تمهيد:
يشير مصطلح الدول النامية الى تلك الدول الواقعة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ، وقد اطلقت على هذه الدول عدة تسميات، مثل : الدول المتخلفة، والدول النامية، ودول العالم الثالث، ودول الجنوب وغيرها من المصطلحات ، وتتميز هذه الدول بعدة سمات فمن الناحية الاقتصادية تتميز هذه الدول بانخفاض متوسط الدخل الفردي مع سوء توزيع الدخل، الاعتماد على الزراعة ، التخصص في إنتاج وتصدير المواد الخام الأولية . اما من الناحية الاجتماعية فتتميز بانخفاض المستوى التعليمي والثقافي للمواطنين ، سيادة القبلية والعشائرية التقاليد القديمة المتوارثة ، مع زيادة معدلات المواليد .
اما من الناحية السياسية فتتميز الدول النامية بغياب الديموقراطية وانخفاض مستوى المشاركة السياسية ، غياب الاستقرار السياسي ، تدني شرعية الأنظمة الحاكمة وعجز هذه الحكومات عن تلبية احتياجات الجماهير ، التبعية السياسية، غياب التكامل القومي ، وسيادة ظاهرة الانقلابات العسكرية .
لقد برزت تساؤلات مهمة حول أفضل الطرائق للنهوض بأوضاع هذه الدول ، وانتشالها من حالة الفقر والتخلف التي تعيش فيها ، وظهرت عدة اتجاهات في الإجابة عن هذا التساؤل ، وفي إطار التنافس والحرب الباردة بين المعسكرين : الغربي الرأسمالي والشرق الاشتراكي ، بدات تتبلور نظريات التنمية والتغيير ، ففي أربعينات القرن العشرين شرع أنصار الراسمالية في وضع الأسس النظرية للتقدم والحداثة، وهو ما تبلور لاحقاً فيما بات يعرف باسم مدرسة التحديث ، وفي المقابل أثارت اراء دعاة التحديث والرأسمالية نقاشاً متعمقاً وسط الماركسيين ومفكري العالم الثالث الذين رأوا في مقولات دعاة التحديث دعوة إلى ( تبعية ) الدول النامية للدول الاستعمارية السابقة
([1]) ، وبينما رفض هؤلاء المفكرون مقولات دعاة التحديث ، انخرطوا في نقاشات متعمقة حول السمات العامة التي تشترك فيها الدول النامية من جانب ، والتأثير السالب للارتباط بالدول الغربية ( الإمبريالية) ، والتبادل غير المتكافئ بين الدول المتقدمة، والعالم الثالث من جانب آخر ، وهو ما تبلور لاحقاً فيما عرف باسم نظريات التبعية ، وسوف نقوم في الصفحات التالية بشرح هاتين النظريتين بشيء من التفصيل .
أولاً: نظرية التحديث
بحلول نهاية الحرب العالمية الثانية أصبح من الواضح أنه وعلى الرغم من ارتباط الدول النامية بالدول الرأسمالية الاستعمارية، فإن العديد من هذه الدول لم تتمكن من تحقيق قدرٍ مناسبٍ من التنمية المنشودة، وقد أثار ذلك العديد من التساؤلات حول جدوى الارتباط بالدول الرأسمالية في مرحلة ما بعد الاستقلال، وهو ما دفع بعض المفكرين الغربيين
([2]) إلى وضع ما بات يعرف باسم نظرية التحديث (Modernization Theory). .
لقد كان لنظرية التحديث هدفان رئيسان:
الأول: تفسير سبب فشل البلدان الأكثر فقراً في التنمية، مع التركيز على الظروف الثقافية والاقتصادية التي قد تشكل “حواجز” للتنمية.
الثاني: توفير حل غير شيوعي للفقر في العالم النامي من خلال اقتراح أن التغيير الاقتصادي (في إطار الرأسمالية) وإدخال القيم والثقافة الغربية يمكن أن تؤدي دوراً رئيساً في تحقيق التحديث .
الفرضيات الاساسية لمدرسة التحديث:
تقوم مدرسة التحديث على عدد من الفرضيات، وهي:
- السبب الرئيس في التخلف في البلدان النامية هو وجود حواجز ثقافية واقتصادية تحول دون تطور المجتمعات التقليدية، وتتمثل هذه الحواجز في سيادة قيم تقليدية تحول دون النمو الاقتصادي الحقيقي والتغيير ، وأن المعتقدات الدينية والتقاليد الاجتماعية فيها تقاوم التغيير.
- هناك أيضاً بعض الحواجز الاقتصادية التي تعوق التنمية في البلدان النامية مثل : ضعف البنية التحتية، ونقص التكنولوجيا، ونقص المهارات في قوة العمل، ونقص رأس المال في البلاد.
