صدرت عن مركز كارنيغي دراسة قيمة بعنوان ” آفاق مجهولة : الأحزاب الإسلامية ما بعد جماعة الإخوان ” ، اعدها مارك لينش وهو باحث متخصص في مجال “سياسات العالم العربي” ، يعمل لدى مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي .
تقول الدراسة إن الأحزاب الإسلامية العربية تواجه تحديات حقيقية ، اذ يتوجب عليها – بعد عقود من الصراعات والمواجهات مع الأنظمة الاستبدادية، تخوض غمار السياسة في سياقات محلية وإقليمية وداخلية إسلامية جديدة تماماً . لكن الدراسة تقول ، انه ، ورغم السقوط المدوي لجماعة الاخوان المسلمين في مصر ، فان حركات اسلامية اخرى استطاعت ترميم هياكلها وايديولوجيتها واستراتيجيتها بصورة براغماتية مكنتها من التأقلم مع المستجدات بطريقة اربكت المتابعين وخالفت التوقعات . لقد شاركت هذه الاحزاب بفاعلية في الانتخابات التي جرت في بلدانها ، وادارت نقاشات عميقة حول قضايا مهمة مثل : القيادة والايديولوجيا والاستراتيجية . وهو ما يقتضي النظر الى هذه الاحزاب ” ليس بوصفها أطرافاً إيديولوجية محضة، بل كحركات سياسية عقلانية تتفاعل مع فرص وتحديات سياسية مميّزة في كلٍ من بلدانها” .
استنادا الى ذلك ، تقول الدراسة ان الأحزاب الإسلامية ستواصل لعب دور مهم في سياسات معظم الدول العربية، رغم الضغوطات التي واجهتها خلال السنوات الأخيرة. لقد ” موضعت الأحزاب الإسلامية نفسها كحركات وسطية، ووفّرت للمواطنين من ذوي الاتجاهات الإسلامية فرصة المشاركة في حياة سياسية غير عنيفة داخل التيار الرئيس السائد. وهي تربح عبر الدفاع بالتحديد عن هذا الموقع الوسطي، لا بالانسياق نحو المواقف المتطرفة التي تؤدي في خاتمة المطاف إلى تهميشها”.
ولأن الأحزاب الإسلامية تميل إلى التأقلم مع البيئة السياسية التي تعمل في إطارها، يجب على الأنظمة توفير فرص لاستمرار مشاركتها في السياسات الرسمية بدلاً من دفعها إلى العمل السرّي أو المقاومة العنيفة.
كانت هذه الأحزاب قد حصدت انتصارات انتخابية في مصر وليبيا والمغرب وتونس، ولعبت أدواراً رئيسة في الائتلافات السياسية التي تشكّلت بمساندة غربية في سورية واليمن. بيد أن هذه الاستهلالات سرعان ما ارتكست. حيث تنحّى حزب النهضة التونسي عن السلطة في يناير 2014 في خضم اضطرابات سياسية؛ وأثار صعود جماعة الإخوان إلى السلطة في مصر عبر انتخابات برلمانية ورئاسية حركة ارتجاعية عنيفة. وفي غضون تسعة أشهر من انتخاب مرسي رئيسا، إلتأم شمل معظم أطراف الطبقة السياسية في إطار جبهة الانقاذالوطني التي تأسست في ديسمبر 2012، بهدف مُحدد هو ” دحرجة رأسه من السلطة” وقد تمكنت بمساعدة الجيش من ذلك .
هذه الانتكاسات فرضت على الاحزاب الاسلامية ظروفا جديدة ، فمعظم هذه الاحزاب تخوض اليوم غمار بيئة مجهولة المعالم، وتعاني من أشكال جديدة من قمع الدولة، والاستقطاب الاجتماعي، والمتاعب التنظيمية، والتنافسات الإقليمية، والعداء الدولي، والتنافس داخل صفوف الإسلاميين.
