أصبحت الأحزاب السياسية ظاهرة لا غنى عنها لكافة المجتمعات: المتقدم منها والمتخلف على حد سواء، وتوارت الى حد كبير الأفكار القائلة بان الأحزاب السياسية مصدر للتشظي والانقسام ومدخل للصراع والفوضى، وحلت محلها نظرة واقعية ترى أن الأحزاب السياسية ضرورة ملحة في عالم اليوم الذي يتسم بالتعقيد والتطورات السريعة، وان تعقيدات الواقع وتطوراته جعلت من الصعب – ان لم يكن من المستحيل – أن نتصور مجتمع سياسي دون أحزاب.
في السودان برزت الأحزاب السياسية منذ اربعينيات القرن الماضي حيث ظهر حزب الاشقاء في العام 1944 ثم حزب الامة في العام 1946م ثم توالت نشأة الأحزاب السياسية كالحزب الشيوعي والحركة الإسلامية وغيرها .
لكن ، وكما في غيره من البلدان ، يدعي كل حزب في السودان بانه الأقوى والاقرب الى نفوس الجماهير والاجدر بقيادة البلاد ، وينحت كل حزب معياره للفاعلية مركزاً على جوانب تفوقه على الأحزاب والقوى الأخرى على الساحة السياسية ، فمنها ما يركز على نتائج اخر انتخابات ديمقراطية جرت في البلاد ، ومنها ما يركز على تغلغله وسط ” القوى الحديثة ” ، ومنها ما يركز على الدور التاريخي ، ومنها ما يركز على الشريحة القيادية وقدرتها على ابتداع الحلول ، ومنها ما يركز على قوة وتطور برنامجه ، ومنها ما يركز على انتظام مؤتمراته وانتخاب قياداته بصورة دورية ، الى غير ذلك من المعايير . ووسط هذه الادعاءات والمغالطات وغياب المعايير الموضوعية والمتفق عليها، تضيع الحقائق، وتقلب الأمور – في بعض الأحيان – رأساً على عقب، وتتكئ الأحزاب على فاعليتها (المفترضة)، فتقعد عن تقييم أدائها وتطوير برامجها وهياكلها، ويغشاها الجمود والتخلف، فتعجز عن مواجهة قضايا الواقع.
ان المعايير والمؤشرات التي تقول بها هذه الأحزاب تتكامل ولا تتضارب ويرجو المرء ان تجتمع كلها عند كل حزب من الأحزاب السياسية لتزيده قوة وقدرة على الفعل السياسي الإيجابي الذي يصب في مصلحة البلاد.
لذلك يعتقد الكاتب انه لا بد من إيجاد معايير موضوعية لقياس فاعلية الأحزاب السياسية: كماً ونوعاً، نتجاوز بها الادعاءات الجوفاء للأحزاب السياسية، وتكون بمثابة معايير ومؤشرات موضوعية تستخدم في إطار ” التقييم الذاتي” من قبل الأحزاب السياسية.
ومع ايماننا التام بان ” وضع إطار وطني لتقييم فاعلية الأحزاب السياسية” لا يمكن أن ينهض به فرد واحد، وانما يحتاج الى فريق عمل يتبناه أحد المراكز البحثية السودانية، لكننا نرمي الى اثارة الموضوع والتنويه بأهميته، ورسم خارطة طريق مرنة لإنجازه واعتماده معياراً للتقييم الذاتي من قبل الأحزاب السياسية نفسها لمعرفة جوانب قوتها ومكامن ضعفها لتعزيز ايجابياتها ومعالجة أوجه القصور في أدائها.
في هذا الصدد فإننا نعتقد بان أهم مؤشرات قياس فاعلية الأحزاب السياسية تتمثل في القواعد الجماهيرية، والبناء التنظيمي، والبرنامج، والقيادة واليات الخلافة السياسية، ومصادر التمويل. وبالطبع فان هذه المؤشرات هي مجرد امثلة، ويمكن لآخرين ان يأتوا بمؤشرات أخرى حتى تكتمل الصورة، ويتم التوصل الى مؤشرات وطنية لقياس فاعلية الأحزاب السياسية.
وبالطبع فان اختيار المؤشرات ليس أمراً اعتباطياً، وانما يتم اختيارها على أسس موضوعية تقوم على أهمية ومركزية المؤشر المراد تضمينه في المعايير الوطنية، وأثره على فاعلية الأحزاب، وفي هذا الصدد سنقوم بتوضيح أهمية المؤشرات التي ذكرناها كنماذج قبل ان ندلف الى شرح كيفية وضع مؤشرات الإطار الوطني.