- الناحية السياسية تتميز الدول النامية بالتجزئة والانقسام الداخلي أو ما يعرف بأزمة التكامل القومي، وانغلاق النخبة السياسية، وغياب المشاركة السياسية، وغياب الاستقرار السياسي، وغياب الشرعية، والاعتماد على أدوات القهر والقمع .
- إن الثقافة الغربية هي السبب وراء التطور الحادث في البلدان المتقدمة، حيث تسود في المجتمعات المتقدمة قيم حديثة تلهم التغيير الاجتماعي والنمو الاقتصادي، وتتخذ السياسات في هذه الدول على أساس عقلاني يقوم على حساب الربح والخسارة، كما تسود فيها الحرية التي تفضي إلى الابتكار والإبداع، فضلاً عن تعدد الهياكل السياسية، والمشاركة السياسية الواسعة، والابتعاد عن النظرات القدرية للعالم .
- تقترح مدرسة التحديث إتباع السياسات التنموية نفسها التي أتبعتها الدول الغربية المتقدمة حالياً، لأن التنمية تسير في اتجاه خطي، وتمر جميع البلدان بمراحل التطور والنمو نفسها.
- لتحقيق التنمية المنشودة في الدول النامية، لا بد من انسياب موارد وقدرات معينة من الدول الصناعية المتقدّمة إلى الدول النامية ، وتتمثل الموارد والقدرات المطلوبة للنمو في أربعة مجالات أساسية، هي : رأس المال، والتكنولوجيا الغربية الحديثة والمهارات المرتبطة بها، و المؤسسية بمعنى إنشاء مؤسسات شبيهة بالمؤسسات الغربية الرأسمالية ، بإلاضافة إلى نشر القيم والخصائص الثقافية والسلوكية التي تميز المجتمع الرأسمالي في البلدان النامية .
في هذا الإطار، يقول والت روستو:
([3]) إن التنمية عملية تطورية تمر فيها البلدان بخمس مراحل، هي:
- مرحلة المجتمع التقليدي: يسود هذه المرحلة اقتصاد زراعي متخلف يعتمد على وسائل بدائية للإنتاج، ويهدف للاكتفاء الذاتي مع وجود ثروة ضئيلة للاستثمار وإمكانيات تكنولوجية وتصنيعية محدودة، مع وجود حواجز ثقافية أمام التنمية، وتؤدي المؤسسات التقليدية كالأسرة والعشيرة دوراً محورياً في التنظيم الاجتماعي للدولة، كما يستند نظام القيم إلى القدرية ومعاداة التغيير، وهذه المرحلة تكون طويلة نسبياً، وتتميز بالبطء الشديد.
- مرحلة التهيؤ للانطلاق: خلال هذه المرحلة تظهر نوازع التحول في المجتمع، وعلى الرغم من أن هذه المرحلة لا تختلف كثيراً عن المرحلة الأولى، إلا أنه ومن خلال الدعم الغربي متمثلاً في المعونات والخبرات، وتحسين البنيات التحتية والاتصالات، يتهيأ المجتمع نحو الانطلاق، ويأخذ زمام المبادرة.
- مرحلة الانطلاق: خلال هذه المرحلة تزول كوابح التقدم التي كانت سائدة في المرحلتين السابقتين، وتصبح الممارسات الحديثة الجديدة هي القاعدة، ويتم إعادة استثمار الأرباح في البنية التحتية، مع ظهور فئة جديدة من رواد الأعمال، ويتم التوسع في المناطق الحضرية، وتتحول الدولة من الإنتاج لسد احتياجاتها الذاتية إلى تصدير إنتاجها إلى بلدان أخرى، مما يولد المزيد من الثروة التي تنعكس على القدرات الاستثمارية للدولة.
- مرحلة النضج: خلال هذه المرحلة تكون الدولة قد استكملت نمو جميع القطاعات الاقتصادية، وتمكنت من رفع مستوى الإنتاج مع ارتفاع ملحوظ في القدرات التقنية للاقتصاد المحلي، وقيام العديد من الصناعات الأساسية كصناعة الإلكترونيات، والصناعات الكيميائية، وخلال هذه المرحلة – يقول روستو – يسود تحول ملحوظ من الريف إلى المدن، وارتفاع في نسبة الفنيين والعمال المهرة.
- مرحلة الاستهلاك الوفير: تكون الدولة في هذه المرحلة قد حققت قدراًكبيراً من التقدم؛ وأصبحت تنتج ما يزيد على حاجتها فتلجأ إلى التصدير، وتتحسن الأحوال الاقتصادية للشعب، وتزداد دخولهم، ويقبلون على شراء السلع الاستهلاكية، فيزيد متوسط استهلاك الفرد من هذه السلع، وتبرز خلال هذه الفترة الاهتمامات الفكرية والأدبية والفنية، ويزيد الانتاج في هذا الجانب أيضاً.