ولئن اعتُبِرَ فشل الإخوان المسلمين في مصر مؤشِّراً على وجود حالة مَرَضِيَة أوسع لدى الأحزاب الإسلامية. لكن التطورات اللاحقة، لاتدعم الفرضية القائلة بإن الإسلاميين غير قادرين أصلاً على الاشتراك في السياسات الديمقراطية. فلا تواجه كل الأحزاب الإسلامية آفاقاً قاتمة، فقد وجدت بعض هذه الاحزاب – خاصة خارج مصر – فرصاً جديدة لترقية أجنداتها السياسية. وبدا واضحاً ان السياق السياسي، وليس الخصائص الكامنة في الإيديولوجيا هو المحدد الرئيس لنشاطات الجماعة وتوجهاتها . وقد أشار الى ذلك صراحة الشيخ راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة التونسي في مقابلة اجراها معه الكاتب ( مارك لينش ) في اغسطس 2016م . لذلك يتوصل الباحث الى انه ” يحتمل أن تبقى، البراغماتية والحذر، وليس الإيديولوجيا أو الحماسة الثورية المتَّقدة، هي المبادىء الهادية للأحزاب السياسية الإسلامية الرئيسة، طالما تُوفّر الأنظمة السياسية مثل هذه الفرص” .
وتؤكد الدراسة على انه ” سيكون من السابق لأوانه تماماً شطب الأحزاب والمنظمات الإسلامية. فجذورها المُنغرسة عميقاً في الأرض ومرونتها الحيوية حتى وهي تواجه نظاماً قمعياً استثنائيا، تشي بأنها ستواصل لعب دور حاسم في سياسات المنطقة، كما فعلت منذ عقود” . ولكن لماذا؟
تقول الدراسة ان ثمة سمات أساسية ميّزت الحضور السياسي للأطراف المتفرعة من جماعة الإخوان في العقود التي سبقت الانتفاضات العربية، أبرزها:أنها تميزت بالتراتبية والهيكلية التنظيمية المُحكمة، والحضور العلني البارز للجماعة، وتبنّيها لإيديولوجيا وسطية، ومشاركتها في الانتخابات كلما سنحت لها الفرصة ،واعتناقها مبدأ اللاعنف، مُطمِئَنة بذلك الحكومات الغربية، وحامية لنفسها من قمع الدولة ، ورغم مساندتها لقضايا إقليمية كبرى كقضية فلسطين، إلا أنها ظلت تعطي الأولوية للأهداف السياسية الوطنية على حساب التزاماتها العابرة للوطنيات.ويعتبر الباحث ان هذه السمات مثلت عناصر قوة لازمت الجماعة .
ولكن فيما يتعلق بجماعة الاخوان المسلمين المصرية فقد تبخّرت كل هذه السمات الرئيسة بعد الانقلاب ، ولم يعد لجماعة الإخوان المصرية حضور علني قوي في المجتمع، أو شبكات خدمات اجتماعية واسعة النطاق. وتواجه منظمتها الآن معارضة داخلية، ويُثير أعضاؤها الشك حول مبدأ اللاعنف الذي تعتنق. وقيادتها المُبعثرة باتت أقل قدرة على ممارسة السيطرة على التنظيم، ولم يعد بمقدور الإخوان خوض غمار التنافس الانتخابي في مصر .
لكن ،في بلدان أخرى، تأقلمت المنظمات الإسلامية بشكل مختلف مع هذه التحديات الجديدة. البعض منها حافظ على الأشكال المؤسسية والاستراتيجيات السياسية التي وُضعت قبل انتفاضات 2011، فيما عمدت منظمات أخرى إلى نبذ أو تغيير بعض القسمات الرئيسة لمحاولة الحفاظ على مواقعها السياسية والاجتماعية العامة. كذلك، تباينت الخيارات بين الجماعات الإسلامية: فبعضها نجا من القمع واختار العودة إلى الحياة السياسية، والبعض الآخر انخرط في السياسات مابعد الإسلامية.
