اختلف الباحثون اختلافاً كبيراً حول تعريف الأقلية (Minority) ذلك أن مفهوم الأقلية يختلف باختلاف الأقلية نفسها ودرجة قوتها ، فهو ” يستلهم دائماً الظرف التاريخي الذي يعطيه شحنته وأبعاده الاجتماعية التي يمكن أن تتراوح بين المطالبة بالمساواة إلى الدعوة إلى الاستقلال وتكوين دولة منفصلة ، ( والأقليات) ليست دائماً على ذات المستوى من القوة. ولا على المستوى ذاته من التطور الاجتماعي”
([1]). على أنه يمكننا التمييز بين ثلاثة اتجاهات في تعريف الأقليات:
الاتجاه الأول :
ويستند هذا الاتجاه في تعريف الأقلية على عدد أعضائها مقارنة بعدد بقية الجماعات البشرية الموجودة معها في نفس الإقليم ، وهو الاتجاه التقليدي في هذا المجال. فعلى سبيل المثال تعرف الأقلية العرقية بأنها هي ” ذلك الجزء من سكان الدولة الذين ينتمون إلى أصل قومي يختلف عن ذلك الأصل القومي الذي ينحدر منه غالبية هؤلاء السكان”
([2]). ويعرفها آخرون بأنها ” مجموعة من السكان لهم عادة جنسية الدولة غير أنهم يعيشون متميزون بذاتيتهم عن غالبية المواطنين في الجنس واللغة والعقيدة والثقافة والتاريخ والعادات واللغات”
([3]).
بينما عرفها معجم الدبلوماسية بأنها ” مجموعة من رعايا دولة ما تنتمي من حيث الجنس أو اللغة أو الدين إلى غير ما تنتمي إليه أغلبية السكان”
([4]).
وقد تعرض هذا الاتجاه لانتقادات شديدة باعتبار أن العدد ليس مؤشراً جيداً لوضع الأقلية ، ولذلك فإن هذا المعيار سيؤدي حتماً إلى نتائج مضللة ، من بينها تضخيم قيمة العدد في الصراع على السلطة”
([5]). وبالفعل فهناك بعض الجماعات ذات العددية الكبيرة مثل الهوتو في بورندي والذين يمثلون85% إلا أن وضعهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي يجعلهم في عداد الأقليات ، وكذلك وضع السود في ناميبيا حتى وقت قريب.
وعلى ذلك فإن معيار الكم وإن كان يصدق في كثير من الأحيان ، إلا أنه لا يصدق دائماً ، مما يجعل هذا المعيار مضللاً وبالتالي فإن المعيار الحقيقي ليس هو عدد أفراد الجماعة (الأقلية) وإنما درجة أهميتها ونفوذها السياسي والاقتصادي ، ودرجة تماسكها وتنظيمها ، ودرجة ولاء أعضائها وتضحيتهم في سبيل تحقيق أهداف الأقلية ، ذلك أن التنظيم الهرمي الصارم في قبيلة التوتسي هو الذي مكنها من الاستمرار في السلطة لفترة طويلة من الزمن رغم محاولات الهوتو المتكررة للانقضاض على سلطتهم.
الاتجاه الثاني :
نسبة لتضليل المعيار الأول في معرفة وضع الأقلية ، فقد ظهر الاتجاه الثاني الذي يركز في تعريفه للأقلية على الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للجماعة وبالتالي فالأقلية وفقاً لهذا التعريف ،هي كل جماعة مستضعفة ومقهورة سياسياً أو مظلومة اقتصادياً ، أو مهمشة اجتماعياً ، فهي أقلية في محيطها ، فالأقلية وفقاً لهذا الاتجاه هي عبارة عن ” مجموعة من الأشخاص في الدولة ليست لهم السيطرة أو الهيمنة ، وهي تتمتع بجنسية الدولة إلا أنها تختلف من حيث الجنس أو اللغة أو الديانة عن باقي الشعب ، وتصبو إلى حماية ثقافتها وتقاليدها ولغتها الخاصة
([6])“.
وهي لدى آخرين ” جماعة تشترك في واحد أو أكثر من المقومات الثقافية أو الطبيعية ، وفي عدد من المصالح التي تكرسها تنظيمات وأنماط خاصة للتعامل وينشأ لدى أفرادها وعي بتمايزهم في مواجهة الآخرين نتيجة التمييز السياسي والاجتماعي والاقتصادي ضدهم مما يؤكد تضامنهم ودعمهم”
([7]).