انتقادات نظرية التحديث:
تعرضت نظرية التحديث للنقد من عدة جوانب، منها:
- ان مصطلح التحديث نفسه من أكثر المصطلحات تعقيداً ، ذلك أن التحديث الذي يتحدث عنه الغرب هو اشتراط التغريب (Westernization) كشرط ضروري وأساسي وحتمي للتنمية ، وهذا قول تحيط به الشكوك من كل جانب، فقد جمعت اقتصادات النمور الآسيوية بين عناصر الثقافة التقليدية والرأسمالية الغربية، ومع ذلك فقد حققت نسبة نمو عالية اعتبرت من أسرع نسب النمو في العالم خلال العقود الماضية.
- تفترض مدرسة التحديث أن البلدان المتخلفة تحتاج إلى مساعدة من قوى خارجية خاصة الخبراء القادمين من الخارج، وهذا يقلل من دور المعرفة والمبادرات المحلية، ويتضمن مقولة فحواها إن عقول أبناء الدول النامية غير قادرة على الإبداع والابتكار، وعاجزة عن التصدي لمشاكلها، وهذا ضرب من استعمار العقول والسعي إلى جعلها مشلولة وعاجزة عن التفكير الإيجابي.
- لم تؤدِ التدخلات الغربية لتحقيق أي نوع من التنمية ، وبدلاً من ذلك فقد قادت إلى إفساد المسؤولين الحكوميين الذين لم يوجهوا هذه الأموال التي قدمها الغرب إلى إقامة مشروعات انتاجية ، بل ذهبت لجيوب هؤلاء المسؤولين، ثم بقيت ديوناً تؤرق الشعوب في الدول النامية ، واستخدم جزء كبيراً منها في شراء أدوات القمع لإسكات أصوات الشعوب، وهو ما بات يعرف باسم الديون البغيضة (Odious debt) ، وحتى المشاريع التي أقيمت مثل التعدين والغابات قد أدت إلى تدمير البيئة ، كما أن السدود التي أقيمت في بعض هذه البلدان قد أدت إلى التهجير القسري للمواطنين مع دفع تعويضات ضئيلة أو معدومة .
- إنه من الصعب اثبات صحة المراحل التاريخية التي قال بها روستو، وبالتالي، فإنها لا تعدو كونها مجرد افتراضات تحمل الكثير من المضامين الأيديولوجية.
- يتعامل روستو مع التخلف على أنه فقط تأخر زمني، ويتجاهل تاريخ البلدان النامية وخصوصيتها، واختلاف درجاتها على سلم التطور.
- أغفل روستو السبب الأساس الذي هيأ الدول الرأسمالية الغربية للانطلاق وهو الاستعمار، إن ما قامت به الدول الاستعمارية من نهب لثروات الدول النامية هو الذي هيأ لها فرص النمو، وهو السبب ذاته الذي قاد إلى تخلف بلدان العالم الثالث.
ثانياً: نظرية التبعية:
كرد فعل على مقولات مدرسة التحديث ، ظهر مع مطلع ستينات القرن العشرين ، ما بات يعرف باسم الماركسية الجديدة (Neo-Marxism) أو ما يسمى بالاقتصاد السياسي الراديكالي (Radical Political Economics) ، و تبلورت ، في اطار هذا التوجه الجديد نظرية التبعية (Dependency Theory) . وقد تجلى هذا الاتجاه في كتابات بول باران ، وأندريه جوندر فرانك، وسمير أمين ، و وشارل بتلهايم، وأليغري إيمانويل ، وإيمانويل فاليرشتاين، وغيرهم .
كان أول من تناول موضوع التخلف بالدراسة والتمحيص هو “بول باران” ، وهو من الاقتصاديين الماركسيين الأمريكيين. يرى “باران” أن التخلف ناتج عن الرأسمالية ، وليس بسبب أنماط الإنتاج التي كانت سائدة في البلدان النامية في مرحلة ما قبل الرأسمالية ، وذلك لأن تطور الرأسمالية قاد إلى تقسيم العالم كله إلى قسمين، هما : البلدان الرأسمالية المتقدمة والبلدان الرأسمالية، المتخلفة، وإن التفاعل بينهما يتم على ثلاثة مستويات، هي : التجارة ، وحركة الفائض ، والهيمنة السياسية. إن حركة التجارة – حسب باران – مواد خام رخيصة للدول الصناعية المتقدمة ، ولضمان الحفاظ على الدول النامية تسعى الدول المتقدمة إلى عرقلة النمو الصناعي في الدول المتخلفة، وتنقل الفوائض التي تأخذ شكل أرباح إلى الدول المتقدمة ، ولضمان انسياب هذه الفوائض قامت الدول المتقدمة بزرع ودعم حكومات في الدول المتخلفة تقوم بتشجيع الاستثمار الأجنبي وعرقلة ووقف التنمية المحلية، وللتدليل على الدور السالب للارتباط بالدول الرأسمالية ، قام “باران” بإجراء مقارنة بين الهند واليابان، خلص من خلالها إلى أن الهند ظلت متخلفة اقتصادياً بسبب نهب واستغلال الاستعمار البريطاني لمواردها وخيراتها، بينما استطاعات اليابان أن تتحول إلى قوة رأسمالية كبيرة لأنها ظلت مستقلة .
