Skip to main content

Dr.Baha'a Makkawi

تتزايد يوما بعد يوم الحركات المناهضة للديون غير الشرعية ، وترفع بعض هذه الحركات شعار “ لست مديناً … لن أدفع “ باعتبار ان الكثير من هذه الديون لم يكن عادلاً ، وبعض هذه الديون تضمن ممارسات خادعة او غير قانونية ، لذلك يطلق البعض عليها اسم الديون غير الشرعية .

لقد زادت الديون الافريقية خلال اقل من عقدين من 110 مليار دولار الى اكثر من 350 مليار دولار بما يمثل 65% من الناتج المحلي الاجمالي للقارة الافريقية ، واصبح اجمالي خدمة الدين الذي تدفعه افريقيا للدائنين يعادل ضعف انفاقها على التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية عامة ، وتقول تقارير موثوقة أن كل طفل افريقي يولد وفي عنقه دينا لا يستطيع تسديده طوال حياته ،في حين ان الغاء هذه الديون يكلف المواطن في الدول المتقدمة سنتاً واحدا .

وتشير شبكة جوبيلي لالغاء الديون الى ان القارة تدفع 40 مليون دولار يوميا ( 14 بليون دولار سنويا ) لفوائد الديون ، وانه – بسبب توجيه الموارد لخدمة الديون واهمال الخدمات الاجتماعية يموت 19 الف طفل يوميا في افؤيقيا جنوب الصحراء . لقد أدت الديون على الدول الافريقية الى زيادة معدلات الفقر بصورة مأساوية ، كما انها عطلت خطط التنمية ، وزادت من الهوة بين البلدان الفقيرة والمتقدمة ، اسهمت في ظواهر خطيرة تمثلت في الهجرة غير الشرعية صوب البلدان الاوربية ، كما اسهمت في زيادة الحوادث الارهابية وسيادة الجريمة وانتشار التجارة غير المشروعة وغيرها من المشكلات المستعصية والتي اصبحت الدول المتقدمة تدفع الثمن الاكبر منها. وتتمثل المشكلة الكبرى في الشروط القاسية والفوائد الكبيرة التي يضعها الدائنون على القروض مما يجعلها تتضاعف مرات عديدة ، فعلى سبيل المثال اقترضت جامايكا في سبعينيات القرن الماضي 18.5 مليار دولار امريكي ، ودفعت 19.8 مليار دولار ولا تزال مدينة بحوالي ثمانية مليار دولار ، وفي ذات الفترة تقريبا اقترضت الفلبين 110 مليار دولار ودفعت 125 مليار دولار ولا تزال مدينة بمبلغ 45 مليار دولار . في افريقيا اقترضت نيجيريا – مثلا – 10 بليون دولار وصلت مطلع هذا القرن الى 35 مليار ولم تنعكس على حياة المواطنين حيث يقدر البنك الدولي ان 66% من الشعب النيجيري يعيش على اقل من دولار واحد في اليوم ، وظلت  نيجيريا لفترة طويلة تدفع لفوائد الديون اكثر من ميزانيتها المخصصة للصحة والتعليم وكافة الخدمات الاجتماعية الاخرى اقد اتضح بشكل جلي ان المستفيد من هذه الديون ليست هي الدول المقترضة ، بل هي شركات الدول المقرضة ، وتوصل الخبراء الماليون الى ان اغلب ديون العالم النامي هي ديون بغيضة (Odious Debt ) نشأت من علاقة استعمارية امبريالية ، ففي اطار الضغوط التي يمارسها الدائنون ومحاولات الدول النامية تسديد التزاماتها حدثت تحولات خطيرة في القطاعات الاقتصادية لهذه الدول ، وتحولت موارد البترول والمعادن والاخشاب وكافة الموارد الاقتصادية للدول النامية الى موارد مفتوحة للاستغلال من اجل خدمة فوائد الديون وتحولت الزراعة المعيشية الى زراعة للسلع التي يحتاجها الدائنون ، وارتبكت اولويات التنمية وتبدلت – قسرا- القطاعات الانتاجية والعملية الانتاجية برمتها . ولكن هل على الدول المدينة ان تبيع ممتلكات القطاع العام وتخفض الاجور والرواتب التقاعدية ، وتوجه الموارد الطبيعية وتتوقف عن تقديم الخدمات العامة لمواطنيها من أجل توفير قروض الديون المطلوبة منها ؟ في الواقع برز اتجاه قوي لمناهضة تسديد مثل هذه  الديون في الدول النامية باعتبار ان اغلب هذه الديون كانت غير شرعية اعطيت لحكومات الدول النامية بشروط مجحفة وقبلتها حكومات هذه الدول تحت ضغط الحاجة الملحة في اعقاب الاستقلال ، كما ان بعض هذه الديون يمكن ان تصنف على انها ديون بغيضة ، وهو مصطلح قانوني يشير الى الديون التي تولدت خلافاً لمصلحة الدولة ، فاذا تورطت سلطة استبدادية بدين هو ليس من احتياجات الدولة او في مصلحتها بل من اجل تقوية حكمها الاستبدادي او لقمع السكان الذين يناضلون ضدها ، فان هذا الدين بغيض (مطعون به) لجميع سكان الدولة ،وبالتالي فإن هذا الدين ليس التزاماً للأمة، انه دين على النظام او دين شخصي للسلطة التي اقترضته ، ومن ثم فهو يسقط مع سقوط هذه السلطة ،  مثل هذه الديون لا يستوفي احد الشروط التي تقرر شرعية ديون الدولة وهو أن ديون الدولة يجب أن تحصل لتلبية احتياجات الدولة ولصالحها وأن تستخدم الاموال المترتبة عنه لهذا الغرض. والتاريخ ملئ بالشواهد حوا محاولات الغاء الديون من جانب واحد فعلى سبيل المثال ، رفضت حكومة روسيا ” البلشفية ” سنة 1918م تسديد ديون ” روسيا القيصرية : بحجة انها ” منحت لدعم المجازر ” ، كما رفضت المكسيك سنة 1914 ودخلت في مفاوضات مع الدائنين انتهت الى تنازل الدائنين عن 80% من القروض ، وكذلك فعلت البرازيل التي ابرمت اتفاقا مع الدائنين انتهى الى تقليص ديونها الى 30% ، ورفضت تركيا  – مطلع القرن العشرين – دفع ديونها لروسيا وأيدتها محكمة التحكيم الدائمة بلاهاي ، وقبلت المحكمة دفوع كوستاريكا  عام 1923م بعدم التزامها بدفع ديونها بحجة انها ” استخدمت في اغراض غير مشروعة ” ، والغى اتفاق لندن سنة 1953م نسبة 51% من ديون المانيا وقد اسهم ذلك في نهضتها الحديثة . وحديثاً ،  قررت الارجنتين عام 2001 في اعقاب حالة الركود التي اجتاحت البلاد،  تعليق تسديد جزء من ديونها يبلغ 90 مليار دولار ووجهت هذه الاموال للاستثمار في القطاعات الاجتماعية وتعويض العاطلين عن العمل ، وفي الاكوادور اعلنت الحكومة في عام 2007 عن تكوين لجنة من الخبراء لتدقيق الدين العام وقد توصلت اللجنة الى عدم شرعية تلك الديون وانها تنتهك القواعد الاساسية وبناء على هذا التقرير اعلنت الحكومة انها لن تسدد الديون التي عليها ، وبالفعل اتخذت اجراءات ناجحة في هذا الصدد اذ وفرت ما قيمته 2.2 مليار دولار اضافة الى 2 مليون دولار من الفوائد سنويا من العام 2008- الى العام 2030ووجهت هذه المواردللنفقات الاجتماعية كالصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية وخصص جزءً منها لتطوير البنيات التحتية ،وفي ايسلندا رفضت الحكومة الايسلندية تسديد الديون التي تطالبها بها المملكة المتحدة وهولندا ، وعلى الرغم من الضغوط التي تعرضت لها ووضعها ضمن لائحة الارهاب وتجميد اصولها المالية في المملكة المتحدة ، الا ان ايسلندا خرجت من هذه المعركة منتصرة ، وابان ازمتها المالية ، شرعت اليونان من خلال لجنة حقيقة الدين العام ، لفحص والتأكد من شرعية الديون العامة التي اوصلت البلاد الى حافة الانهيار . على المستوى الافريقي ظهر قادة افارقة دعوا الى التوقف عن سداد الديون الافريقية للقوى الامبريالية من هؤلاء توماس سانكار رئيس بوركينافاسو، ففي اجتماع لمنظمة الوحدة الأفريقية سنة 1987 ، سعى سنكارا الى إقناع أقرانه بأن يديروا ظهرهم لديون الدول الغربية  حيث قال ” إن الدين يدار بشكل بارع لإستعادة  القارة الافريقية، إنه إسترداد يحيل كل واحد منّا إلى عبد إقتصادي .. إن سياسات  الفائدة والمساعدات قد إنتهت بنا إلى تشويشنا وإخضاعنا وسلبنا الشعور بالمسئولية تجاه شئوننا الإقتصادية والسياسية والثقافية . لقد إخترنا أن نخاطر بأن نمضي في مسارات جديدة لتحقيق رفاهية أفضل “، ودعا الدول الافريقية الى اتخاذ موقف موحد بعدم دفع الديون وقد دفع حياته ثمنا لها الموقف حيث قتل في نفس العام ومثل بجثته قبل دفنها . وقاد الزعماء الافارقة من بعده جهودا مقدرة لالغاء الديون عن كاهل الشعوب الافريقية مثل الزعيم الافريقي نلسون مانديلا والرئيس اوباسانجو غيرهم ، ورغم اعفاء بعض الدول من ديونها فلا تزال اغلب الدول الافريقية ترزح تحت وطأة الديون التئ تشكل عقبة كأداء في طريق تقدمها ونموها ، فهل يمكن لموقف افريقي موحد ضد تسديد الديون ان يكون مخرجا لهذه الدول من هذا المأزق التاريخي ؟

0 Comments

Leave a Comment