1/ القواعد الجماهيرية:
تعد الجماهير أهم عناصر الحزب السياسي على الإطلاق لأنها تلعب دور الحاسم في وصول أو عدم وصول الحزب إلى السلطة، لأن هذه الجماهير هي التي تساعد الحزب معنوياً وتدعمه مادياً من أجل تحقيق أهدافه، وكلما زاد عدد المنتمين للحزب والمتعاطفين معه، كلما أشار ذلك إلى قوة الحزب وفاعليته، وبالتالي زيادة فرصته في الوصول إلى السلطة والاستمرار فيها لأن الحزب – ببساطه -هو جماعة تسعى للوصول للسلطة، ولن يصل الحزب للسلطة دون جماهير عريضة تسنده وتصوت لمرشحيه.
وبسبب الاهمية الكبرى التي تعلقها الاحزاب السياسية على العضوية المنظمة للحزب، تنشئ غالبية الاحزاب السياسية أمانة أو سكرتارية خاصة بشؤون العضوية، تسعى الى استقطاب الافراد وتسجيل البيانات الخاصة بهم وتتسلم – بالتنسيق مع الجهات المسؤولة عن مالية الحزب – اشتراكاتهم وتبرعاتهم، وتحتفظ بسجلات كاملة للعضوية، بالإضافة الى خطط التجنيد والاستقطاب.
وفي الواقع تتضمن القاعدة الجماهيرية للحزب العضوية الملتزمة والمناصرين للحزب، وعلى الرغم من الدور المهم للمناصرين للحزب خاصة في موسم الانتخابات، الا انه كلما كانت العضوية المنتظمة في الحزب تشكل نسبة أكبر، كلما أشار ذلك الى وضع أفضل للحزب، لان دور المناصرين ينتهي عند حد التصويت، لكن دور العضوية المنتظمة يظل حاضراً في كل الاوقات، وهم الذين يدعمون الحزب مالياً، وسياسياً، واعلامياً. لذلك فعند قياس القاعدة الجماهيرية للحزب، ينبغي الاهتمام بنسبة عضوية الحزب الى مجموع سكان الدولة على افتراض ان الحزب قومي ويتوجه برسالته الى عموم افراد الشعب، بالإضافة الى معرفة نسبة كل من العضوية الملتزمة والمتعاطفين، ويسهل قياس ذلك عقب مواسم الانتخابات حيث يتم طرح العضوية المنتظمة في الحزب من مجموع الاصوات التي حصل عليها الحزب في الانتخابات لمعرفة عدد المتعاطفين مع الحزب من جماهير الحزب.
وعلى الرغم من أن الأصوات تعد ولا توزن مما يشير إلى عدم أهمية الوعي السياسي والمستوى التعليمي وسط القواعد في مواسم الانتخابات، لكن الوعي السياسي والمستوى التعليمي العام وسط الأعضاء والمتعاطفين مع الحزب، والاستعداد للتضحية من أجل تحقيق الأهداف، والقدرة على التخطيط، كلها عناصر تدخل ضمن قوة الحزب الجماهيرية. كما أن إدراك القاعدة لأهداف الحزب وبرامجه، وإيمانها بهذه الأهداف، يلعب دوراً حاسماُ في وصول الحزب لأهدافه بسهولة ويسر.
كذلك فان العضوية النسوية في الحزب وعدد النساء المتعاطفات مع الحزب يشير الى درجة اهتمام الحزب بشريحة النساء وهن نصف المجتمع، كما يشير الى وعيه بقضايا النساء، وحرصه على قضايا النوع. كذلك فان تنوع عضوية الحزب كان يشتمل على شرائح مختلفة (عمال، مزارعين، تجار، مثقفين) يدل على قوة الحزب وقدرته على الاستقطاب.
كذلك لا يكفي مجرد تسجيل الاعضاء والحرص على جمع الاشتراكات من الاعضاء واستنفارهم في موسم الانتخابات، وانما لا بد من تواصل قيادة الحزب مع قواعدها الجماهيرية، وتبصيرهم بالقضايا القومية والمحلية، وشرح مواقف الحزب ازاء القضايا المختلفة، كما لا بد من اظهار الحزب لتعاطفه مع قضايا الجماهير، وكل ذلك يقتضي التواصل المستمر بين قيادة الحزب وقواعده الجماهيرية وفتح قنوات التواصل مع الجماهير لمعرفة قضاياهم وتوجهاتهم ومطالبهم.