وعلى الرغم من سبق “باران” في تحليله للتخلف وأسبابه ، وبرغم آرائه المتعمقة في هذا الجانب ، لكن آراءه وتصوراته ظلت محصورة في الجانب الأكاديمي إلى أن قام “أندريه جوندو فرانك”
([4])بتطويرها ، واستخدامها في تحليل وضع بلدان أمريكا اللاتينية وأسباب تخلفها ، كما تَّم تطوير أفكار (باران وفرانك) نفسه فيما بات يعرف باسم “نظرية التبعية”، وذلك من خلال إسهامات (أريغي إيمانويل، وسمير أمين) اللذان قاما بصياغة نظرية “التبادل اللامتكافئ ” والتي هدفت إلى تحليل وتفسير ظاهرة التخلف تفسيراً اقتصادياً.
وكما سبقت الإشارة ، فقد سعى عالم الاجتماع الأمريكي ذو الأصل الألماني (اندريه جوندر فرانك) لتحليل الأوضاع في أمريكا اللاتينية استناداً إلى مقولات نظرية التبعية . يرى (فرانك): إن الدول النامية قد فشلت في التطور ليس بسبب “المعوقات الداخلية التي تعترض التنمية”، كما يقول منظرو الحداثة، لكن لأن الغرب المتقدم قد سعى لجعلها متخلفة بشكل منهجي ،الأمر الذي جعلها في حالة من التبعية.
وقال (فرانك): ان النظام الرأسمالي العالمي قد ظهر في القرن السادس عشر، وأدى تدريجياً إلى إدخال أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا في علاقة استغلالية غير متكافئة مع الدول الأوربية المتطورة.
يقوم النظام الرأسمالي العالمي بين طرفين، هما: الدول الأوروبية الغنية التي تمثل المركز (Center) والدول الفقيرة التي تمثل الأطراف (Peripherals)، ومن خلال هذه العلاقة غير المتكافئة تستطيع الدول المتقدمة والغنية استغلال الدول الطرفية بسبب قوتها الاقتصادية والعسكرية المتفوقة.
إن الاستعمار عملية تقوم من خلالها دولة أكثر قوة بالسيطرة على إقليم دولة أخرى بحيث تسيطر سياسياً أراضي الدولة المستعمرة (بفتح الميم)، وتستغل مواردها لمصلحتها الخاصة، وفي ظل الحكم الاستعماري، ينظر إلى المستعمرات على أنها جزء لا يتجزأ من البلد الأم، ولا ينظر إليها باعتبارها كيانات مستقلة في حد ذاتها، ويرتبط الاستعمار أساساً بعملية “بناء الإمبراطورية” أو ما يسمى ب “الإمبريالية”.
وحسب فرانك، فان الفترة الرئيسة للتوسع الاستعماري كانت من 1650م حتى 1900م عندما استخدمت القوى الأوروبية، وعلى رأسها بريطانيا، التكنولوجيا البحرية والعسكرية المتفوقة لقهر واستعمار مناطق واسعة من العالم، وخلال تلك الفترة تعاملت القوى الأوروبية مع بقية العالم كمكان لاستخراج المواد الخام، وبالتالي الثروة، فعلى سبيل المثال، استخرجت البرتغال وأسبانيا كميات هائلة من الذهب والفضة من المستعمرات في أمريكا الجنوبية، كما استفادت بلجيكا بشكل كبير من استخراج المطاط من الكونغو الديمقراطية، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.
وفي أجزاء أخرى من العالم (حيث لم تكن هناك مواد خام يتم استخراجها)، أنشأت القوى الاستعمارية الأوروبية مزارع على مستعمراتها، حيث تنتج كل مستعمرة منتجات زراعية مختلفة للتصدير إلى الدولة الاستعمارية.
ومع تطور الاستعمار، تطورت مستعمرات مختلفة تخصصت في إنتاج مواد خام مختلفة (تعتمد على المناخ) –الموز وقصب السكر من منطقة البحر الكاريبي، والكاكاو من غرب أفريقيا، والقهوة من شرق أفريقيا، والشاي من الهند، والتوابل من أندونيسيا.
