تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Dr.Baha'a Makkawi

أشرنا في الجزء الأول من هذا المقال الى أن الهند استطاعت رغم كل التحديات، ان تحقق نجاحات عظيمة وباهرة وعلى كافة الأصعدة: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حتى غدت نموذجا يحتذى ، وقد ذكرنا – يومها- ان أوجه النهضة الهندية أكثر من أن تحصى، وإننا سوف نركز على جانبين فقط من جوانب النهضة الهندية : الأول، موضوع الوحدة الوطنية في الهند ، وكيف استطاعت الهند تطبيق استراتيجية الوحدة في التنوع (Unity in Diversity) بصورة جعلتها مدار مناقشات سياسية واكاديمية واسعة باعتبارها نموذجاً ناجحاً للتعايش والانسجام برغم التعدد العرقي والثقافي الكثيف الذي تمتاز به الهند ، وقد اوضحنا اننا نرمي من وراء ذلك الى الاستفادة من التجربة الهندية في معالجة قضايا الواقع السوداني الذي يتسم هو الاخر بتعدد ثقافي وعرقي ميزه على سائر دول المنطقة. والثاني، هو موضوع التعليم لاعتقادنا ان التعليم هو أساس كل نهضة سواء كانت اقتصادية او اجتماعية او سياسية، وللهند في هذا المجال تجربة رائدة تستحق الوقوف عندها، والاستفادة منها. ولئن تم تخصيص الجزء الأول من هذا المقال لموضوع إدارة التنوع العرقي والثقافي والطبقي والمذهبي في الهند، فان هذا الجزء من المقال يسعى الى استعراض التجربة الهندية في مجال التعليم، وذلك للنجاح الكبير الذي حققته الهند في هذا المجال الحيوي المهم اعتباراً بتجربتها الرائدة في هذا المجال، والوقوف عل مدى إمكانية الاستفادة من هذه التجربة في السودان. يعود تاريخ التعليم في الهند الى اماد بعيدة في التاريخ، ولكن يكفي القول إن أول جامعة نشأت في الهند كانت في القرن الثالث الميلادي وهي جامعة بوسباغيري (Puspagiri)، كما نشأت جامعة نالاندا (Nalanda) في القرن الخامس الميلادي، وعلى الرغم من انها هدمت في العام 1197م في اثناء حروب دينية، الا ان العام 2014م قد شهد إعادة افتتاح الجامعة وقبول 1000 طالب بها في تخصصات مختلفة. وقد بلغ عدد الهنود الذين حصلوا على جائزة نوبل في العلوم المختلفة 14 عالماً يمثلون شتى ضروب المعرفة، وبالطبع فان هذا مؤشر جيد على النوعية الجيدة للتعليم والقائمة على الاكتشاف والابتكار وسط علماء الهند. تقول الاحصائيات ان هناك أكثر من 700 جامعة في الهند ما بين جامعات حكومية وجامعات خاصة، تحتضن هذه الجامعات أكثر من 20 مليون طالب وطالبة، وتشمل جميع التخصصات العلمية، وان الكوادر الاكاديمية والإدارية التي تعمل في مجال التعليم تصل الى مئات الالاف. تولي الهند اهتماماً كبيراً للتعليم الأساسي اذ أكد تقرير وضع التعليم السنوي في الهند أن 96,5 من أطفال القرى والارياف ممن تتراوح أعمارهم بين ال 6-14 سنة مسجلون رسمياً في المدارس أي ان 229 مليون طالب وطالبة من طلبة التعليم الأساسي مسجلون فعلياً في المدارس، وتضمن التشريعات الهندية حقوق أبناء الطبقات الدنيا والمهمشين اذ تحتفظ لهم التشريعات ب 50% من المقاعد الدراسية وتزيد النسبة عن ذلك في بعض الولايات الهندية. ولا يتوقف اهتمام الحكومة الهندية بالجانب الكمي في مجال التعليم وانما تولي الحكومة الهندية اهتماما كبيرا لنوعية التعليم وجودته ، فهناك هيئة مركزية هي : هيئة التعليم (Education Commission) مهمتها التأكد من جودة المخرجات التعليمية ، وهناك المجلس الوطني لشؤون البحث والتدريب التربوي ( National Council of Education ,Research, and