Skip to main content

Dr.Baha'a Makkawi

ليس الحديث عن الفساد جديداً في السودان. فمنذ عقود يكاد لا يخلو برنامج سياسي أو مشروع إصلاحي من الحديث عن محاربته، ولا تمر أزمة كبيرة إلا ويعود الفساد إلى واجهة النقاش باعتباره واحداً من أسباب ما آلت إليه أحوال الدولة. وهذا مفهوم، بالنظر إلى ما أحدثه الفساد من هدر للموارد وإضعاف للثقة في مؤسسات الحكم. لكن كثرة الحديث عنه لم تساعدنا، في تقديري، على طرح السؤال الأهم: هل الفساد هو أصل المشكلة، أم أنه في جانب كبير منه نتيجة لمشكلة أعمق تتعلق بطريقة بناء الدولة وعمل مؤسساتها؟

غالباً ما نتعامل مع الفساد بوصفه مشكلة أشخاص: مسؤول اختلس مالاً عاماً، أو موظف استغل منصبه، أو جهة منحت عقداً لمن لا يستحقه. وهذه كلها صور حقيقية للفساد ويجب أن تخضع للمحاسبة. لكن الوقوف عندها لا يفسر لماذا يتكرر الفساد، ولماذا تتغير الحكومات ويبقى، ولماذا تختفي أسماء وتظهر أسماء أخرى بينما تظل الممارسات نفسها قائمة. فالمشكلة، في جانب مهم منها، ليست في الأشخاص وحدهم، وإنما في البيئة التي يعملون داخلها. حيث تضعف المؤسسات، وتختلط الصلاحيات، وتتسع مساحة القرار الشخصي، ويصعب الوصول إلى المعلومات، وتتعطل آليات الرقابة والمساءلة، يصبح الفساد أسهل وأقل كلفة على من يمارسه. أما حين تكون القواعد واضحة، والاختصاصات محددة، والقرار قابلاً للمراجعة، والمال العام خاضعاً للمراقبة، فإن فرص الفساد تضيق، بصرف النظر عن أخلاق من يتولى المنصب.

وتحضرني في هذا السياق واقعة ذات دلالة. فقد طُلب مني، قبل سنوات، التعقيب على ورقة عن الفساد في السودان، كان مقرراً تقديمها إلى مؤسسة ذات تأثير معتبر في صناعة القرار. وبعد استعراض مطول للظاهرة وأبعادها، انتهت الورقة إلى توصية رئيسية مفادها أن تتضمن المناهج التعليمية ما يغرس في نفوس الطلاب أن الفساد سلوك سيئ ينبغي اجتنابه؛ أي، بتعبير أكثر مباشرة، أن نعلّم الأجيال القادمة أن «الفساد فاسد». غير أن مثل هذه المعالجة تثير سؤالاً عملياً لا يمكن تجاوزه: هل ينتظر المجتمع ثلاثين أو أربعين عاماً حتى يكبر هؤلاء الأطفال، وقد تشبعوا بقيم النزاهة، ثم يتولوا إدارة الدولة؟ وماذا عن الفساد القائم بالفعل، وعن الموارد التي تُهدر في الحاضر؟ أليس الأجدى، إلى جانب الاستثمار في التربية والقيم، بناء آليات مؤسسية تستطيع التعامل مع الفساد الآن، وتحد من قدرة المفسدين على استغلال موارد الدولة والإفلات من المساءلة؟

ولا يقلل هذا التساؤل من أهمية التربية أو من ضرورة غرس قيم الأمانة والنزاهة؛ فهذه عناصر لا يستغني عنها أي مجتمع يسعى إلى بناء إدارة عامة سليمة. لكن المشكلة تبدأ حين تختزل قضية مؤسسية وسياسية معقدة في موعظة أخلاقية، أو حين تصبح حماية المال العام رهناً بصلاح من يتولى المسؤولية. فالدولة لا ينبغي أن تبني سياساتها على افتراض أن المسؤول سيكون نزيهاً دائماً، وإنما على وجود نظام قادر على حماية مواردها حتى عندما يتولى المسؤولية شخص لا يتوافر فيه القدر المطلوب من النزاهة. وهذا، في جوهره، أحد أهم أدوار المؤسسات: فهي لا تفترض أن البشر ملائكة، ولا أنهم جميعاً فاسدون، وإنما تضع من القواعد والضوابط ما يجعل إساءة استخدام السلطة أصعب، والقرار قابلاً للمراجعة، والمخالفة قابلة للكشف والمحاسبة. ولهذا فإن التجارب الأكثر نجاحاً في الحد من الفساد لم تعتمد على صلاح الأفراد وحده، وإنما على بناء نظم لا تترك المال العام والقرار العام تحت رحمة النوايا الشخصية.