ومن أجل إقامة مزارعهم واستخراج الموارد المطلوبة أنشأت القوى الاستعمارية نظم الحكم المحلية من أجل تنظيم العمل والحفاظ على النظام الاجتماعي. وفي بعض الأحيان استخدم المستعمرون القوة الغاشمة لتحقيق ذلك، لكنها لجأت إلى تكتيك أكثر كفاءة وهو توظيف المواطنين الراغبين في إدارة الحكومة المحلية نيابة عن القوى الاستعمارية ومكافأتهم بالمال، للحفاظ على السلام والموارد التي تتدفق من الأراضي الاستعمارية، وقد أدى ذلك إلى تغييرات اجتماعية ضخمة في المناطق الاستعمارية.
يرى بعض منظري التبعية المعاصرين أن هذه السياسات عززت الانقسامات بين المجموعات الأثنية، وزرعت بذور الصراع إلاثني في السنوات التي تلت الاستقلال عن الحكم الاستعماري. في رواندا على سبيل المثال، عزز البلجيكيون وضع الأقلية التوتسية ما مكنها من وراثة الاستعمار والتحكم في الأغلبية من الهوتو.
لقد سعت القوى الاستعمارية إلى دعم بعض المجموعات القبلية في القارة الأفريقية ، على سبيل المثال، دون الجماعات الأخرى، وكان المعيار الذي استندت إليه القوى الاستعمارية هو موقف الجماعات القبلية من النظام الاستعماري، بالإضافة إلى درجة القوة أو الضعف الذي يميز الجماعة القبلية نفسها فظهرت نتيجة لذلك، بعض الجماعات المتميزة مثل الكريول في سيراليون، والباجندا في يوغندا، والكيكويو في كينيا، والباروتسي في زامبيا، والعيسى في جيبوتي. ومستفيدة من الوضع الذي خصها به الاستعمار، تمكنت هذه الجماعات من الوصول إلى السلطة خلفاً للمستعمرين، غير أن الجماعات الإثنية الأخرى رفضت الخضوع لهذه الجماعات المتميزة، بل ” راحت تنظر إلى أية سياسة أو برامج تطرحها الحكومة المركزية لتحقيق الاندماج الوطني، بأنها لا تعدو أن تكون دعوة لهذه الجماعات لتحويل ولاءاتها الإثنية إلى ولاء للجماعة المسيطرة التي ينتمي إليها رئيس الدولة
([5]).
لقد قادت هذه السياسة الاستعمارية إلى خلق حالة من ” الحساسية الإثنية” بين القوى المتميزة والمسيطرة من جانب، والجماعات الأخرى: المحرومة اقتصادياً، واجتماعياً وسياسياً من جانب آخر. وقد أدى ذلك إلى أن باءت كل جهود النخبة الوطنية الرامية لخلق حس قومي مشترك بالفشل، لأن هذه السياسات الاستعمارية خلقت أزمة ثقة بين هذه الجماعات، وهكذا تمكن الاستعمار من غرس بذور الفرقة والاختلاف بين الجماعة الوطنية، وعمل على تشجيع الخلافات العرقية، وأتاح لها فرص النمو من خلال إستراتيجية محكمة، ويذهب بعضهم إلى القول بأن سياسة الحكم غير المباشر (Indirect – Rule) التي أتبعها المستعمر، وخاصة البريطاني قصد بها ـ في الأساس ـ إتاحة الفرصة أمام الصراعات الإثنية للنمو
([6]).
وفي إطار الهدف العام للاستعمار الأوربي، والرامي إلى استغلال المناطق المستعمرة (بفتح الميم) كمستودعات للمواد الخام الرخيصة، عمل المستعمرون ـ متى ما أتيح لهم ذلك ـ على تركيز المشاريع الإنتاجية في المناطق الساحلية وتحويلها إلى مزارع لإنتاج المحاصيل النقدية ومراكز التعدين بهدف استغلالها إلى أقصى حد ممكن بسبب قربها من موانئ التصدير وحركة المواصلات. لذلك فقد تركزت المشاريع الكبرى في المدن الساحلية، بينما خلت المناطق الداخلية ـ في أغلب الأحيان ـ من مثل هذه المشروعات، وقد لوحظ أن المدن الساحلية التي كانت قائمة قبل الاستعمار، قد استمرت ونمت وازدهرت إبان فترة الاستعمار لكونها مراكز للتصدير والاستيراد، بينما تلاشت المدن الداخلية التي أهملها الاستعمار بسبب موقعها.
كما عمل الاستعمار، ولتسهيل عملية نقل هذه المنتجات، على مد خطوط النقل في المناطق الساحلية أكثر مما فعل في المناطق الداخلية، وقامت المراكز الإدارية الاستعمارية في هذه المناطق لمراقبة ترحيل وتصدير هذه المنتجات، وفي الوقت ذاته خصت المناطق القريبة من المراكز الإدارية ببعض الخدمات العلاجية والتعليمية، بينما حرمت المناطق الداخلية البعيدة عن المراكز الاستعمارية من هذا النوع من الخدمات، مما أوجد فوارق جديدة تتمثل في التعليم والصحة والخدمات بصفة عامة.
