كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن غياب المشروع الوطني السوداني، واعتبر الكثيرون أن غياب هذا المشروع هو السبب في كل ما يعانيه السودان من صراعات سياسية وتخبط اقتصادي وتدهور في الأوضاع الاجتماعية، وتأرجح في العلاقات الخارجية، ولو كان لدى السودان مشروع وطني، حسب رؤيتهم، لتمكن من التصدي لكل أزماته وتربع على ذرى المجد والسؤدد.
لكن الواقع يقول بأن المشروع الوطني السوداني ظل وسوف يظل حاضراً، لأن المشروع الوطني ليس اتفاقاً سياسياً أو نصوصاً دستورية تجمع في وثيقة تسمى بوثيقة المشروع الوطني. يقول المستشار القانوني الضليع طارق البشري إن المشروع الوطني يستخلص استخلاصاً من واقع الحركة الفكرية والسياسية والاجتماعية في مرحلة معينة.
والمشروع الوطني، وإن كان يجب فيه أن يقدم إجابات على كل الأسئلة الوطنية الكبرى، فإنه لا يستلزم، بالضرورة، إجماعاً على كل تفاصيل مضامينه وأهدافه وآلياته وأولوياته، فهو يشير إلى الأهداف العامة التي يتوخاها المجتمع ويسعى لتحقيها من جانب، وتصوراته لسبل تحقيقها من جانب آخر، مع وجود بعض الاختلافات حول تفاصيل الأهداف المتوخاة والوسائل المناسبة لتحقيقها ، بمعنى أن المشروع الوطني يهدف دائماً إلى إشباع الحاجات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية لجيل معين في زمن محدد، ولكن ليس هناك إجماع بين مكونات هذا الجيل على تفاصيل هذه الأهداف والوسائل، فهو على حد قول البشري” حافظة تقبل الاختلاف في داخلها”، وهو ما يستوجب الحوار المستمر بين مكونات المجتمع حول تفاصيل هذا المشروع. كما أن المشروع الوطني نفسه قابل للتطور والتشكل تبعاً لظروف المرحلة، ففي أوقات الاستعمار، مثلاً، كان المشروع الوطني، في حده الأدنى، هو تحرير البلاد من هيمنة المستعمر، وفي مراحل الحكم الوطني أصبحت المشروعات الوطنية تعبر عن القضايا المصيرية والوجودية للشعب في الجوانب المختلفة: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
لا يتم إعداد المشروع الوطني من قبل فرد أو هيئة مجتمعية أو حكومة وفق رؤية هذا الفرد أو تلك الهيئة أو الحكومة وفرضها على المجتمع ، وهو ليس مشروعاً سياسياً يعبر عن طموحات طبقة اجتماعية أو حزب سياسي، ولا هو خطة يتم تصميمها وفرضها بطريقة فوقية ، بل يُستَخْلَص المشروع الوطني من الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة ، ومن توجهات القوى والجماعات الفاعلة فيها، ومن تصورات هذه الجماعات لتحديات الراهن وكيفية التعاطي معها، وقد يعاني المشروع الوطني في بداياته من التناقض وعدم الانسجام، ، لكن هذه التناقضات تتلاشى أو تضعف بمرور الوقت ومن خلال الحوار والتفاعل المستمر بين المكونات الاجتماعية والسياسية، وكلّما مضى الزمن على المشروع الوطني، وكلما خضع للتفاعل ودار حوله النقاش المتعمق، كلما زالت أو تلاشت فيه أوجه التعارض والتناقض ، وظهرت فيه ملامح الانسجام والتكامل؛ فلا بديل عن الحوار المستمر والمناقشات المجتمعية الدائمة لبلورة المشروع الوطني.
لقد برز الحديث عن غياب المشروع الوطني السوداني في الآونة الأخيرة بسبب ما شهدته البلاد من تحولات عميقة خلال العقود الثلاثة الماضية، فقد تغيرت الساحة السياسية تماماً حيث تلاشت أو كادت أن تتلاشى أحزاب سيطرت على الساحة السياسية لفترة طويلة من الزمن، وظهرت أحزاب جديدة على الساحة السياسية تسعى لأن تحل محل الأحزاب القديمة أو تنافسها على الشعب، كما برزت العديد من تنظيمات المجتمع المدني التي بات لها تأثير لا تخطئه العين على واقع الحياة الاجتماعية والسياسية، وولدت أجيال جديدة لها تصوراتها وطموحاتها المختلفة عن طموحات الجيل السابق ، وتبلورت قوى مناطقية حملت السلاح في أطراف البلاد المختلفة ثم ألقت السلاح وتستعد الآن لخوض المعترك السياسي، وعلى المستوى الدولي أصبح السودان حاضراً في أجندة السياسة الدولية كخطر يتهدد المجتمعات وتأوي إليه الجماعات الإرهابية ، وفي ذات الوقت كبلد يمثل مستودعاً للموارد الطبيعية، وتتوافر فيه فرص الاستثمار المربح، ويحتل موقعاً استراتيجياً مهماً تتنافس عليه القوى الدولية والإقليمية ، وزاد من تعقيد المشهد التعثر الواضح في عملية الانتقال الديمقراطي بعد سقوط حكم البشير، والصراعات الحادة بين القوى السودانية المختلفة والمتناقضة في رؤاها ومصالحها وأساليبها في الممارسة السياسية. لكل ذلك بدا المشهد السوداني كله جديداً وغامضاً ومثيراً للتكهنات، ومتأرجحاً بين الخوف والرجاء، وهو ما أثار الحديث عن المشروع الوطني السوداني الذي يمكن، إن وجد، أن يعصم السودان من التشرذم والانقسام الداخلي، ويحميه من أطماع الخارج.