Training- NCERT) والذي يعمل على تقييم المناهج الدراسية على أسس علمية ووفقا للمعايير العالمية ( International Standards) ، فضلاً عن عشرات المؤسسات والمراكز المسؤولة عن الجانب التربوي في الهند . أطلقت الهند برامج متخصصة للنهوض بالتعليم ومواكبة التطورات العالمية في مجال التعليم، فعلى سبيل المثال أطلقت الحكومة الهندية برنامج (إعادة الحياة الى التعليم المدرسي بالهند) ، وقد أنشأ هذا البرنامج 160,000مدرسة جديدة بالإضافة الى صيانة 84,000مدرسة قديمة. كما اقرت الحكومة تشريعات تجعل التعليم الأساسي الزامياً، ويحظر عمل الأطفال، وقد أسهمت هذه التشريعات بالإضافة الى زيادة اعداد المدارس في زيادة نسبة الطلبة الملتحقين بالمدارس في عموم الهند حيث بلغت أكثر من 96% ممن هم في سن الدراسة. أما برنامج ” حركة التعليم من اجل الجميع” وهو برنامج تربوي تتبناه وزارة التنمية البشرية بالهند فانه يعد من أضخم البرامج التعليمية على مستوى العالم. أطلق البرنامج في العام 2000/2001م ليلبي احتياجات أكثر من 192 مليون طفل في كافة أرجاء الهند بما فيها المناطق المعزولة في مرتفعات الهيمالايا والمناطق الحدودية مع باكستان ونيبال وغيرها. وقد تضمن البرنامج – كذلك-انشاء مدارس جديدة وتأهيل القديمة، وتوفير المرافق الصحية والبنيات الأساسية، وتوفير أجهزة الحاسوب الى المدارس لمواكبة التطورات العالمية في عصر الانفجار المعرفي. كما تضمن البرنامج إجراءات لدمج المعاقين وتعليم أبناء الفقراء والشرائح الاجتماعية المهمشة، وتقديم التدريب الفني والمهني لهذه الشرائح. اهتمت الهند كذلك بالتعليم المفتوح والتعليم عن بعد (Open and Distance Education) على صعيد التعليم الثانوي والتعليم الجامعي، فعلى المستوى المدرسي هناك المعهد الوطني للتعليم المفتوح والذي يستوعب حوالي 1,4 مليون ممن لم يتمكنوا من اكمال تعليمهم المدرسي. وعلى مستوى التعليم الجامعي نجد جامعة انديرا غاندي الوطنية للتعليم المفتوح التي تخرج أكثر من مليون وخمسمائة ألف طالب سنوياً. لعب التعليم دوراً محورياً في النهضة الهندية، وقد كانت كل جوانب النهضة الهندية: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مرتكزة بشكل أساسي على العلم والتكنولوجيا ، ولقد امنت القيادة الهندية منذ البداية بان العلم هو المدخل لنهضتها ، فوضعت له الاستراتيجيات والخطط ، ورصدت له الميزانيات ، واستفادت من تجارب الدول المتقدمة في هذا الجانب حتى حصدت زرعها تقدما وتطوراً ، وعلى الرغم من التحديات الكبيرة التي تواجهها فان هناك ما يشبه الاجماع بين العلماء والمفكرين والباحثين على أن الهند قادرة ومؤهلة للتصدي لكل هذه العقبات ومواجهة التحديات بما تمتلكه من مقومات النهضة وعلى رأسها التعليم الجيد . ان ما ذكرناه هنا من الجهود التي بذلتها الحكومات الهندية المتعاقبة للارتقاء بالتعليم وتحسين لنوعيته انما هو غيض من فيض إذ لا يمكن الالمام بكل هذه الجهود ولا بآثارها على الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالهند، وانما هي نماذج مختارة نأمل ان تكون نبراساً يهدي صناع القرار في بلادنا في جهودهم من أجل التخطيط للتعليم، والنهوض بأوضاعه، وتحديد أهدافه وتحسين نوعيته. لقد أورد (التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع) والصادر عن اليونسكو أواخر العام 2015م الحقائق التالية عن السودان: 1-ان السودان هو الدولة العربية الوحيدة التي لديها قوانين حول الزامية التعليم ما قبل الابتدائي وذلك منذ العام 1992م وقد وضعها ذلك الى جانب دول متقدمة مثل سويسرا والدنمارك، ومع ذلك فان السودان لم يرد – في التقرير-ضمن الدول التي أحرزت تقدماً ملحوظاً باتجاه تعميم التعليم الابتدائي خلال الفترة الممتدة من 1999م الى 2012م. 2-ان السودان وضع خطة تعليمية خاصة بالمجتمعات الرعوية، لكن التدابير ذات الصلة بالسياسات لم تؤد -بالضرورة-إلى الى زيادة الالتحاق بالتعليم في أوساط البدو. 