لقد دمر الاستعمار الاقتصادات المحلية التي كانت مكتفية ذاتياً ومستقلةً وحل محلها الاقتصادات ذات الاقتصادات الأحادية التي كانت موجهة لتصدير منتج واحد إلى البلد الأم، وهذا يعني أن جميع السكان قد نجحوا فعلياً في زراعة أغذيتهم وإنتاج سلعهم الخاصة، والحصولً علًى أجور من النمو وحصاد السكر أو الشاي أو القهوة للتصدير إلى أوروبا.
ونتيجة لذلك أصبحت بعض المستعمرات تعتمد فعليا على الدول الاستعمارية من أجل استيراد المواد الغذائية، الأمر الذي أدى بطبيعة الحال إلى المزيد من الأرباح لصالح القوى الاستعمارية لأن هذا الغذاء كان لا بد من شرائه بأجر ضئيلٍ حصلت عليه المستعمرات.
فالثروة التي تتدفق من أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا إلى البلدان الأوروبية وفرت الأموال اللازمة لبدء الثورة الصناعية التي مكنت البلدان الأوروبية من البدء في إنتاج قيمة أعلى وسلع مصنعة للتصدير تزيد من تسريع قدرة توليد الثروة لدى القوى الاستعمارية، وتؤدي إلى زيادة عدم المساواة بين أوروبا وبقية العالم.
فالمنتجات المصنعة من خلال التصنيع وصلت في نهاية المطاف إلى أسواق البلدان النامية، مما زاد من تقويض الاقتصادات المحلية، فضلاً عن القدرة على تطوير هذه البلدان وفقاً لشروطها الخاصة، ومن الأمثلة الجيدة على ذلك في الهند في الثلاثينيات والأربعينيات، حيث أدت الواردات الرخيصة من المنسوجات المصنعة في بريطانيا إلى تقويض الصناعات النسيجية المحلية، وهو ما عارضه غاندي بشدة، وعلى العموم ، يمكن تلخيص الافتراضات الأساسية التي تقوم عليها نظرية التبعية في الآتي:
1- إن التقدم والتخلف وجهان لعملة واحدة ، وان التخلف لم يكن سمة ملازمة لهذه الدول، لكنه نشأ في اللحظة نفسها التي نشأ فيها التقدم في الدول الرأسمالية، لأن تخلف الدول النامية ناتج عن التنمية التي حدثت في المركز الرأسمالي.
2- شهدت الفترة الاستعمارية نهب موارد الدول النامية وتحويلها إلى المراكز الرأسمالية ، وهو ما قاد للتقدم في البلدان الرأسمالية ، وإلى التخلف في العالم الثالث.
3- هناك حالة من عدم التوازن بين المركز( الدول الرأسمالية) ، والهامش ( الدول النامية) ، وأن نشأة النظام الرأسمالي وتوسعه في العالم خلق الشروط الضرورية للتخلف في العالم الثالث .
4- هناك تحالف قائم على المصالح بين القوى الاستعمارية الخارجية ، والقوى المتحكمة في الأمور في داخل الدول النامية ، حيث تتواطؤ النخب السياسية والاقتصادية في الدول النامية مع الرأسمالية في المراكز العالمية لتحقيق مصالحهم المشتركة على حساب تطور البلدان النامية وتقدمها، وان استراتيجية المركز تقوم على اساس خلق أو مساندة قوى معينة تدعم التبعية ، وتسهل التغلغل الرأسمالي في هذه البلدان ودمجها في السوق الرأسمالية العالمية.
5- إن المناطق الأكثر تخلفاً اليوم هي تلك التي كانت على علاقة وثيقة مع مراكز النظام الرأسمالي العالمي عند تشكله مطلع القرن السادس عشر الميلادي.
6- لا يسهم وجود الشركات متعددة الجنسيات في البلدان النامية في نمو وتطور هذه البلدان، لأن هذه الشركات تحول الجزء الأكبر من أرباحها إلى مراكزها الرئيسة في البلدان المتقدمة، و لاتستثمر في البلدان النامية إلا نسبة ضئيلة من الارباح التي تجنيها من خلال أنشطتها التجارية في هذه البلدان.
7- تسعى الدول المتقدمة جاهدة من أجل الإبقاء على الدول النامية في وضع التبعية من أجل ضمان انسياب مصالحها في ظل تخلف هذه الدول ، وهناك سقف معين للتنمية في البلدان النامية لا يسمح بتجاوزه، حتى وإن اقتضى ذلك استعمال القوة العسكرية
([7]) .
