كثيراً ما نسمع عن اجازة او تعديل او تعطيل الدستور ، او نسمع عن توافق او تناقض موقف معين او سياسة او قانون او قرار او امر مع الدستور ، وتسمع احيانا ان النظام الجديد قد الغى او جمد او أوقف العمل بالدستور القديم ، وهي كلمة تستخدم بكثافة في وسائل الاعلام وفي الخطاب السياسي …. فما هو الدستور ؟ وكيف ينشأ الدستور؟ وما هي انواع الدساتير ؟
دستور كلمة فارسية مكونة من مقطعين هما : ( دست ) ومعناها قاعدة و ( ور ) ومعناها صاحب .. فالمعنى الحرفي للكلمة هو صاحب القاعدة .. ومن هنا فالمعنى اللغوي لكلمة دستور مشتق من الأصل الفارسي للكلمة وهو صاحب القاعدة أي الأساس لكل قاعدة قانونية في البلاد .
يقصد بالدستور من الناحية القانونية : “الوثيقة القانونية التي تصدر عن هيئة معينة ، وطبقاً لاجراءات خاصة ، تتضمن القواعد المتعلقة بنظام الحكم في دولة معينة ، وفي وقت معين . وقد يكون الدستور في وثيقة قانونية واحدة كما في اغلب دول العالم ، وقد يكون في اكثر من وثيقة ” .
أساليب نشأة الدساتير:
تنشأ الدساتير بعدة طرق تبعاً لاختلاف أنظمة الحكم ، ولكن يمكن – بشكل عام – التمييز بين اسلوبين رئيسين لنشأة الدساتير: الاساليب غير الديمقراطية لنشأة الدساتير ، والاساليب الديمقراطية لنشأة الدساتير، وسوف نقدم هنا شرحاً موجزاً لهذين الاسلوبين .
أولاً : الاساليب غير الديمقراطية لنشأة الدساتير:
وهي الاساليب التي لا ينفرد فيها الشعب بوضع الدستور كأن ينفرد الحاكم بوضع الدستور ثم يمنحه للشعب (دستور المنحة ) أو ان يشترك مع الشعب في وضعه عن طريق ( التعاقد) .
(1) أسلوب المنحة :
يقوم الحاكم هنا – باعتباره مصدر السلطات ، ومنبع الحقوق والواجبات والحريات – بالتنازل عن بعض سلطاته وصلاحياته للشعب مانحاً الشعب هذه السلطات التي تنازل عنها . وقد صدرت عدة دساتير بهذه الصورة كالدستور الايطالي لسنة 1848 ، والدستور الياباني لسنة 1889، ودستور روسيا لسنة 1906.
لقد اثيرت تساؤلات حول حق الحاكم الذي منح هذه الحريات والصلاحيات في استردادها وسحبها مرة أخرى . لكن يذهب أغلب الفقهاء الدستوريين هنا الى عدم جواز التراجع عن المنحة من الناحية القانونية ، وهذه التنازلات التي قدمها الحاكم – وغالباً تحت الضغط – قد أصبحت حقوقاً للشعب لايجوز المساس بها ، لانها في الاصل حقوق طبيغية للشعب حرم منها لفترة من الزمن ثم أعيدت له ،ثم أنه ، وان كان الدستور وليد الارادة المنفردة للحاكم ، فإن قبول الشعب للدستور يمنع الحاكم من استراده ” لأن الارادة المنفردة تصبح مصدراً للالتزام ، طالما لاقت قبولاً من الطرف الاخر وهو الامة ” .
(2) أسلوب العقد :
ينشأ الدستور هنا نتيجة لالتقاء ارادة الحاكم والمحكومين ، وبالتالي يمثل هذا الاسلوب- عند مقارنته باسلوب المنحة – خطوة باتجاه الديمقراطية ، بسبب غياب ارادة المحكومين في اسلوب المنحة ، ورغم ذلك يعد من الاساليب غير الديمقراطية في وضع الدساتير لان الشعب لم ينفرد بوضع دستوره ، وان الحاكم – وحده – يتساوى مع الامة بكاملها وهو ما يتنافى مع جوهر فكرة الديمقراطية القائمة على المساواة الكاملة بين الافراد.