3-جاء السودان في اخر قائمة الدول التي رفعت من الانفاق على التعليم كجزء من الدخل القومي (وقد أظهرت دراسة حديثة عن الإنفاق الحكومي على التعليم في السودان-أن مستوى الإنفاق العام على التعليم لم يزد في المتوسط عن3% من إجمالي الإنفاق العام، أي بمعدل 1% من الناتج القومي الإجمالي. 4-جاء السودان ضمن (الفئة الدنيا في مؤشر تنمية التعليم للجميع) الى جانب ارتيريا وتشاد ورواندا، وكان السودان هو الدولة العربية الوحيدة في هذه القائمة. لقد انعكس ذلك على التعليم العالي في السودان ففي مؤشر جودة التعليم العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي بدافوس والذي شمل مائة واربعين دولة خرج السودان من المنافسة تماماً. كما جاء ترتيب الجامعات السودانية على مؤشرWorld Universities’ Ranking)) محبطاً للغاية ، فقد جاء ترتيب جامعة الخرطوم 1689، تلتها جامعة السودان للعلوم التكنولوجيا بترتيب 3266 ،ثم جامعة شندي بترتيب 6006 ، ويرجع ذلك بالطبع الى ضعف ميزانية التعليم ، وهجرة الأساتذة الأكفاء ، فضلاً عن ضعف المناهج الدراسية ، وانعدام التدريب للأساتذة، وعدم إعطاء الاهتمام الكافي لجودة التعليم ، وقلة البحوث المنشورة للأساتذة ، وضعف المواقع الالكترونية للجامعات ، وهي مشاكل تعود بكاملها لضعف التمويل وعدم إعطاء التعليم الأولوية عند رصد الميزانيات السنوية . ان معالجة أوجه الخلل البينة التي أصابت التعليم في السودان تحتاج الى وقفة صادقة مع النفس فلا بد للمؤسسات التعليمية ان تراعي احتياجات سوق العمل وتزود خريجيها بالمهارات اللازمة والمطلوبة في سوق العمل. وبالتالي لا بد من التخطيط للتعليم بالشراكة مع المجتمع المدني وسوق العمل، لان عدم التنسيق بين المؤسسات التعليمية وسوق العمل قد أدى في عديد من الدول الى مفارقة تتمثل في بطالة خريجي الدولة من ناحية، والى الحاجة الى استقدام العمالة الخارجية من ناحية أخرى. وهو ما يقتضي التنسيق بين المؤسسات التعليمية وسوق العمل، وكما توجد فجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات التنمية من ناحية، توجد فجوة مقابلة بين التعليم العام والتعليم العالي من ناحية أخرى وما ذلك الا بسبب غياب مفهوم الجودة في مجال التعليم. بناء على ما سبق، واعتباراً بالتجربة الهندية يمكن التوصية بالتالي:
  • التوسع في التعليم وزيادة الصرف على العملية التعليمية.
  • الالتزام بالمعايير العالمية لجودة التعليم.
  • التزام المدارس والجامعات بإنشاء وحدات للجودة في كل مدرسة وجامعة.
  • الاهتمام بجودة التعليم والتأكد من مطابقته للمعايير العالمية، وتدريب المعلمين وأساتذة الجامعات على نظم الجودة.
  • المراجعات الدورية للمدارس ومؤسسات التعليم العالي والبرامج الاكاديمية فضلا عن المراجعات المؤسسية والتأكد من البيئة التعليمية ومدى ملاءمتها.
  • إطلاق برامج متخصصة للنهوض بالتعليم على غرار برنامج ” حركة التعليم من اجل الجميع ” بالهند.

0 Comments

Leave a Comment