الاستعمار الجديد:
بحلول ستينات القرن الماضي، حققت معظم المستعمرات استقلالها، لكن الدول الأوروبية استمرت في تعاملها مع البلدان النامية كمصادر للمواد الخام والأيدي العاملة الرخيصة، وكسوق لمنتجاتها المصنعة.
كما استمر الاستغلال الاقتصادي للدول النامية عبر (الاستعمار الجديد ( بعد أن فشلت القوى الأوروبية في السيطرة السياسية المباشرة على البلدان التي كانت تحتلها سابقاً في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا.
يرى فرانك أن هناك ثلاثة أنواع رئيسية من الاستعمار الجديد:، هي:
أولاً: لا تزال معدلات التبادل التجاري تعود بالنفع على الدول الغربية، ولا تزال الدول النامية تعتمد في اقتصادها على تصدير المنتجات الأولية من المحاصيل الزراعية كالقهوة والشاي وغيرها.
ثانيا:ً الهيمنة المتزايدة للشركات عبر الوطنية في استغلال العمالة والموارد في البلدان الفقيرة.
ثالثاً: إن أموال المعونة الغربية هي وسيلة أخرى تواصل الدول الغنية من خلالها استغلال البلدان الفقيرة وتبقيها معتمدة عليها، لأن المعونة تكون –في كثير من الأحيان –مرتبطة بعدة شروط من أهمها أن تفتح هذه البلدان أسواقها للشركات الغربية.
لذلك يرى رواد هذه النظرية أن التبعية ليست مجرد مرحلة، بل هي موقف دائم، وأن الطريقة الوحيدة التي يمكن بها للبلدان النامية أن تفلت بها من التبعية هي الخروج من النظام الرأسمالي كله، وفي إطار هذه الإستراتيجية، هناك مسارات مختلفة للتنمية:
- العزلة كما هو الحال في الصين التي عزلت نفسها عن الغرب على مدى العقود الأربعة الماضية (من عام 1960 إلى عام 2000) ، ثم خرجت للعالم كقوة اقتصادية عالمية.
- الانفصال في الوقت الذي تكون فيه الدولة المستعمرة (بكسر الميم) ضعيفة، مثلما فعلت الهند مع بريطانيا في الخمسينات (بعد الحرب العالمية الثانية)، والهند الآن قوة اقتصادية صاعدة.
- الثورة الاشتراكية كما في حالة كوبا، وقد أدى ذلك إلى تطبيق جزاءات من جانب أمريكا التي حدت من التجارة معها ما أثر سلباً على التنمية فيها، وقاد إلى تراجعها بشكل واضح.
اعتمد العديد من القادة في البلدان الأفريقية نظرية التبعية، وسعوا إلى اعتماد سياسات اقتصادية وطنية للنمو الاقتصادي تقوم على التصنيع للاستعاضة عن الاستيراد من الخارج، كما اعتمدت هذه السياسة بنجاح من قبل العديد من بلدان أمريكا الجنوبية، بيد أن أكبر فشل في ذلك هو أنها لم تعالج أوجه عدم المساواة داخل هذه البلدان، حيث انتشر التفاوت الطبقي بشكل لافت للنظر.
ولعل أكثر ما يؤكد صحة ما ذهب إليه رواد مدرسة التبعية هي الحالة الأفريقية ، ذلك أن الممارسات الأوروبية في أفريقيا أدت إلى إضرار اقتصادية واجتماعية ونفسية عميقة الغور . لقد قامت الرأسمالية الغربية على نهب الموارد الأفريقية وعلى العمالة الافريقية الرخيصة ، وعلى استخدام السوق الأفريقية في تصدير المنتجات الأوروبية المصنعة .
