تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Dr.Baha'a Makkawi

د. بهاء الدين مكاوي ظلت الهند، ولا تزال، تواجه تحديات جسيمة ومعوقات عظيمة تعرقل مسيرتها نحو النماء والتطور. ووفقاً للبروفيسور أمارتيا سن (Amartya Sen) المفكر المعروف والحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد، فان الهند تواجه عدداً من المعوقات تتمثل في: ضعف فاعلية المؤسسات السياسية، عدم المساواة، غياب التمكين للمرأة والفقراء، اتساع الفوارق الطبقية، غياب الديمقراطية المحلية، الانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان، الصراعات الاثنية، الفقر، البطالة، الفساد والمحسوبية، الامية، البيروقراطية، فضلاً عن توتر العلاقات مع دول الجوار خاصة الصين وباكستان. الا أن الهند استطاعت رغم كل هذه المعضلات الجوهرية والتحديات الخطيرة، ان تحقق نجاحات عظيمة وباهرة وعلى كافة الأصعدة: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حتى غدت نموذجا يحتذى، وتجربة تستحق الاحتفاء والاقتفاء. ولأن أوجه النهضة الهندية أكثر من أن تحصى، فإننا سوف نركز على جانبين نعتقد أنهما في غاية الأهمية: الأول، موضوع الوحدة الوطنية في مجتمع متعدد كالهند، ونرمي من وراء ذلك الى الاستفادة من التجربة الهندية في معالجة قضايا الواقع السوداني الذي يتسم هو الاخر بتنوع ثقافي وعرقي كثيف ميزه على سائر دول المنطقة، ولعب ادواراً حاسمة في تاريخه وحاضره، وسيلعب بلا شك دوراً في تحديد مستقبله. والثاني، هو موضوع التعليم لاعتقادنا ان التعليم هو أساس كل نهضة سواء كانت اقتصادية او اجتماعية او سياسية، وللهند في هذا المجال تجربة رائدة تستحق الوقوف عندها، والاستفادة منها. لعل أهم ما يميز الهند هو التعددية العرقية والدينية والثقافية الواسعة، اذ يصل عدد سكان الهند الى مليار ومائتين وسبعين مليون نسمة، وهي ثاني دولة في العالم من حيث عدد السكان (بعد الصين)، وتتوقع دراسة أجرتها الأمم المتحدة عن توجهات السكان أن تصبح الهند أكبر دول العالم سكاناً، وتتفوق على الصين بحلول عام 2022م. ينتمي سكان الهند الى طوائف دينية مختلفة مثل: الهندوسية، والبوذية، والمانوية، واليهودية، والمسيحية، والإسلام والسيخية، فضلا عن التنوع العرقي واللغوي الذي تزخر به الهند. الا ان الهند استطاعت بمعادلة دستورية دقيقة وذكية، وبمؤسسات سياسية فاعلة، وسياسات ثقافية واجتماعية محكمة، أن تحول التعددية فيها الى مصدر من مصادر القوة والاثراء بدلاً من أن تكون مصدراً للتشرذم والانقسام. لقد عبر الدستور الهندي بوضوح تام عن ” تنوع الأمة الهندية ” على كافة المسارات الوطنية والطبقية والروحية، كما أقام الدستور الهندي نظاماً ديمقراطياً برلمانياً يقوم على أساس الانتخاب الدوري الحر، كما أكد على أن الشعب هو مصدر السلطات والصلاحيات، كما أكد على ان الدولة ليس لها ديانة رسمية واحدة، وأنها تقف على مسافة واحدة من كل الأديان والمذاهب والرؤى الفلسفية والتقسيمات الطبقية والاجتماعية. أكد الدستور – كذلك-على النظام الفيدرالي باعتباره الأسلوب الأنسب للواقع الاجتماعي والجغرافي للهند حيث تم تقسيم الهند الى تسع وعشرين ولاية وسبعة أقاليم اتحادية. حدد الدستور الهندي صلاحيات كل من الحكومة المركزية وحكومات الولايات ورجح كفة الحكومة المركزية حال تضارب او عدم وضوح الصلاحيات. كذلك فقد نص الدستور الهندي بشكل صريح وواضح على حقوق المواطنين الهنود حيث نص على حرية وحرمة الملكية الخاصة، والحريات الدينية بكل صورها فضلا عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. كما أكد على حرية الرأي والمهنة والوظيفة والانتماء الحزبي وتشكيل الجمعيات. في ذات الوقت شدد الدستور الهندي على ” الوحدة الجغرافية للهند في اقليمها البري والبحري والجوي ” وانه لا بد من ” اتخاذ كل الإجراءات للمحافظة على هذه الوحدة الوطنية الجغرافية “. لقد اتبع الدستور الهندي فيما يتعلق بظاهرة التعددية الثقافية أسلوب ” الاندماج الوظيفي”، وهو أسلوب يقصد به ” وجود رابطة بين أعضاء جماعة لا تستند بالضرورة الى ثقافة أو هوية مشتركة، لكنها تستند الى وجود مصلحة بالأساس، ويكون أعضاء الجماعة مستعدين لقبول المؤسسات القائمة ما دامت تؤدي وظائفها بفاعلية. كما أن نظرتهم الى القادة السياسيين باعتبارهم صالحين أو فاسدين تستند الى قدرتهم على أداء هذه الوظائف “. هذا الأسلوب يمكن الجماعات المختلفة وبغض النظر عن اختلافاتها العرقية والثقافية تتضامن من أجل الارتقاء بأوضاعها ووطنها الذي تعيش فيه لأنها تشعر بانتمائها لوطنها لما تجده من فرص التعبير عن معتقداتها وتصوراتها ومصالحها، وذلك خلافاً للأساليب القسرية الأخرى مثل أسلوب ” الاستيعاب ” الذي يعمل على “الحاق ” او “استيعاب” الجماعات المختلفة في إطار ثقافة الجماعة الحاكمة قسراً، وخلافاً لأسلوب ” الاستبعاد” الذي يسعى الى نفي الاخر خارج المنظومة السياسية الوطنية. ولعل من اهم الدروس المستفادة في هذا الجانب هو ان السودان بحاجة فعلية الى استراتيجية جديدة وواضحة للتعامل مع التنوع في البلاد، فلا يزال السودان – حتى بعد انفصال الجنوب-يحتشد بمئات الجماعات العرقية والاثنية، وعشرات اللغات واللهجات، فضلاً عن التعددية الدينية والتفاوت الاقتصادي والتنموي. لقد توصل القادة السياسيون في السودان ومنذ مؤتمر المائدة المستديرة (1964م) الى فشل سياسة الاستيعاب أو الاحتواء التي كانت تمارسها الحكومات السودانية المتعاقبة على حكم السودان منذ الاستقلال، وبرزت بشكل جلى اهمية الانتقال الى فكرة الاندماج الوظيفي كشكل من أشكال الحكم لا يقوم على أساس وجود هوية مشتركة ، بل على وجود مصلحة، وأن يتم الالتقاء من خلال نظام فضفاض يجمع كل الجماعات في إطار الدولة مع تمكينها من تحقيق مصالحها والتعبير عن خصوصياتها ، ولان الأساليب الإدارية في هذا النظام تتفاوت من الحكم المركزي ، الى الحكم الذاتي والى الفيدرالية. ومع أن هناك اتفاقاً على أن الفيدرالية هي أنسب صيغ الحكم للسودان، إلا أن الفيدرالية السودانية عانت وتعاني من سلبيات كثيرة وقصور يستدعى المعالجة الجراحية المستعجلة. كما اننا-اعتباراً بالتجربة الهندية -بحاجة الى أن يمثل المركز في السودان قوة جذب للأقاليم والأطراف والجماعات المختلفة، وأن تكون المصلحة هي أساس قوة الجذب هذه، بحيث تسعى الجماعات المختلفة للاحتشاد تحت هذا المركز الذي يمدها بالسلطة والثروة وكل موارد القوة والمصلحة والهيبة. لكن التحدي هو كيف يمكن ان يكون المركز قوة جذب تحتضن مصالح الفئات المختلفة بما يعزز الوحدة ويقوى عراها، وهذا ما يحتاج الى أعمال الفكر من قبل السياسيين والخبراء في السودان. لقد اكتسب السياسيون السودانيون خبرة واسعة في التعامل مع التعددية، ويتجلى ذلك بشكل واضح في الدستور الانتقالي لسنة 2005م فقد جاء في المبادئ العامة للدستور نصوص تستحق الإشادة والتقدير منها أن: (أ) تُؤسس وحدة السودان على الإرادة الحُرة لشعبه وسيادة حكم القانون والحكم الديمقراطي اللامركزي والمساءلة والمساواة والاحترام والعدالة، (ب) الأديان