ومن هذه الزاوية، لا يبدأ الفساد عندما تمتد يد إلى المال العام، وإنما قبل ذلك، حين يُصمم النظام الإداري بطريقة تسمح لتلك اليد أن تمتد من دون أن يراها أحد، أو حين يملك مسؤول واحد سلطة اتخاذ قرار كبير من غير مراجعة، أو حين لا يعرف المواطن كيف اتُّخذ القرار ولماذا، أو حين توجد أجهزة للرقابة ولكنها لا تستطيع الاقتراب من بعض المواقع والأشخاص. لذلك لا تكفي ملاحقة الفاسدين، على ضرورتها، ولا تكفي لجان التحقيق أو تشديد العقوبات أو الحملات التي تبدأ قوية ثم تخبو مع تغير الظروف السياسية. فهذه كلها تتعامل، بدرجات متفاوتة، مع الفساد بعد وقوعه، أما بناء المؤسسات فيتعامل مع السؤال السابق على وقوعه: كيف نقلل الفرصة أصلاً؟

وتكتسب هذه المسألة اليوم أهمية أكبر في السودان بسبب الحرب. وقد يبدو الحديث عن الإصلاح المؤسسي في بلد يخوض حرباً نوعاً من الترف، لكنه في الحقيقة عكس ذلك. فالحروب بطبيعتها توسع الإنفاق الاستثنائي، وتزيد الحاجة إلى القرارات العاجلة، وتضعف بعض إجراءات الرقابة المعتادة، وفي مثل هذه الظروف تتسع فرص الهدر والفساد. ومن ثم فإن حماية المال العام في زمن الحرب ليست قضية منفصلة عن إدارة الحرب؛ فكل مورد يضيع بسبب الفساد هو مورد كان يمكن أن يذهب إلى المجهود الحربي أو إلى المستشفيات والغذاء والخدمات الأساسية، وكل ثغرة إدارية تُغلق تعني أن جزءاً أكبر من الموارد المحدودة يصل إلى الغرض الذي خُصص له. ولذلك لا أرى تعارضاً بين تحرير البلاد من التمرد وبين البدء، منذ الآن، في بناء مؤسسات أكثر كفاءة وانضباطاً. فالدولة التي تريد أن تنتصر في الحرب وتعيد بناء نفسها بعدها تحتاج في الحالتين إلى إدارة قادرة على حماية مواردها، بل إن بعض مؤسسات ما بعد الحرب ينبغي التفكير فيها قبل أن تضع الحرب أوزارها، لأن انتظار انتهاء الحرب ثم البدء من الصفر سيكون خطأ باهظ التكلفة.

وهنا تبرز قضية إعادة الإعمار على نحو خاص. فإذا انتهت الحرب وبدأت عملية إعادة البناء، فسيكون السودان أمام عقود كبيرة ومشروعات واسعة واحتياجات هائلة للبنية التحتية والخدمات، وربما تدفقات مالية من مصادر داخلية وخارجية. وهذه فرصة لإعادة بناء البلاد، لكنها يمكن، إذا غابت المؤسسات، أن تصبح أيضاً فرصة لإعادة إنتاج الفساد على نطاق أكبر. ولن تكون المشكلة يومها في نقص الشعارات المناهضة للفساد، وإنما في أسئلة عملية جداً: كيف تُطرح العقود؟ ومن يقرر إسنادها؟ وكيف نعرف المالك الحقيقي للشركة التي حصلت عليها؟ ومن يراقب التنفيذ؟ وكيف يُمنع تضارب المصالح؟ وهل يستطيع المواطن والصحافة وأجهزة الرقابة الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالإنفاق؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تشغلنا منذ الآن. فالشفافية في المشتريات العامة، والإفصاح عن المصالح، ومنع تضاربها، واستقلال أجهزة المراجعة، ورقمنة المعاملات الحكومية، وتقليل التعامل النقدي، وإتاحة المعلومات المتعلقة بالعقود والإنفاق العام، ليست مسائل فنية صغيرة، وإنما جزء من الطريقة التي تحمي بها الدولة نفسها من الفساد.

ولا يعني هذا كله أن المؤسسات وحدها تكفي. فحتى أفضل القوانين يمكن الالتفاف عليها، وأقوى المؤسسات يمكن إضعافها إذا غابت الإرادة السياسية، كما أن الثقافة الاجتماعية التي تتسامح مع الثراء غير المبرر، أو تنظر إلى الوظيفة العامة باعتبارها باباً للامتياز، يمكن أن تقوض كثيراً من الإصلاحات. لذلك تظل التربية والقيم والإرادة السياسية والمحاسبة ضرورية، لكن الفرق هو أنها تعمل داخل بناء مؤسسي، لا بديلاً عنه. وهذه نقطة مهمة لأننا كثيراً ما نتأرجح بين طرفين: إما أن نختزل المشكلة كلها في فساد الأشخاص، وإما أن نتحدث عن المؤسسات بطريقة توحي بأن الأشخاص لا أهمية لهم. والحقيقة أن الاثنين مهمان، لكن المؤسسة الجيدة هي التي تقلل مقدار الضرر الذي يستطيع الشخص السيئ إحداثه، وتزيد قدرة الشخص الجيد على أداء عمله دون أن تحاصره شبكات المصالح.

إن السودان، وهو يواجه واحدة من أصعب مراحل تاريخه الحديث، لا يحتاج إلى حملة أخرى ضد الفساد تنتهي عندما تتغير الحكومة أو تتبدل الأولويات. ما يحتاجه هو أن تصبح مكافحة الفساد جزءاً من عملية إعادة بناء الدولة نفسها: إدارة عامة مهنية، وقانون يطبق على الجميع، ومؤسسات رقابية مستقلة، ومعلومات متاحة، وقواعد واضحة للتصرف في المال العام. أما الفاسدون، فلا بد بالطبع من محاسبتهم؛ فالدعوة إلى إصلاح المؤسسات لا تعني منح من أفسدوا حصانة من العقاب. لكن الاقتصار على محاسبة من أفسد بالأمس، مع ترك الأبواب نفسها مفتوحة أمام من سيأتي غداً، لا يمثل سياسة لمكافحة الفساد، وإنما يعني في أحسن الأحوال تغيير أسماء الذين يستطيعون الاستفادة من النظام نفسه.

0 Comments

Leave a Comment