ففي مجال نهب الموارد، عمل الأوربيون على نهب موارد القارة، ومعادنها بشكل منظم ، حيث ركزت السفن البرتغالية على نهب الذهب من غرب أفريقيا ، بالإضافة إلى تصدير الصمغ من السنغال ، والأخشاب من سيراليون ، والعاج من موزمبيق
([8]) . وفي مجال استخدام الأفارقة كعمالة رخيصة فقد كان الأفارقة يعملون بأجور زهيدة للغاية ، وظهرت نظريات عنصرية تحط من قدر الأفريقي ، وكان الهدف من ذلك ، كما لاحظ “ماركس”، هو تبرير إعطاء أجرين مختلفين لشخصين يؤديان نفسه، العمل أحدهما أفريقي والآخر أوروبي . و” حيثما كان يوجد مستوطنون أوروبيون بأعداد ملحوظة، فإنه يمكن ملاحظة الأجور المتفاوتة بالفعل وكانت أجور المراكشي والجزائري تشكل 16% و20% من أجور زملائهم الأوروبيين”
([9])، وعانت الطبقة العاملة في أفريقيا ظروفاً قاسيةً ، لقد أدى العمل القاسي في المناجم في جنوب أفريقيا في عهد الاستعمار، مثلاً ، إلى انتشار أوبئة خطرة في أوساط العمال بسبب سوء بيئة العمل ، وعدم توفر الخدمات الصحية من جانب آخر ، لقد جاء في تقرير بعثة الدرن لعام 2012م عن مدن الاكواخ في جنوب أفريقيا ما يلي:
” نادراً ما تجد عائلة واحدة ليس بينها فرد واحد على الأقل لا يعاني من الدرن ولا يموت بسببه …. وخدمات المستشفيات قاصرة لدرجة أن المرضى يتم إرسالهم ليموتوا هناك وينشروا العدوى ، وفي بعض النواحي على الطبيب الواحد ان يعالج 40000 نسمة ، والسكان الأصليون مطالبون بدفع نفقات العلاج ، ولا توجد أي تسهيلات للمرضى الفقراء ، وأن 65% من أطفال السكان الأصليين يموتون قبل بلوغ الثانية من العمر”
([10]). في ذاته الوقت درج الأوربيون على تصدير سلع سبق إنتاجها واستخدامها في أوروبا مثل نسيج الكتان الهولندي ، والحديد الأسباني ، والقصدير الإنجليزي ، والنبيذ البرتغالي، والبنادق الألمانية ، والخرز الزجاجي من البندقية ، وكان بأمكتنهم شحن السلع غير القابلة للبيع في أوروبا مثل الأقمشة البالية ، والملابس القديمة ، والأسلحة العتيقة إلى أفريقيا
([11]) .
انتقادات مدرسة التبعية:
تعرضت مدرسة التبعية للنقد من عدة أوجه منها:
- إنها ركزت على العوامل الخارجية وتأثيرها في عملية التنمية، وقولها بأن ضعف التنمية أو توقفها يرجع إلى عامل واحد هو العامل الخارجي ، وأهملت بالتالي العوامل الداخلية التي يمكن أن تكون هي السبب في التخلف، أي ضعف رأس المال وانعدام الليبرالية.
- إنها أهملت دور النخب والاقتصاديات المحلية في التخلف المزمن لهذه البلدان، كما أغفلت دور الفساد والمحسوبية في تخلف الدول النامية .
- بلجوئها إلى التعميم ، وتركيزها على العلاقات الاقتصادية في النظام الرأسمالي الدولي، تجاهلت نظرية التبعية علاقات تعتبر أكثر أهمية كالعلاقة بين الدولة والمجتمع وتأثير طبيعة هذه العلاقة على التنمية الاقتصادية .
[1] توماس س. باترسون، التغير والتنمية في القرن العشرين، ترجمة: عزة الخميسي ، المشروع القومي للترجمة، العدد 803، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2005. ص 186.
[2] من أمثال جوليان إستيوارد(1902-1972) ، ووالت روستو (1916- 2003م) ، وديفيد ماكيلاند (1917 – 1998) .
[3] اقتصادي أمريكي وأستاذ جامعي عاش من الفترة من 1916 حتى 2003م. كان عضواً بارزاً بالحزب الديمقراطي الأمريكي .
[4] أندريه غوندر فرانك (André Gunder Frank): ولد في برلين في العام 1929 وتوفي في لوكسمبورغ في العام 2005، وهو مؤرخ وعالم اقتصاد واجتماع أمريكي من أصل ألماني. له عدة مؤلفات منها : الرأسمالية والتخلف في أمريكا اللاتينية( 1968)، نمو التخلف: أمريكا اللاتينية ( 1970)، البرجوازية الرثة والنمو الرث (1971)، التراكم العالمي 1500-1800(1977م) ، التراكم التابع(1978) ، رؤى حول الأزمة الاقتصادية العالمية الجديدة (1981) ، نقد ونقد مضاد(1985).
([5]) إبراهيم أحمد نصر الدين، ” الاندماج الوطني في أفريقيا والخيار السوداني “، المستقبل العربي، العدد (63) مايو 1984م، ص 37.
([6]
) أنس مصطفي كامل، ” الصراعات الإثنية في حوض النيل والنظام الدولي الجديد “، السياسة الدولية، العدد (107)، يناير 1992م، ص 38.
[7] طلال عبد المعطي مصطفي ، دراسات اقتصادية اجتماعية .التنمية بين التحديث والتبعية،www.albaath.news.sy/user
[8] والتر رودني ،أوروبا والتخلف في أفريقيا ، سلسلة عالم المعرفة ( 132)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت، 1988، ص 98- 99.
[9] المرجع السابق ، ص 194.
[10] المرجع السابق ، ص 106.
[11] المرجع السابق ، ص 188.
0 Comments