يمثل تحقيق الوحدة الوطنية أولوية قصوى لجميع الدول دون استثناء، ذلك أنه، وما لم تتحقق هذه الوحدة، فإن الدولة تبقى عاجزة عن تحقيق أي هدف آخر سواء كان اقتصادياً أو اجتماعياً أو سياسياً. ولهذا السبب تضع الدول -عادة-أمر الوحدة الوطنية في مقدمة أولوياتها لمحوريته، وأهميته الاستراتيجية القصوى.
لكن ما تجدر الإشارة إليه هو ان الوحدة الوطنية تعاني من مخاطر عديدة، وتواجه تحديات جسيمة في أغلب الدول الأفريقية وذلك لأسباب تاريخية معروفة، وفى السودان -على وجه الخصوص-تتعرض الوحدة الوطنية لتحديات كبيرة خاصة بعد انفصال الجنوب.
إن التحديات الكبيرة والخطيرة التي تواجه الوحدة الوطنية في السودان والامتحان العسير التي تتعرض له هذه الوحدة تقتضي وتستوجب التعامل الجدي مع هذا الامر الحيوي والمصيري الهام، والبحث عن منظور استراتيجي لتحقيق وترسيخ الوحدة الوطنية.
ونقصد بالوحدة الوطنية -في هذا المقال -حالة التقارب والانسجام التي تسود بين أعضاء الجماعة الوطنية (عموم سكان الدولة)، والتي تحول دون الانقسامات والصراع، وتؤدى – في ذات الوقت-الى حالة من التعاون والمشاركة في بناء الوطن وفى تحقيق المصالح المشتركة بين أعضاء الجماعة.
لكن الوحدة الوطنية في السودان تواجه عدداً من التحديات يمكن إجمالها في الآتي: –
1/ حداثة الدولة السودانية:
إن عمر الدولة السودانية بوضعها الراهن لم يكمل –بعد-القرنين من الزمان وهي فترة غير كافية بكل المقاييس، للانصهار القومي وتحقيق التكامل الوطني بين أفراد وجماعات الشعب السوداني.
وإذا وضعنا في الاعتبار تخلف وسائل النقل والاتصالات من ناحية، والسياسات الاستعمارية الرامية للحيلولة دون التكامل القومي في السودان من ناحية أخرى، لأدركنا البون الشاسع بين الواقع السوداني الماثل فيما يتعلق بالوحدة الوطنية والمثال المنشود لهذه الوحدة. وعلى الرغم من الجهود التي بذلها الوطنيون من أجل تحقيق التكامل القومي، إلا أن غياب الرؤية الواضحة لبناء الدولة السودانية أدى الى تعثر هذه الجهود وفشلها في الوصول الى الهدف المنشود، ومع ذلك فقليلة هي الدراسات التي تسلط الضوء على هذه الحقيقة (حداثة التجربة)، وإنما تركز أغلب الدراسات ووسائل الإعلام على استحالة التعايش بين بعض الجماعات السودانية.
ان حداثة الدولة السودانية تفرض على الحكومة التعامل مع الأوضاع بصورة استثنائية تراعى هذه الحقيقة، بما يقود الى التلاحم الوطني من خلال مناهج التعليم ووسائل الإعلام ومن خلال السياسات التنموية والعدالة في تقسيم السلطة والمناصب السياسية حتى لا تنفجر الأوضاع في بلد لازال في طور التشكل.
أما الحديث عن فشل التعايش بين بعض الجماعات السودانية فهو قول لا يستند إلى دليل، لأن الجماعات السودانية لم تتح لها-بعد-فرص الانصهار والتلاقح الثقافي الذي يمكن أن يفضي الى وحدة وطنية متينة وراسخة.
2/ سيادة الولاءات التحتية:
ويقصد بها – عادة – الولاءات التي تنعقد للقبيلة التي انحدر منها الفرد، أو الجهة التي ولد فيها، أو اللغة التي يتحدث بها. أو القيم التي يؤمن بها، دون أن يعلو هذا الولاء لينعقد للدولة الأم.
والناظر في شأن السودان يجد أن الإنسان يصنف أولاً على الأساس العرقي ثم تأتى بقية التصنيفات ذات الطبيعة الثقافية (اللغة، الدين، والعادات).
وعلى الرغم من الرأي القائل بأن الولاءات التحتية تتناسب عكسياً مع التعليم، إلا أن نظرة على الواقع السوداني تؤكد عكس ذلك، فمع انتشار التعليم في السودان بكثافة خلال العقدين الأخيرين، إلا أن القبلية والجهوية ازدادت بصورة لافتة للنظر، بل وصل الأمر الى حد حمل السلاح من قبل بعض القبائل والجهات في وجه الدولة السودانية مطالبين بتنمية مناطقهم ومشاركة أبناء القبائل في السلطة، وهناك من لا يخفى رغبته من أن يتم تقسيم السلطة والثروة على أسس قبلية وجهوية وإقليمية.
إن الولاءات التحتية هي أكبر التحديات التي تواجه الوحدة الوطنية في السودان، وما لم توجد الآليات المناسبة لمواجهة هذه الظاهرة فإن الوحدة الوطنية ستكون تحت التهديد المستمر.
/ التنمية غير المتوازنة:
لقد كان الغبن الاقتصاد من أهم العوامل التي حركت المشكلة في الجنوب، وبعد أن انفصل الجنوب، فإن أطراف السودان (دون استثناء) بما فيها الجنوب الجديد للسودان تعاني الفقر والحرمان والمسغبة.