ويلاحظ أن هذين التعريفين لم يشيرا إلى عدد هذه الجماعة بأي وجه من الوجوه ، وبالتالي فإن الأقلية طبقاً لها هي جماعة تشعر بالدونية والتهميش والعزلة والتمييز من قبل الجماعات الأخرى المسيطرة ، وهكذا فالأقلية وفقاً لهذا الاتجاه تعني الجماعة غير المسيطرة بينما لا تكون الجماعات المسيطرة أقلية مهما كان حجم أعضائها. وربما يكون سبب تهميش الجماعات لأسباب بيولوجية أو ثقافية أو تعليمية مما يمنعها من المشاركة بصورة فاعلة في السياسة الوطنية ، ففي عهد باجازا وحينما أتيحت الفرصة للهوتو في بورندي للمشاركة السياسية ، حالت قلة الكوادر المتعلمة والمؤهلة في أوساط الهوتو دون مشاركتهم بصورة فاعلة في السلطة مما اضطره إلى اللجوء إلى الأقلية التوتسية. وهكذا فإن الأقلية طبقاً لهذا الاتجاه هي الجماعة المستضعفة وغير المسيطرة ، بغض النظر عن عددها ، إلا أن هذا الاتجاه قد تعرض أيضاً للنقد على اعتبار أن مفهومي الأغلبية والأقلية هما أصلاً مفاهيم عددية ، ولا يغير استضعاف الهوتو في بورندي أو السود في جنوب أفريقيا من وضعهم إذ أنهم رغم اضطهادهم فهم أغلبية من الناحية العددية ، وأن استخدام مثل هذه المعايير سيؤدي إلى خلط كبير واختلاف حول تحديد الأقليات والأغلبيات بصورة عامة. كذلك فإن التعميم بأن كل الجماعات غير المسيطرة هي جماعات مضطهدة وتمثل أقليات قول يجانبه الصواب إذ أن هنالك جماعات غير مسيطرة ولكنها تعامل مع بقية الجماعات الأخرى في الدولة على قدم المساواة ، إلى درجة لا تشعر فيها بكونها أقلية ولا ترى الأغلبية لنفسها ميزة على الجماعات الأخرى.
الاتجاه الثالث :
ويحاول هذا الاتجاه التوفيق بين الاتجاهين السابقين ، فيعرف الأقلية على أنها هي الجماعة الأقل عدداً وغير المسيطرة ، ومن بين التعريفات التي وردت في هذا الاتجاه أن الأقلية هي ” مجموعة من مواطني الدولة تختلف عن أغلبية الرعايا من حيث الجنس أو الدين أو اللغة أو الثقافة وهي غير مسيطرة أو مهيمنة ، وتشعر بالاضطهاد”
([8]).
وقد قدمت اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات التابعة للأمم المتحدة في عام 1958م تعريفاً للأقلية جاء فيه أنها ” جماعة من المواطنين في دولة ما يشكلون أقلية عددية ، ويكونون في وضع غير مسيطر في هذه الدولة ولهم خصائص عرقية أو دينية أو لغوية تختلف عن خصائص أغلب السكان ، ويكون لديهم شعور بالتضامن فيما بينهم يشجعه وجود إرادة جماعية في البقاء كجماعة متميزة ، وهدفهم هو تحقيق المساواة مع الأغلبية”
([9]).
ولعل إيجابية هذا التعريف هو أنه اهتم بمسألة الكم العددي كمعيار لتحديد وضع الأقلية باعتبار أن تحديد مفهوم الأقلية والأغلبية إنما يتم على أساس العدد وليس على أي أساس آخر ، وأضاف هذا الاتجاه شرطاً آخر (بالإضافة إلى قلة العدد) وهو عدم السيطرة ، إذ أن قصور الاتجاه الأول جاء في حقيقة أن الأقلية العددية أحياناً لا تعتبر معياراً دقيقاً لوضع الجماعة العرقية. وبالعكس فإن سيطرة الجماعة القليلة العدد لا تجعل منها أغلبية مهما كانت درجة قوتها وقد وفق هذا الاتجاه بين الاتجاهين السابقين.