لذلك فان الإطار الوطني لابد ان يتضمن في هذا الصدد مؤشرات مثل: نسبة أعضاء الحزب المسجلين رسمياً الى المجموع الكلي لسكان الدولة، درجة التزام الاعضاء بدفع الاشتراكات السنوية وذلك لمعرفة مدى التزام العضوية بالواجبات الملقاة على عاتقها تجاه الحزب. هل هناك تنوع في العضوية (عمال، مزارعين، تجار، مثقفين …. الخ؟ أم أن هناك تركيز كامل على شريحة واحدة من الشرائح المجتمعية؟ وذلك لمعرفة درجة تنوع عضوية الحزب والتأكد من انفتاح الحزب على كل شرائح المجتمع. كم تبلغ نسبة النساء من العدد الكلي لعضوية الحزب؟ وذلك لمعرفة درجة اهتمام الحزب بالنوع اثناء عملية الاستقطاب الجماهيري. هل هناك تواصل مستمر بين أعضاء الحزب (لقاءات مباشرة / من خلال الهاتف / وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة) وذلك لمعرفة درجة الترابط بين أعضاء الحزب، والتأكد من قدرة الحزب على التنسيق مع عضويته، وبالتالي قدرته على التحرك السريع لمواجهة المستجدات. هل هناك أمانة أو سكرتارية لشؤون العضوية بالحزب ؟، وإذا كانت موجودة هل هي مهتمة بالاستقطاب وتسجيل العضوية أم لا؟ كم نسبة الاعضاء الذين يحملون شهادات جامعية أو فوق الجامعية في الحزب؟ وذلك لمعرفة نوعية العضوية، ودرجة تأهيلها، وفاعليتها. الى غير ذلك من الأسئلة التي تعطي الإجابة عليها رؤية شاملة حول القواعد الجماهيرية للحزب.
2/ البناء التنظيمي:
التنظيم، كما هو معلوم، ركن أساسي من أركان الحزب يتوقف بقاء الحزب ووجوده عليه، إذ لا يمكن الحديث عن الحزب دون وجود هيكل تنظيمي يوضح العلاقات الأفقية والراسية في الحزب، ويحدد الواجبات والصلاحيات التنظيمية داخل الحزب.
وتختلف البنيات التنظيمية من حزب لآخر تبعاً لظروف كل حزب، ولكن بشكل عام كلما كان الحزب كبيراً وفاعلاً كلما ازداد هيكله التنظيمي تعقيداً وغموضاً، وكلما كان الحزب صغيراً ومحدود الأداء، كلما كان هيكله التنظيمي بسيطاً.
والهيكل التنظيمي – على الرغم من وجوده في كل الأحزاب – إلا أنه يعكس درجة المؤسسية السائدة في الحزب، لان الهيكل التنظيمي يشير إلى آليات صنع القرار في الحزب، وذلك بعكس الأحزاب الشخصية الدكتاتورية التي يتحكم فيها فرد واحد، أو جماعه قليلة العدد في إصدار القرارات والأوامر داخل الحزب، والهيكل التنظيمي الجيد هو الذي يقوم على أساس تسلسل هرمي محدد بصورة قاطعة، ومعروف لدى الأعضاء، ومنصوص عليه في دستور الحزب ولوائحه، ونظمه الأساسية، كما أنه ملزم للمستويات المختلفة داخل الحزب.
لكن الأحزاب غير الديمقراطية لا يوجد فيها مثل هذا التسلسل الهرمي المعروف، وان وجد – من الناحية النظرية -فان القيادة كثيراً ما تتجاوزه بحجج واهية وتفسيرات تبريرية تحقيقاً لمصالحها، وسعياً نحو التحكم في الأمور.
وربما تتمكن القيادة من تجاوز مؤسسات الحزب وهياكله التنظيمية رغم وجودها لعدم إدراك المستويات الدنيا لصلاحيتها وحقوقها، فتستغل القيادة جهل القواعد والقيادة الوسيطة لتجاوز المؤسسية.
والهياكل التنظيمية تتضمن – أحياناً – طرق تصعيد القيادات السياسية إلى أعلى، كما تتضمن – في بعض الأحيان – آليات الرقابة والمحاسبة والمساءلة والمتابعة وفقاً للتسلسل الهرمي الموجود في الهيكل التنظيمي، وبالتالي فإن البناء التنظيمي، والعلاقات الرأسية والأفقية تعد من أهم معايير قياس الفاعلية السياسية للأحزاب، فكلما كان التنظيم السياسي متماسكاً، والعلاقات التنظيمية واضحة ومحددة ،كلما كان الحزب أكثر فاعلية، وعلى العكس من ذلك، كلما كان البناء التنظيمي هشاً وضعيفاً، والعلاقات الرأسية والأفقية غير محددة بوضوح، كلما أشار ذلك إلى ضعف فاعلية التنظيم.