بيد أن البيئة السياسية لحقبة مابعد الانقلاب في مصر، ذهبت أبعد بكثير من عملية قمع الدولة. ذلك أن الاستقطاب الذي شقّ الرأي العام حيال مسألة الإسلاموية، قوّض التموضع الدقيق لجماعة الإخوان، وبات من الصعب عليها احتلال موقع الوسط لأنه ببساطة لم يعد هناك وسط. ثم جاء الشعور العميق بالظلم الذي شعر به العديد من أعضاء الجماعة حيال الانقلاب وحملة القمع التي تلته لينسف القيمة المعيارية لاحتلال موقع الوسط. كما أن مابدا أنه تحوّل من جانب الرأي العام المصري ضد الإخوان، فضّ في لحظة ما أمضت الجماعة عقوداً في بنائه، وأثار أسئلة استراتيجية وسياسية أكثر عمقا.
والأرجح أن هذه الحصيلة المصرية هي التي دفعت حزب النهضة إلى أحضان موقف أكثر حَذَراً، يستند إلى التقليل من قيمة الإيديولوجيا لصالح إدماج الجميع. كذلك، خطا حزب العدالة والتنمية المغاربي بعد الانقلاب المصري خطوات عدة نحو المصالحة، تضمنت في ما تضمنت التنازل عن وزارات رئيسة إلى أحزاب موالية للنظام.
لقد كان للانقلاب المصري مضاعفات مدمّرة على استراتيجية إدماج الجميع الديمقراطية. وفي المقابل، عزّزت الحرب الأهلية السورية التوجهات السلفية الطائفية المتطرفة والجهادية السلفية، على حساب براغماتية الإخوان التقليدية الحذرة.
لقد بدا أن الحرب على الإرهاب ضد تنظيم القاعدة غداة هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 ضد الولايات المتحدة ستكون سهلة ويمكن التكهن بأبعادها، مقارنة مع المشهد الراهن المعقّد. لكن، خلال السنوات الثلاث الماضية، لم نشهد صعود الجماعات الجهادية وقمع الآمال الديمقراطية وحسب، بل أيضاً بروز شكل جديد من التعبئة الطائفية والعامة العاتية والفتاكة .
لكن، بدل أن تتموضع جماعة الإخوان بوصفها تجسيداً قوياً للتيار الرئيس الناجح في السياسات الإسلامية، تنحو إلى التناطح مع منافسين إسلاميين متطرفين من موقع معتدل غير فعّال وعاجز.
والآن –يقول الباحث- يبدو من المحتّم أن يدفع السياق الإقليمي الراهن، خاصة التطورات في مصر، الأحزاب الإسلامية بعيداً عن مسارات المشاركة واللاعنف. إذ أن تبنّي بعض الشبان الإسلاميين للمقاومة المسلحة، هو بالتحديد مايمكن توقّعه بعد مجزرة رابعة العدوية وموجة القمع الكاسح التي تلتها.
لقد استأثرت مسألة ماإذا كانت منظمات جماعة الإخوان ستصبح أكثر اعتدالاً حين تُمنح فرصة المشاركة في السياسات الديمقراطية، بالكثير من النقاشات بين علماء السياسة حول الحركات الإسلامية. ،لكن جُل هذه النقاشات خرجت مُحبطة.