على أن الدكتور أحمد وهبان قد تقدم بتعريف جامع لمفهوم الأقلية حيث عرفها بأنها هي ” الجماعة أو الجماعات العرقية ذات الكم البشري الأقل في مجتمعها، والتي تتمايز عن غيرها من السكان من حيث السلالة أو السمات الفيزيقية أو اللغة أو الدين أو الثقافة ويكون أفراها مدركين لمقومات ذاتيتهم وتمايزهم ، ساعين على الدوام إلى الحفاظ عليها ، وغالباً ما تكون هذه الجماعة أو الجماعات في وضع غير مسيطر في ذلك المجتمع ، كما يعاني كثير منها ـ بدرجات متفاوتة ـ من التمييز والاضطهاد والاستعباد في شتى قطاعات المجتمع السياسية والاجتماعية والاقتصادية”
([10]).
ويؤكد بغدادي على ضرورة الاهتمام بالآتي عند تحديد مدلول الأقليات :
1/ يجب أن يكون عدد أفراد جماعة الأقلية كافياً نسبياً ، فلا يكفي أن توجد مجموعة صغيرة من الأسر أو الأفراد لا تشكل بذاتها مجموعة بشرية متميزة في نظر المجتمع الذي تعيش فيه.
2/ أن تكون هنالك روابط مشتركة بين أفرادها : لغوية وعرقية ودينية تجعل منهم فئة مختلفة عن بقية السكان.
3/ أن يعي أفراد هذه الجماعة طبيعة الروابط القائمة بينهم ، وأن يرغبوا في المحافظة عليها.
واشترط بغدادي توافر هذه العناصر مجتمعة على فئة ما قبل أن نطلق عليها صفة الأقلية
([11]).
بصورة عامة، يمكن تقسيم الأقليات القومية إلى نوعين : الأقلية القومية التي يتركز وجودها على مناطق حدود الدولة التي تعيش فيها ، والأقلية التي تشارك دولة مجاورة قوميتها ، وكلا النوعين موجودان في القارة الأفريقية. حيث أدى التقسيم العشوائي للقارة الأفريقية في مؤتمر برلين 1885م بين القوى الاستعمارية إلى وجود جماعات مختلفة عرقياً وثقافياً في إطار دولة واحدة بينما حدث العكس حيث قسمت الحدود الاصطناعية التي رسمها المستعمرون الجماعات الإثنية الواحدة إلى عدة دول ، ويعتبر السودان أنموذجاً جيداً لهذه الحالة ، فمن ناحية قسمت الحدود عدة قبائل أصبح جزء منها في السودان وبقيتها خارجه مثل الزغاوة والبرنو والسلامات الذين تم تقسيمهم بين السودان وتشاد ، والنوبة والبشاريين بين السودان ومصر ، والبجا بين السودان وإريتريا ، وبعض القبائل الجنوبية بين السودان ويوغندا وكينيا والكنغو ، في ذات الوقت فقد ضم السودان في داخله مجموعات عرقية عديدة قدرت بما يقارب الستمائة مجموعة فرعية يتحدثون بحوالي 115 لغة ولهجة
([12]). وتظهر هذه المشكلة أيضاً بالنسبة للصوماليين حيث ينقسمون حالياً بين جمهورية الصومال ، وجمهورية جيبوتي ، بالإضافة إلى بعض الصوماليين في إثيوبيا (إقليم الأوجادين) وكينيا (الأنفدي) وقد أدى ذلك إلى صراعات إثنية بين الجماعات المختلفة في داخل الدولة الواحدة من جانب ، وأدى إلى صراع بين بعض الأقليات مثل الصوماليين في كينيا وإثيوبيا ضد السلطات الحاكمة هناك بهدف الانفصال واللحاق بجمهورية الصومال لتكوين (الصومال الكبير) الذي يجمع كل الصوماليين.
ففي الحالة الأولى يمكن تسوية الصراعات دون اللجوء للانفصال من خلال انتهاج سياسات متسامحة وإعطاء الحكم الذاتي للجماعات المتميزة وتحقيق تنمية متوازنة تضع الجماعات المختلفة في إطار دولة موحدة ، أما في الحالة الثانية (حيث تتطلع جماعات إلى اللحاق بقوميتها) فإنه يصعب إرضاء الجماعات العرقية بوسائل غير الاستقلال.
لكن قد تقبل الدولة بفصل الإقليم الذي تقطنه الأقلية لأسباب معينة يمكن إجمالها في الآتي :
1/ التدهور في قوة الدولة وعجزها عن أن تخضع لسيطرتها الأقلية التي تصر على مطلب الانفصال.
2/ عجز الدولة عن تحمل أعباء التنمية الاقتصادية لمناطق الأقليات ، خاصة إذا أصرت الأقليات على هذه التنمية كشرط للبقاء في إطار الدولة والتخلي عن الانفصال.