وحول البناء التنظيمي للأحزاب لا بد أن يتضمن الإطار الوطني مؤشرات مثل: هل هناك هيكل تنظيمي واضح للحزب؟ وهل الهيكل التنظيمي منصوص عليه في النظام الاساسي للحزب؟ هل الهيكل التنظيمي معروف تماما لقيادات الحزب؟ وهل يحتكم الى الهيكل التنظيمي في تحديد الصلاحيات والواجبات؟ الى غير ذلك من الأسئلة التي تشير الى فاعلية الهيكل التنظيمي للحزب.
3/ البرنامج:
البرنامج الحزبي هو العهد المبرم بين الحزب والجماهير، الذي يسعى الحزب جاهداً لتحقيقه في واقع الناس، ويستمد البرنامج – عادة من واقع الناس وحياتهم وطموحاتهم.
فالحزب لدى صياغته للبرنامج ينبغي أن يدرس جيداً احتياجات الناس وهمومهم ومطالبهم ويصوغها في شكل برنامج يتبناه، وتبنيها الحزب.
وينبغي أن تراجع البرامج من وقت لآخر حتى تكون مواكبه للتطورات الحادثة في المجتمع، ذلك أن تغير الواقع يقتضي تغييراً في برنامج الحزب.
وينبغي على الحزب أن لا يسرف في وعوده للناخبين حتى لا يتهم بالعجز والفشل في تحقيق أهداف الجماهير لاحقاً، بل عليه أن يكون واقعياً في طرحه، ومتوازناً بلا إفراط أو تفريط.
وتسعى الأحزاب إلى أن تكون برامجها شاملة لكل أوجه الحياة: الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والثقافية، وأن يراعي مصالح الفئات المختلفة بحيث يجد فيه كل فرد ما يصبو إليه.
كذلك يعمل الحزب على صياغة برنامجه بصورة تستجيب للمشكلات الموجودة في المجتمع، ويقدم لها الحلول الناجعة. كما يجب أن يقدم الحزب برنامجه في قالب جميل وجذاب دون أن يكذب أو ينافق الجماهير. وأن يصاغ بعبارات واضحة ومباشرة ومفهومة لدى الجماهير.
وحول برامج الأحزاب السياسية لا بد أن يتضمن الإطار الوطني مؤشرات مثل: هل يوجد برنامج مكتوب للحزب؟ من يعد البرنامج؟ هل يصل هذا البرنامج للجماهير؟ هل يلتزم الحزب بتنفيذ البرنامج بعد وصوله للسلطة؟ هل تتم مراجعة البرنامج من وقت لآخر؟ لان مثل هذه الأسئلة من شأنها أن توضح درجة اهتمام الحزب بالبرنامج وتطويره والالتزام به حال وصوله للسلطة.
4/ القيادة وآليات الخلافة السياسية:
ويقصد بها آليات انتقال السلطة والقيادة من شخص إلى آخر بطريقة سلسة وقانونية وشرعية، وإمكانية تبادل المواقع القيادية وإحلال الأشخاص بعضهم لبعض بصورة سلمية، وينبغي أن تكون الطرق سالكة ومفتوحة داخل هياكل الحزب للصعود والهبوط وفقاً لمعايير وآليات متفق عليها ومنصوص عليها في دستور الحزب ولوائحه.
وتعد آلية الخلافة السياسية من أهم المعايير المستخدمة في قياس الديمقراطية والفاعلية في الأحزاب السياسية، لأنها تشير إلى درجة المؤسسية السائدة في الحزب، وتتيح فرصاً متساوية أمام أعضاء الحزب للترقي على أسس موضوعية وفقاً لكسبهم، وتضحياتهم، وقدراتهم الذاتية، مما يقود إلى التنافس الشريف بين الأعضاء وصولاً إلى أعلى المراكز القيادية في الحزب.
وتعد إشكالية الخلافة السياسية من كبريات المشاكل داخل الأحزاب السياسية حيث لوحظ وجود قيادات حزبية استمرت في مواقعها القيادية لعقود من الزمان دون أن تفسح المجال لقيادات جديدة، وهو ماد قاد إلى تكلس هذه الأحزاب السياسية، وأدى إلى حالة من الركود واليأس داخل هذه الأحزاب، وانعكس سلباً على أدائها بشكل عام.