لقد تبدّل المشهد الإقليمي والإسلامي جذرياً على مدى السنوات الأخيرة، بحيث بات من المستبعد أن تلعب جماعة الإخوان دور الحاجز ضد التنظيمات المتطرفة والعنيفة، حتى لو كانت لاتزال تريد ذلك. بل غالب الظن أن يؤدّي العنف المتنامي للسياسات الوطنية والإقليمية وتقهقر البدائل الديمقراطية والسلمية إلى دفع الأفكار السياسية التي يتبنّاها الإخوان المسلمون في اتجاهات أكثر تطرّفاً. إن الصدمة الناجمة عن انقلاب العام 2013 تركت تأثيراً بالغاً في نفوس العديد من الأعضاء الشباب. وبالتالي، يبدو أن اللاعنف كاستراتيجية قد باء بالفشل، فيما أولئك الذين يستخدمون العنف باتوا يحققون تقدّماً عبر المنطقة. إذ من الصعب رفع راية اللاعنف بينما يتعرّض الإسلاميون السلميون إلى القمع
وفي خاتمة بعنوان ” ما مستقبل السياسات الإسلامية؟” ، تقول الدراسة ” لاتشي مكابدات جماعة الإخوان المسلمين في مصر بأُفول الإسلاموية. فقد صمدت الحركات الإسلامية سابقاً في وجه حملات القمع الشرسة التي مارستها الدولة. وعلى الرغم من المضايقات التي تعرّضت إليها حركة النهضة في تونس على مدى عقود، إلا انها فازت في الانتخابات بعد أقل من عام على إطاحة الرئيس السابق زين العابدين بن علي. كذلك نجا الإخوان المسلمون في سورية من الحملة التي شنّها ضدّهم نظام الأسد، والتي كانت أقرب إلى التصفية منها إلى القمع، واضطلعوا بأدوار بارزة في مؤسسات المعارضة التي نشأت في أعقاب انتفاضة العام 2011. كما صمد الإخوان المسلمون في مصر في وجه موجة القمع العاتية التي تعرّضوا إليها على يد نظام الرئيس جمال عبد الناصر في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم. ويبدو مُحتملاً أن تعاود جماعة الإخوان النهوض مجدّداً بعد الأزمة الراهنة. لكنها ستعود على الأرجح بحلّة جديدة.
يقول الباحث ان الاسلاميين قد فتحوا النقاش – بحذر – حول هذه الوقائع السياسية الجديدة وبدأوا يعيدون النظر في إيديولوجياتهم واستراتيجياتهم. وتوفّر هذه النقاشات، التي كثيراً ماتُجرى على المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي بشكلٍ علني إلى حدٍّ ما، لمحةً عن الجهود الجماعية التي يبذلها الإسلاميون للإحاطة بالأوضاع الراهنة والتأقلم معها. بيد أنهم لمّا يقطعوا بعد شوطاً كبيراً نحو صياغة توافق جديد. وقد تركت المحن التي تخبّط فيها أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في مصر في العام 2013 بصماتها المريرة والدامغة في نفوسهم، كما أن وقع الانقسامات لايزال مدوّياً حتى الآن. أما بالنسبة إلى الإسلاميين المغاربة والتونسيين والكثيرين غيرهم، فقد استأثرت متطلبات السياسات المحلية بكامل اهتمامهم. وفي ساحات الوغى مثل ليبيا وسورية، شكّلت ظروف الصراع وجاذبية الإيديولوجات الأكثر تطرّفاً عقبات كأداء يصعب تجاوزها.
ويبدو واضحا ان دراسة لينش ورغم الجهد البحثي العميق ، قد توصلت الى نتائج واضحة معلومة لدى الجميع ، وهي ان القمع يولد الشعور بالظلم الذي يولد- بدوره- الرغبة في الانتقام ، وان بسط الحريات وكفالة الحق في العمل السياسي الجهير ، وتوفير فرص التعبير ، والسماح بالعمل السياسي المنظم ، واشاعة قيم التسامح، واحترام حق الاختلاف هي الضمانات الاساسية لنظام سياسي يحقق الامن والاستقرار ويجنب البلدان مثالب الصراع والاحتراب والاستقطاب .وحسنا فعل الباحث حين قال ” يجب على الأنظمة توفير الفرص لاستمرار مشاركة الاحزاب الاسلامية في السياسات الرسمية بدلاً من دفعها إلى العمل السرّي أو المقاومة العنيفة.” . فأي الطريقين ستختار القيادات العربية والاسلامية : الافاق المجهولة التي يمكن أن تسير فيها هذه الحركات حال استمرار القمع والتضييق عليها ، أم الاستراتيجيات المدروسة التي تشجع الحركات الاسلامية على الانخراط في العمل السياسي السلمي القائم على التسامح والوفاق الوطني؟ .
0 Comments