لم يكن هدف الاستعمار في السودان-كما في الدول الأفريقية الأخرى-هو تحقيق تنمية متوازنة، بل وعلى العكس من ذلك فإن التباين التنموي كان يخدم استراتيجية الاستعمار البريطاني القائمة على أساس (فرق تسد)، لأن المشروعات التنموية التي قامت في بعض أجزاء القطر أثارت حفيظة الجماعات المحرومة من مثل هذه المشروعات، وقاد ذلك الى شرخ عميق في جدار الوحدة الوطنية مستقبلاً.
كان من المتوقع أن يعاد النظر في استراتيجية التنمية بعد الاستقلال، وبالفعل أٌثيرت هذه المسألة، لكن برز اتجاهان: الأول، يرى ضرورة توزيع المشروعات التنموية – مستقبلاً-على كل أنحاء القطر بما يحقق توازن التنمية، والثاني، ويرى أن مناطق الوسط لها ميزات اقتصادية ايجابية لأنها تتمتع بخدمات وبنيات أساسية تخفض من تكلفة الإنتاج، وبالتالي فمن الافضل الاستمرار في تركيز المشروعات التنموية في الوسط، مع توزيع عائد هذه المشروعات على مناطق السودان المختلفة.
ولكن لم يطبق أياً من الخيارين، فلا قامت المشروعات التنموية في أنحاء البلاد المختلفة، ولا وزعت عائدات التنمية على الأطراف، بل استمرت عملية تركيز المشروعات التنموية في الوسط، واستمر تخلف الأطراف (دون استثناء)، مما قاد الى الشعور بالغبن التنموي وشيوع شعارات التهميش والإهمال للأطراف.
إن السعي لمعالجة هذا الخلل التنموي الواضح، والتخطيط للتنمية المتوازنة في صميم الخطط القومية، هو المدخل المناسب للوحدة الوطنية وإزالة شبح التشرذم والانقسام، وهو الترياق المضاد لدعاوى التهميش في أطراف السودان المختلفة.
4/ غياب الرؤية الواضحة لإدارة التنوع العرقي والثقافي بالبلاد:
لقد بات واضحاً أننا بحاجة الى استراتيجية جديدة وواضحة للتعامل مع التنوع في البلاد، فرغم انفصال الجنوب، لا يزال السودان يحتشد بمئات الجماعات العرقية والاثنية، وعشرات اللغات واللهجات، فضلاً عن التعددية الدينية والتفاوت الاقتصادي والتنموي.
لقد فشلت سياسة الاستيعاب أو الاحتواء التي كانت تمارسها الحكومات السودانية المتعاقبة على حكم السودان منذ الاستقلال، وبرزت بشكل جلى أهمية الانتقال الى فكرة الاندماج الوظيفي (شكل من أشكال الحكم لا يقوم على أساس وجود هوية مشتركة، بل على وجود مصلحة، وأن يتم الالتقاء من خلال نظام فضفاض يجمع كل الجماعات في إطار الدولة مع تمكينها من تحقيق مصالحها والتعبير عن خصوصياتها)
في ذات الوقت، فإننا بسبب ما أصاب جدار الوحدة الوطنية من شروخ عميقة، بحاجة الى أسس جديدة للوحدة الوطنية تتجاوز الولاء العاطفي وتقوم على المصلحة.
إن المقصود بذلك هو أن يمثل المركز في السودان قوة جذب للأقاليم والأطراف والجماعات المختلفة، وأن تكون المصلحة هي أساس قوة الجذب هذه، بحيث تسعى الجماعات المختلفة للاحتشاد تحت هذا المركز الذي يمدها بالسلطة والثروة وكل موارد القوة والمصلحة والهيبة.
لكن التحدي هو كيف يمكن ان يكون المركز قوة جذب تحتضن مصالح الفئات المختلفة بما يعزز الوحدة ويقوى عراها، وهذا ما يحتاج الى أعمال الفكر من قبل السياسيين والخبراء في السودان.
5/ الاقتداء بالجنوب:
بعد صراعات مع الحكومة المركزية استمرت لنصف قرن من الزمان لم تتوقف خلالها الحرب إلا لأحد عشر عاماً (استمرت من 1972-1983م) تم توقيع (اتفاقية السلام الشامل) مطلع العام 2005موالتي افضت الى انفصال الجنوب.
وبعد انفصال الجنوب مباشرة ارتفعت أصوات تنادى بإعطائها (حق تقرير المصير) أسوة بالجنوب، ولا شك أن هذه الظاهرة يمكن-ما لم تتخذ الإجراءات والسياسات اللازمة-أن تؤدى الى تفكك السودان وتقسيمه الى دويلات ضعيفة وهامشية.
ويعد هذا الاتجاه القائم على أساس الاقتداء بالجنوب من أكبر التحديات التي تواجه الوحدة الوطنية في السودان.
6/ التدخلات الخارجية في الشأن السوداني:
المتتبع للشأن السوداني يجد تدخلات كثيرة من دول مجاورة وأخرى بعيدة في الشأن السوداني وذلك لتحقيق مصالحها الوطنية، وان مواجهة التدخلات الخارجية تستوجب سياسات داخلية واستراتيجية محكمة للحيلولة دون انتشار الحركات الاحتجاجية، حتى لا تجد القوى الأجنبية فرصة للتدخل في الشأن السوداني، وبالتالي فإن محاولة كبح جماح التدخل الخارجي في الشأن السوداني يعد من أهم التحديات التي تواجه تحقيق الوحدة الوطنية وترسيخها في داخل السودان.
وبعد،
فهذه محاولة لرصد التحديات الرئيسية التي تواجه الوحدة الوطنية بالسودان، وسنقوم في المقال القادم بإذن الله بتقديم بعض المقترحات التي يمكن ان تسهم في رسم المعالم الأساسية لمنظور استراتيجي يساهم في تعزيز الوحدة الوطنية في السودان.
0 Comments