كلمة الفساد من أقبح الكلمات في قواميس اللغة،ومع ذلك فان الفساد من أقدم الظواهر الانسانية ، وهو أمضى معاول هدم المجتمعاتوالحضارت الانسانية على مر التاريخ الانساني ، وقديماً قال الشاعر الياس فرحات :
ما خططَ الدينُ التخومَ لأمةٍ … إِلا وقد نخرَ الفسادُ عِظامَها
ذلك لأن الفساد يهدد أمن المجتمعات واستقرارها ، ويؤثر بشكل مباشر على أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية وكافة أوجه حياتها دون استثناء ، ولعل أخطر ما في الفساد أن ضرره يقع على الشرائح الفقيرة والضعيفة والمهمشة أصلاً فيزيد من معاناتهم ، ويزيد من مكاسب الأغنياء والمترفين وأصحاب الجاه فيزيدهم تخمة وقوة واستبداداً، ذلك أنه يذهب بالأموال التي كان من المفترض أن تذهب لدعم غذاء المعوزين وعلاج المرضى الفقراء وتعليم أبنائهم إلى جيوب المتخمين والأغنياء والمتنفذين وأصحاب الجاه والمناصب والرأسماليين ، ولان الفساد ظلم بين وتجبر واضح فإن الله ” لا يحب الفساد” كما جاء في القران الكريم .
ولعل من الآثار السالبة للفساد أنه ينزع الشرعية عن السلطة الحاكمة ويذهب بهيبتها ويجعلها عرضة للسخرية والتندر إما لأنها تحمى الفساد والمفسدين ( لحاجة في نفس يعقوب) ، وإما لأنها عاجزة عن اتخاذ القرارت والاجراءات التي تمكنها من تتبع مصادر الفساد وقطع دابره . وإذا ما شعر المواطن أن السلطة لا تحرك ساكناً ولا تردع مجرماً ولا تحاسب سارقاً ولا توقف مجرماً فحق له حينئذ ان يتهم الحكومة بالتواطؤ مع المجرمين،وإن حكومة تتهاون في قضايا المال العام ستفقد ثقة الجمهور فيها دون شك ، لذلك فإن على الحكومات سن القوانين الرادعة واتخاذ الاجراءات الصارمة ، وأخذ الحيطة اللازمة للحيلولة دون الفساد أيا كان مصدره أو حجمه .
ومن مضار الفساد أنه يوقف عجلة التنمية تماما خاصة في البلدان النامية ذات القدرات المحدودة ، ذلك أن المستثمرين الذين يرغبون في الاستثمار ببلد معين ينفرون منه إذا اشتموا فيه رائحة الفساد لان البلد الفاسد ليس فيه ضمانات كافية لأموال المستثمرين وليس فيه سياسات ثابتة بل تتغير سياساته متى اقتضت مصلحة الفاسدين مما يجعل أموال المستثمرين عرضة لمخاطر غير مأمونة العواقب ، بل حتى الدول التي تنوي تقديم مساعدات أو منح تتراجع عن ذلك إذا أدركت أن فيه فساداً ، لأن الاموال في هذه الحالة لا تذهب لمساعدة الفقراء ولا لمؤسسة الدولة ، بل إلى جيوب المفسدين والمجرمين وفاقدي الضمير والكرامة .
إن الفساد هو أعدى أعداء التنمية ، وأعتى معيقات التقدم ، وأشد الأدواء إضراراً بالحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، لذلك لا غرو أن تضافرت جهود الدول والمنظمات على المستويات المحلية والاقليمية والدولية من أجل محاصرته ، درءاً لخطره وانفلاتاً من ربقته ، لذلك عُقِدَت المؤتمرات والحلقات النقاشية والندوات وورش العمل للتنويه بمخاطره وآثاره السالبة ، ولوضع الخطط والاستراتيجيات الكفيلة بمحاصرته والقضاء عليه .
لقد انتشر الفساد في كل بقعة من الأرض تقريباً واتسع الفتق على الراتق ، حتى غدا “كدابغةٍ وقد حلم الأديمُ” ، وصحَّ قول الشاعر :
عمّ الفسادُ وأصبحت طرقُ الغنى وقفاً على من يرتشي أو يعتدي
وفي السودان عمّ هذا الداء اللعين وبلغ مبلغاً جعَلَنا مضرباً للأمثال ومداراً للسخرية ، وقد طال الفساد كل المرافق والمؤسسات ، فلم تسلم منه الوزارات ولا البنوك ولا المؤسسات التعليمية ، وظهرت أرقام عن الأموال المنهوبة يشيب من هولها الوِلدان ، وغدا الناس بين مصدق ومكذب حتى تأكدت الأخبار ، وصحَّت الأنباء . ويتساءل الناس: أين كانت الدولة حتى استشرى الفساد حتى بلغ هذا المبلغ وأزكمت رائحته الأنوف ؟ .
على كلٍ ، فان تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي ، ولذلك سوف نحاول في هذا المقال أن نسهم في الحملة ضد الفساد والمفسدين والتي نراها واجباً وطنياً ينبغي أن يسهم فيه الجميع كلٌ من موقعه الذي هو فيه ، وان لا يدخر أحدٌ وسعاً في ذلك لأن الفساد الآن هو مشكلة السودان الأولى ،وينبغي أن يعطى الأولوية على ما عداه من المهام الوطنية في هذه المرحلة الدقيقة من عمر الوطن ، وينبغي الخوض في موضوعات الفساد وتعريته دون تردد أو وجل، لأن ذلك هو الترياق الفعال لمكافحة الفساد لأن ” الأمة التي تُحسن أن تجهر بالحق وتجترئ على الباطل تمتنع فيها أسباب الفساد ” كما قال عباس محمود العقاد.