لكن العقل السوداني، في الواقع، لم يتوقف يوماً عن التفكير في هذه التحديات والسبل، بل يمكن القول بإن السودانيين يدركون أكثر من كثير من الشعوب بالعقبات التي تعترض طريقهم والفرص التي تلوح أمامهم، ويدركون جيداً عوامل قوتهم ومصادر ضعفهم، ويمتلكون تصورات واضحة للتعاطي مع كل ذلك، لكنهم افتقدوا القيادة السياسية التي تفجر طاقاتهم، وتستثمر وعيهم، وتحفظ مواردهم، وتخطط لمستقبلهم، وبالتالي لم يكن المشروع الوطني، وفقاً لهذا المنظور، غائباً في أي مرحلة من مراحل التاريخ، بل ظل يتبلور ويتضح في كل مرحلة بأكثر من المرحلة التي سبقتها، وقد أظهرت شعارات الثورة السودانية: الحرية والسلام والعدالة وضوحاً في الرؤية وأكدت على المشروع الوطني السوداني وتماسكه.
ولأن المشروع الوطني هو خلاصة تصور الجماعة الوطنية لما يجابهها من تحديات، ورؤيتها لسبل وآليات التصدي للتحديات التي تواجهها، فقد تختلف تصورات الأفراد والمؤسسات في وصفها لمعالم هذا المشروع تبعاً لاختلاف الزوايا التي ينظرون منها للمشروع الوطني، وبالتالي فإن وصف معالم المشروع الوطني نفسه قد يكون محل اختلاف وتجاذب.
وإذا ما حاولنا تسليط الضوء على أهم معالم هذا المشروع من وجهة نظرنا، التي، كما ذكرنا، ترتبط بالزاوية التي ننظر منها للموضوع والتي قد تختلف مع رؤية آخرين ينظرون لها من زوايا أخرى، يمكننا القول بإن أهم معالم المشروع الوطني هو الاجماع على النظام الديمقراطي الذي يضمن الحرية بمعناها الواسع، ويحقق العدالة، ويصون كرامة الانسان، ويضمن المساواة، ويحارب الفساد، ويؤكد على حكم القانون، ويُعْلِي من قيمة الشفافية والمحاسبية، ومن معالمه الإجماع على أهمية السلام القائم على قيم المساواة والعدالة، والضامن للتنمية المتوازنة والمستدامة، ويظهر في الايمان الشعبي الراسخ بضرورة إقامة علاقات خارجية متوازنة تقوم على النِدِيّة وتمتنع عن التدخل في شؤون الدول الأخرى. هذه، كما نعتقد، بعض أسس المشروع الوطني السوداني، ويمكن أن يضيف عليها آخرون، وهي واضحة جلية في أذهان أغلب السودانيين، وتجلّت في مختلف النصوص الدستورية واتفاقيات السلام التي وُقِّعَتْ في العقود الأخيرة، وفي الممارسات السياسية والاجتماعية، وقد يختلف السودانيون حول تفاصيلها وسبل تنزيلها إلى أرض الواقع وهذه الاختلافات التي تعبر عن تنوع في الآراء والمواقف من أهم سمات المشروع الوطني، وهي مؤشر صحة ودليل عافية وحيوية وديناميكية، لأن الثبات ليس دائماً دليل صحة فقد يثبت الحال على سوء، وكما قيل فإن “الماء الراكد يأسن”، لذلك فإن الأنظمة السياسية والاجتماعية الفاعلة والناجحة تجدها دائماً تموج بالحركة في داخلها: حوار مستمر، ومناقشات لا تنقطع، ومساومات وتسويات لا تنتهي.
بهذا المنظور فإن أساس مشاكلنا لا يكمن في غياب المشروع الوطني، ولكن في غياب الإرادة السياسية، وفي ركود المجتمع المدني، وفي تخلف الأحزاب السياسية، وهذا ما يفسر تقدم الجماهير في السودان على كافة الأحزاب والقوى السياسية والتنظيمات المدنية.
إن الربط بين تدهور الأوضاع السودانية وغياب المشروع الوطني لم يقم عليه دليل، ومع ذلك بات هو” قميص عثمان” الذي تعلق عليه القوى السياسية تقصيرها وعجزها، على الرغم من مسؤوليتها عن استخلاصه وتوضيح معالمه إذا كان بالفعل غائباً، ولكننا نعتقد بأن المشروع الوطني السوداني لم يغب ولن يغيب، وهو حاضر ولكنه، للأسف، يُصَرّف دائماً في ضمير الغائب.
إن المطلوب الآن ليس إيجاد المشروع الوطني فهو موجود بالفعل، لكن الغائب الأكبر هو الإرادة السياسية التي تحول هذا المشروع إلى واقع حي بين الناس. وبالتالي، فإن المطلوب هو تسليط الضوء على المشروع الوطني وإظهار معالمه، والعمل على تحقيق أكبر قدر من الإجماع على تفاصيله وأولوياته، ومن بعد ذلك تصويب الجهود نحو تحقيقه، تشترك في ذلك السلطة السياسية والأحزاب والمجتمع المدني ووسائل الاعلام والمؤسسات التعليمية وكافة قطاعات المجتمع.
0 Comments