانت المذاهب الدينية حائلاً دون الاندماج القومي في بعض الأحيان حيث حالت كاثوليكية بولندا مثلاً دون اندماجهم مع السلافيين الأرثوذكس المجاورين لهم ، وحالت دون اندماجهم مع سكان ألمانيا الشرقية اللوثريين وكذلك كان اختلاف المذهب الديني سبباً في عدم اندماج الأيرلنديين والأسكندنافيين مع سكان الجزر البريطانية ، وتسببت المذاهب الدينية المسيحية في انقسام الإمبراطورية الرومانية إلى بيزنطية شرقية ورومانية غربية ، وانتهى الخلاف بين المسلمين والهندوس في أواخر الأربعينات من القرن الماضي إلى قيام دولة باكستان الإسلامية.
على أن مما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام هو أن الاختلاف الديني ـ وفقاً للتصور الإسلامي ـ لا يحول دون اندماج الناس في وحدة سياسية واحدة ، فالإسلام يعترف بالديانات السابقة كاليهودية والمسيحية ، بل ان الإيمان بالكتب السماوية هو احد أركان الإيمان وفقاً للعقيدة الإسلامية ، ولم تقم الدولة الإسلامية ـ حتى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ـ كدولة حصرية كل سكانها من المسلمين ، بل كانت دولة المدينة التي أسسها الرسول الكريم تشمل ـ بجانب المسلمين ـ اليهود والنصارى ، ونظمت (وثيقة المدينة) العلاقة بينهم ووصفتهم بأنهم ” أمة ” مما يعني أن مفهوم الأمة هنا اتسع ليشمل غير المسلمين من أهل الكتاب باعتبارهم ” أمة ” في مواجهة معسكر الكفر والشرك.
6/ الاستعداد للتعايش :
لعل من نافلة القول ، أنه قلما توجد دولة لديها كل مقومات الوحدة وعناصر التجانس التي وردت أعلاه (وحدة اللغة ، وحدة الدين ، وحدة التاريخ ، والتجاور الإقليمي … الخ) ، مما يتطلب البحث وبشكل عاجل عن حل لهذه المشكلة الناتجة عن الاختلافات في الجوانب المشار إليها ، والتي باتت تهدد الاستقرار السياسي بصورة ملفتة للنظر. إن كل العناصر المذكورة تعتبر عوامل مساعدة في نشأة القومية ولكنها ليست منشئة لها. إن أهمية هذه العناصر تنبع من أنها تقود إلى الرغبة في المعيشة المشتركة التي يعتقد الباحث أنها تمثل الأساس لنشأة القومية ، ولا يمكن أن تنشأ قومية على أسس متينة مهما توافرت لديها هذه العناصر ، ما لم تتوافر الرغبة والاستعداد للتعايش المشترك بين الجماعات المختلفة في إطار وحدة سياسية واحدة. وان الاستعداد للتعايش المشترك هو العامل الذي يمكن من خلاله القفز فوق حواجز اللغة والعرق والثقافة ، بحيث ينعقد الولاء للوطن متجاوزاً الولاءات الأخرى ومهيمناً عليها.
لقد ثبت بالملاحظة أن التعددية العرقية واللغوية والدينية هي الصفة التي تشترك فيها كل دول العالم اليوم ، مما يجعل الاستعداد للتعايش هو الحل الوحيد للمشكلات الناجمة عن التعدد العرقي ، خاصة وأن أغلب هذه المعايير مما لا يمكن تخطيه Unbridgeable Gaps ولا دخل للأفراد فيه مثل الأصل العرقي والتاريخ المشترك، وكذلك الدين إذ لا يطلب من شخص تغيير دينه ليندمج في إطار وحدة وطنية مع بقية الجماعات في الدولة. صحيح أن العناصر المشار إليها تعتبر عوامل مساعدة في تحقيق الوحدة الوطنية ولكن لا يشترط وجودها جميعاً لنتحدث عن التكامل القومي.
إن على الدول أن تتعامل بحصافة وعدالة مع قضايا ومطالب وثقافات الجماعات المختلفة داخل أراضيها ، بما يدعم الوحدة الوطنية ، وأن تعمل على تطوير قيم الولاء للوطن عند أفرادها ، أي خلق شعور جماعي يهدف إلى تحقيق التطلعات القومية وينطوي على الحب والولاء للوطن ، والتمسك بتاريخه ، والعمل على تحقيق مصالحه ، ولا شك أن ذلك سيقود إلى خلق الوحدة السياسية القومية الشاملة والفاعلة.
إن الكاتب يعتقد ان الاختلافات الثقافية لا تعتبر عنصر ضعف بحد ذاتها، ذلك أن هذه الاختلافات إذا تم التعامل معها بحكمة ، وتم توجيهها الوجهة الصحيحة، فإنها تمثل عنصر قوة لأنها مصدر إثراء ثقافي . إن أكثر الثقافات ثراءً وعراقة هي ما يعرف بالثقافة ” الهجين” وهي تلك الثقافة الناتجة عن تلاقح عدد من الثقافات المختلفة لفترة طويلة من الزمن ، مما يؤدي إلى وجود ثقافة تشتمل على ملامح كل هذه الثقافات وتتمايز عنها ، وتأخذ من كل منها بنصيب. لذا يجب على جميع الدول التي تتسم بالتعددية العرقية او الثقافية او الدينية او المذهبية أن تعمل على تطوير الثقافات المختلفة داخل حدودها ، وأن تهيئ لهذه الثقافات أسباب التفاعل والتلاقح ، وأن تبتعد عن محاولات الاستقطاب ، والسعي لفرض ثقافة معينة دون الثقافات الأخرى ، بما يثير حفيظة الجماعات الثقافية الأخرى داخل الدولة.
([1] ) عبد السلام إبراهيم بغدادي ، الوحدة الوطنية ومشكلة الأقليات في أفريقيا ، سلسلة أطروحات الدكتوراه رقم (23) ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 2000م ، ص 157.
([2] ) International Encyclopedia of Social Sciences, The Macmillan Company an The Free press. 1972 Volume “1” P P 7 s– 8.
([3] ) I bid P. 7.
([4] ) لويس عوض ، معنى القومية ، الأهرام ، 11/5/1978م ، ص 10.
([5] ) شبلي العيسمي ، عروبة الإسلام وعالميته ، دار الطليعة ، بيروت ، الطبعة الثانية ، 1985م ، ص 215.
([6] ) حمد محمد حسين ، ” الهوية السودانية بين الجذب العربي والأفريقي” ، بحث غير منشور ، الأكاديمية العسكرية العليا ، الخرطوم ، الدورة السادسة (88 ـ 1989م) ، ص 1.
([7] ) أبو خلدون ساطع الحصري ، مرجع سابق ، ص 35.
([8] ) أحمد وهبان ، الصراعات العرقية واستقرار العالم المعاصر : دراسة في الأقليات والجماعات والحركات العرقية ، دار الجامعة الجديدة للنشر ، الإسكندرية ، 1999م ، ص 30 ـ 31.
([9] ) المرجع السابق ، ص 157.
([10] ) المرجع السابق ، ص 157.
([11] ) أبو خلدون ساطع الحصري ، مرجع سابق ، ص 38.
([12] ) أحمد وهبان ، مرجع سابق ، ص 43.
([13] ) أبو خلدون ساطع الحصري ، مرجع سابق ، ص 51.
([14] ) المرجع السابق ، ص 47.
([15] ) أحمد وهبان ، مرجع سابق ، ص 42.
([16] ) المرجع السابق ، ص 46.
0 Comments