في هذا الصدد نقول : إن محاصرة الفساد والقضاء عليه تقتضي تضافر جهود الدولة والمجتمع بمؤسساته المختلفة ، فإلى جانب المؤسسات الأمنية والشرطية والعدلية ، يمكن أن يسهم عدد من المؤسسات المجتمعية في هذه الحملة منها ، على سبيل المثال، المؤسسات التعليمية ، ومراكز البحوث والدراسات، ووسائل الإعلام المختلفة ، فيمكن لهذه المؤسسات أن توفر معلومات وأبحاث حول الفساد وأنواعه ، ووسائله ، وطرق مكافحته ، والتجارب الاقليمية والدولية في هذا الصدد ، وقد قدمت جامعة نايف للعلوم الأمنية في المملكة العربية السعودية ، على سبيل المثال،خدمات جليلة للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد( نزاهة ) ، حيث قدمت الجامعة عدة دراسات للدكتوراة والماجستير استفادت منها الهيئة حول : أخلاقيات الوظيفة العامة ودورها في مكافحة الفساد، استراتيجيات مكافحة الفساد، الثقافة الاجتماعية وعلاقتها بالنزاهة والشفافية، العولمة والفساد ، تطوير نظم العمل وعلاقته بتعزيز النزاهة ، دور تطبيق قواعد الحوكمة في الحد من الفساد ، وغيرها من البحوث القيمة التي استفادت منها الهيئة في خططها واجراءاتها. وهناك عدة مراكز بحثية في السودان واقسام للعلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية والادارة العامة بالجامعات السودانية يمكن أن تلعب هذا الدور بحيث توجه بعض أبحاثها لخدمة هذا الهدف النبيل ، كما يمكن أن تسهم في هذا البرنامج أكاديمية الأمن العليا ،والأكاديمية العسكرية وغيرها .
كذلك تقتضي مكافحة الفساد تفعيل القوانين المتعلقة به وانفاذها وتعزيز الجانب القانوني والرقابي ، والسرعة في البت في قضايا الفساد ، ولئن دعا البعض إلى التعامل بسرية مع هذه الموضوعات، فإن الكاتب يرى أن التشهير بالمفسدين بعد إدانتهم من القضاء يمثل أنجع الطرق لمكافحة الفساد ، لذلك ينبغي أن تلازم الحملة ضد المفسدين حملة اعلامية قوية تدين الفساد وتبرز مساوئه من جانب ، وتشهر بالمفسدين من جانب آخر حتى يكونوا عبرة للآخرين تمنعهم من الولوغ في المال الحرام ، ذلك أن الموظف إذا أمن من العقاب سيقع في الفساد إلاً من رحم الله .
وعلى المدى البعيد نحتاج إلى تنشئة سياسية وتربية وطنية ذات غايات واضحة ، وتتمثل هذه الغايات – بشكل عام – في تجريم الفساد اجتماعياً قبل تجريمه قانونياً ، وتقلل من قيمة المفسدين وتدينهم اجتماعياً وتنفر عنهم وعن سلوكهم بشكل عام ولا تتسامح مع سلوكهم أبداً ، وتُعلِي من القيم الوطنية المرتبطة بالنزاهة والعفة ، وتمجد الرموز الوطنية النزيهة وتكرمها ، ومن الواجب الاهتمام بأخلاقيات العمل لانه لا يكفي التأهيل الأكاديمي وحده للتوظيف ، بل لا بد من تزويد الطلاب في المراحل المختلفة بأخلاقيات العمل ، وقد وجهت وزارات التعليم العالي في بعض الدول العربية بإدخال مقرر الأخلاقيات كمقرر اجباري في كل التخصصات فهناك الأخلاقيات في الإدارة ، والأخلاقيات في الطب، والاخلاقيات في الهندسة ، الاخلاقيات في الزراعة ، وفي سائر التخصصات ، وذلك لتأهيلهم أخلاقياً جنباً الى جنب مع تأهيلهم أكاديمياً في مجال تخصصاتهم.
كما لابد من شروط إضافية لتولي الوظيفة العامة تتمثل في الجوانب الاخلاقية للخريجين ، وأن تسند الوظائف القيادية لذوي الكفاءة ممن يلتزمون بالقيم الوطنية والنزاهة وعفة اليد ، وأن يكون ذلك من معايير التقييم الأساسية للموظف الحكومي ، وفي القطاع الخاص كذلك ، بل إن استمراره في العمل وترقيه ينبغي أن يتم على أساس تقييمه على هذه الأسس الأخلاقية التي ينبغي أن تأخذ القسط الأكبر من عملية التقييم .
وبعد،،،
فهذه خطوط عريضة حول الفساد وأضراره، والجهود المبذولة لمكافحته في السودان ، وسوف نتبع هذا المقال بمقالات أخرى إن شاء الله تتناول التجارب الاقليمية والدولية في محاربة الفساد والدروس المستفادة سودانياً ، ذلك أن الفساد ظاهرة عامة لا يكاد يخلو منها مجتمع ، وهناك تجارب ثرة لمحاربته على المستوى الدولي والاقليمي يمكن الاستفادة منها لأن ” الحكمة ضالة المؤمن” .
0 Comments