3/ العجز عن مواجهة الضغوط الخارجية عليها من أجل إقرار حق الانفصال لهذه الأقلية
([13]).
إلا أن هنالك حلولاً أخرى لمشاكل الأقليات تتوقف على نوعية المشكلة ، وما إذا كانت تتطلب انفصالا أو معالجات أخرى. فقد تعمل الحكومة على استرضاء الأقليات من خلال الاستجابة لبعض مطالبها مثل تحقيق التنمية في الإقليم الذي تقطنه الجماعة إذا كانت مطالبها اقتصادية ، أو السماح لها بدرجة من الاستقلالية في إدارة شؤونها الداخلية في إطار الدولة الموحدة إذا كانت مطالبها تتعلق بالمشاركة السياسية أو الحق في تقرير أمورها. وقد تلجأ الحكومات ذات الصلة بموضوع الأقلية إلى تبادل الأقليات بينها كما حدث بين اليونان وتركيا فيما بين الحربين العالميتين حيث تم تبادل اليونانيين الذين يعيشون في آسيا الصغرى التركية بالأتراك الذين يعيشون في اليونان
([14]). كما قد تلجأ الدول إلى أساليب غير إنسانية لحل مشكلة الأقليات كما فعلت ألمانيا النازية التي قامت بتصفية جسدية وطرد جماعي إجباري للأقليات غير الألمانية وإعادة توطين مناطقهم بالجنس الألماني
([15]). على أن هذه الوسيلة بالإضافة إلى كونها غير إنسانية ، لم يعد بإمكان الدول الآن اللجوء إليها باعتبار أنها تتعارض مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان . كما أن انتشار وتقدم وسائل الإعلام والاتصالات حالت دون انتهاج مثل هذه السياسات ، بالإضافة إلى انتشار المنظمات الداعية لحقوق الإنسان خاصة في ظل العولمة التي جعلت العالم كقرية صغيرة يعلم كل ما يجري فيها بالتفصيل ، كما أن انهيار المعسكر الاشتراكي مكن المعسكر الغربي من فرض شروط الإصلاحات السياسية (التي تتضمن أوضاع الأقليات) ومراعاة حقوق الإنسان كأساس للتعامل مع كل الدول ، وقد أدى ذلك إلى تقوية موقف الجماعات الإثنية حيث وجدت فرصة للتعبير عن مطالبها بعد موجة الديمقراطية التي تأثرت بها أغلب دول العالم وانهارت فيها الأنظمة الديكتاتورية التي كانت مستقرة بدعم الاتحاد السوفيتي. إلا أن الانفتاح المفاجئ بعد فترات طويلة من الكبت قادت إلى ما يمكن تسميته بفوضى الأقليات ، القائمة على الإثنية ، وقد كان لأفريقيا النصيب الأوفر من ذلك
([1] ) برهان غليون ، المسألة العلمانية ومشكلة الأقليات ، دار الطليعة ، بيروت ، 1979م ، ص 15.
([2] ) إسماعيل صبري مقلد ، الاستراتيجية والسياسة الدولية ، المفاهيم والحقائق الأساسية ، الطبعة الثانية ، 1985م ، ص 85.
([3] ) أحمد سويلم العمري ، أصول العلاقات السياسية الدولية ، مكتبة الأنجلو المصرية ، القاهرة ، 1959م ، الطبعة الثانية ، ص 576.
([4] ) سموحي فوق العادة ، معجم الدبلوماسية والشئون الدولية ( إنجليزي ، فرنسي ، عربي) ، بيروت ، 1968م ، ص 267.
([5] ) نيفين عبد المنعم ، مرجع سابق ، ص 5.
([6] ) أحمد وهبان ، مرجع سابق ، ص 81.
([7] ) نيفين عبد المنعم سعد ، مرجع سابق ، ص 2.
([8] ) أحمد وهبان ، مصدر سابق ، ص 88.
([9] ) عبد السلام إبراهيم بغدادي ، مرجع سابق ، ص
([10] ) أحمد وهبان ، مرجع سابق ، ص 89.
([11] ) عبد السلام بغدادي ، مصدر سابق ، ص 91.
([12] ) إبراهيم أحمد نصر الدين ، ” الاندماج الوطني في أفريقيا والخيار السوداني” ، مجلة المستقبل العربي ، العدد 63 ، مايو 1984م ، ص 40.
([13] ) إسماعيل صبري مقلد ، مرجع سابق ، ص 86.
([14] ) نفس المرجع ، ص 87.
([15] ) نفس المرجع ، ص 89.
0 Comments