أما عن كيفية إشتراك الامة مع الحاكم في وضع الدستور ، فان ذلك يتخذ واحدة من الطرق التالية :
أ- ان تنتخب الامة جمعية تأسيسية لوضع مشروع الدستور، ثم يعرض على الحاكم للتصديق عليه ومن ثم يصبح نافذاً.
ب- ان تعهد الامة الى ممثليها في المجلس النيابي المنتخب باعداد مشروع دستور للبلاد ، ثم يعرض مشروع الدستور الذي أعده ممثلو الشعب على الحاكم للمصادقة عليه ، وبعد اقراره من الحاكم يصبح نافذاً .
ج- أن يتولى البرلمان الموافقة على مشروع الدستور دون الرجوع للامة ثم يرفعه للحاكم لاقراره .
د- استفتاء الامة مباشرة على مشروع الدستور ، ورفعه – في حالة موافقة الامة عليه – الى الحاكم لاقراره ، على ان موافقة الامة عليه لا تعني نفاذه مباشرة ، بل لا بد ان يصدق عليه الحاكم حتى يصبح نافذاً.
ثانياً: الاساليب الديمقراطية لنشأة الدساتير :-
في هذه الحالة تستأثر الامة وحدها بوضع دستورها دون مشاركة من الحاكم ، الا بصفته الفردية كمواطن له الحق في الادلاء برأيه حول الدستور، وينشأ الدستور هنا بواحدة من طريقتين :
(1) أسلوب الجمعية التأسيسية : (Constituent Assembly)
حيث يقوم الشعب بانتخاب جمعية تأسيسية تكون مهمتها وضع الدستور نيابة عن الشعب ، وبمجرد اقرار الدستور من هذه الجمعية – التي تمثل الشعب صاحب الحق في وضع الدستور -يصبح نافذاً دون موافقة أي طرف اخر.
على أنه لا يجوز للسلطة التشريعية العادية – ولو كانت منتخبة – أن تقوم بوضع الدستور لانها لم تنتخب لهذا الغرض ، وانما يحق لها فقط اصدار التشريعات العادية ، ولا يحق لها الخوض في التشريعات الدستورية ، وانما يعطى هذا الحق للجمعية التأسيسية التي انتخبت اصلا لهذا الغرض . وتسمى بالجمعية ( التأسيسية) لانها – بوضعها للدستور – فانها تؤسس لمجمل النظام السياسي ، لان الدستور هو الذي يحدد شكل واهداف نظام الحكم، فضلاً عن تنظيمه للعلاقة بين السلطات الثلاث.
ولما كان الهدف من انتخاب الجمعية التأسيسية هو وضع وإجازة الدستور ، فينتهي دورها بانتهاء المهمة المنتخبة لها( وضع واقرار الدستور) .
ان وضع الدساتير من خلال الجمعيات التأسيسية يعد هو الأشهر في الانظمة الديمقراطية خاصة ، وقد نشأ بهذه الطريقة دستور الولايات المتحدة الامريكية الاتحادي لسنة 1787، ودستور فرنسا 1875 ، ودستور اليابان لسنة 1947 ، والدستور الهندي لسنة 1949 .
(2) الإستفتاء الشعبي:
تقوم هيئة معينة ينتخبها الشعب بوضع مسودة الدستور ثمم تعرض المسودة على الشعب لقبولها او رفضها ، فإذا قبله الشعب اعتبر دستوراً نافذا ، واذا رفضه اصبح لاغيا.
وجدير بالذكر انصدور الدستور بهذه الطريقة يتطلب وعيا شعبيا بالدستور ومواده ، والا كان عديم الجدوى ، ومن امثلة الدساتير التي صدرت بهذه الطريقة دستور فرنسا لعام 1946م ، والدستور المصري لسنة 1971م.
المراجع :-
- محمد المشهداني ومروان المدرس، القانون الدستوري البحريني ، جامعة البحرين ، 2008 ، ص 23.
- د.نعمان أحمد الخطيب ، الوسيط في النظم السياسية والقانون الدستوري ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ،عمان ( الأردن ) ، 2010 ، ص 438 .
0 Comments