والمعتقدات والتقاليد والأعراف هي مصدر القوة المعنوية والإلهام للشعب السوداني، (ج) التنوع الثقافي والاجتماعي للشعب السوداني هو أساس التماسك القومي، ولا يجوز استغلاله لإحداث الفرقة، (د) تُستمد سلطة الحكم وصلاحياته من سيادة الشعب وإرادته التي تُمارس عن طريق الاستفتاء والانتخابات الحُرة المباشرة والدورية التي تُجرى في اقتراع سري عام لمن بلغ السن التي يحددها القانون. كما تم التأكيد على ضرورة إيجاد (نموذج من الحكم الراشد في السودان) يقوم على أساس المساواة، واحترام حقوق الإنسان، والشفافية والمحاسبية وحكم القانون، بل مضى الدستور الى ابعد من ذلك حيث جاء فيه “تعتبر كل الحقوق والحريات المضمنة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والمصادق عليها من قبل جمهورية السودان جزءً لا يتجزأ من هذه الوثيقة.  ” وكل هذه أمور جيدة ولكن بعضها يحتاج الى مراجعة بما يتطابق مع المبادئ الإسلامية في هذه الجوانب. كما أشار الدستور الي تأكيد الحاجة الي معايير قومية تعكس وحدة الوطن وتنوع الشعب السوداني، وأكد على الإقرار بالحاجة الي تعزيز رفاهية الشعب، وحماية حقوقه الإنسانية، وحرياته الأساسية. ومضى الدستور ليفصل الحقوق والحريات التي يجب التمتع بها بموجب الدستور السوداني مثل: حق الحياة، والحرية الشخصية، ومنع الاسترقاق والتعذيب، والمحاكمة العادلة، واحترام الخصوصية، وحرية الفكر والضمير والدين، وحرية التعبير، وحرية التجمع، والانضمام للجمعيات، والحق في تأسيس الأسرة، والزواج، والحق في التصويت، والمساواة أمام القانون، والحق في الحماية من التمييز، وحرية التحرك، وحقوق الطفل وغيرها. واعتقد أن هذه المبادئ هي محل إجماع بين أفراد الشعب السوداني بأكمله، إذ لا يمكن لأحد ان يتبنى عكس هذه المبادئ، بل ان بعض الدساتير تحظر تعديل مثل هذه البنود، فقد حظر الدستور البحريني – مثلاً-تعديل النصوص المتعلقة بمبادئ الحرية والمساواة المنصوص عليها في البابين الثاني والثالث من الدستور، كما حظر تعديل المادة الثانية المتعلقة بكون الإسلام هو دين الدولة، وحتى إذا ما جرى تعديل الدستور أو تم الاتفاق على كتابة دستور جديد فينبغي الاحتفاظ بمثل هذه النصوص أو محتواها. ويشدد المفكرون والكتاب الهنود على ابراز قدرة الهند على امتصاص واستيعاب كل ما هو مادي وفكري من كل حدب وصوب وهو ما يشير الى انفتاح الهند على تجارب وثقافات الاخرين، وتوصف روح الهندي الثقافية عادة بانها حوارية (Dialogic) بامتياز، ولا شك ان هذه الروح الحوارية لدى الهندي تمثل عنصراً أساسياً في التقدم والنهضة. ان نظرة على التاريخ السوداني لتؤكد بشكل قاطع تميز الشعب السودان وقياداته فيما يتعلق بالروح الحوارية التي تبرز دائماً في أوقات الازمات وفي المنعطفات التاريخية الكبرى، ويمكن تعزيز الروح الحوارية السودانية المتميزة اصلاً عبر برامج التنشئة الاجتماعية والسياسية، ومن خلال مناهج التعليم ووسائل الاعلام، كما يمكن تطوير مهارات الحوار لدى قادة المجتمع في المستويات المختلفة، والاستفادة من هذه الروح الحوارية في دعم وتعزيز الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي والتكامل القومي. يتضح مما سبق ان هناك تشابهاً كبيراً في تجربتي السودان والهند إزاء التعددية نفسها من جانب، وإزاء التعامل مع قضايا التنوع العرقي والثقافي والطبقي من جانب اخر، لكن ما يحتاجه السودان هو الاستمرار في إيجاد الاليات المناسبة لوضع هذه البنود موضع التنفيذ بتصميم وهمة وعزيمة.

0 Comments

Leave a Comment