لقد أدى ذلك إلى انعدام روح المبادرة، وسيادة، روح اللامبالاة، وغياب روح المنافسة الشريفة، وقاد في أحيان كثيرة إلى انقسامات حادة داخل التنظيمات السياسية، قادها أشخاص أغلقت الأبواب في وجوههم وحرموا من شغل المواقع القيادية بسبب وجود (القيادات الحزبية التاريخية).
ولم تكتف القيادات القديمة بذلك، بل أشاعت بعض الآراء القائلة بعجز القيادات الشابة عن إدارة الأمور، وأن الحديث عن استبدال هذه القيادات يعني عدم الاستفادة من الخبرات التي تراكمت لدى هؤلاء القادة، وألبوا الجماهير ضد القيادات الشابة التي تسعى للترقي داخل أجهزة الحزب.
أن علاقة القيادة واليات الخلافة السياسية بفاعلية الحزب وأدائه لا تخطئها العين، لأن القيادات التي استمرت على قمة الحزب السياسي غالباً يقل عطاؤها مع الزمن، وتعجز في بعض الأحيان عن توجيه أمور الحزب بالصورة المطلوبة، أو تكون غير قادرة على اتخاذ الموقف المطلوب في الوقت المناسب مما يتسبب في تفويت مصالح الحزب، فضلا عن ان حالة الاستياء التي يخلفها عدم اتاحة الفرصة للأجيال الجديدة من شأنه ان يقود الى حالة من اللامبالاة يتبعها ضعف عام في الأداء والانجاز.
وفي في إطار السعي لمعرفة حالة القيادة في الحزب يمكن تضمين بعض المؤشرات المهمة في الإطار الوطني المقترح مثل: هل هناك الية محددة للخلافة السياسية وتغيير القيادات في الحزب؟ وهل الية تغيير القيادة عرفية أم منصوص عليها في اللوائح الداخلية للحزب ام في النظام الاساسي؟ هل البنود المتعلقة بالخلافة السياسية معروفة لقادات وجماهير الحزب؟ وهل هي مطبقة فعلاً؟ هل هناك دورات محددة في النظام الأساسي للحزب لا يمكن تجاوزها تحت كل الظروف؟ هل تعقد مؤتمرات الحزب والتي لها حق تغيير القيادات وانتخابها دورياً؟ .
5/ التمويل:
المال هو الأساس لكل عمل سياسي ناجح، ولا يتأتى النجاح لعمل سياسي يفتقر إلى التمويل مهما بذل فيه من جهد فكري ونشاط سياسي، وتحتاج الأحزاب للمال من أجل تمويل أنشطتها المختلفة والقيام بالحملات الإعلامية والتعبوية اللازمة، كما تحتاجه لتمويل حملاتها الدعائية في مواسم الانتخابات، وتحتاج الأحزاب للمال كذلك كوسيلة من وسائل الاستقطاب الجماهيري من خلال تقديم الخدمات للجماهير.
لكن مشاكل التمويل من أكبر العقبات التي تواجه نشاط الأحزاب بشكل عام وفي العالم الثالث بشكل خاص، وتعجز أحزاب عن الوصول إلى السلطة رغم وضوح أهدافها وبرامجها بسبب مشاكل التمويل، وتفوز أحزاب تفتقر للرؤية والتفكير الاستراتيجي لأنها تمتلك المال.
وبالتالي تسعى الأحزاب جاهدة للحصول على المال اللازم لتسيير أمورها، لكن الحصول على المال فيه الكثير من المحاذير والمخاطر، إذ توجد جهات أجنبية تسعى للأحزاب لتقدم لها المال مقابل أن يقوم هذا الحزب بتحقيق مصالح هذه الجهات عند وصوله السلطة فترتهن – بذلك -إرادة الدولة للخارج بسبب ارتباط الحزب الحاكم بجهات أجنبية تعمل ضد مصلحة البلاد وأهلها.
وبالتالي لابد من البحث عن مصادر للتمويل لا تنتهك حرمات البلاد واستقلالها، ولا تكون قيداً على تصرفات الحكومة المنتخبة. في ذات الوقت، فإن مصادر التمويل الداخلية شحيحة إلى حد كبير بحيث لا تغطي إلا جزءاً يسيراً من نفقات الحزب، وبالتالي فإن الأحزاب الفاعلة هي التي تستطيع أن تجد لنفسها مصادر لتمويل برامجها دون الدخول في علاقات مشبوهة مع جهات أجنبية.
وتقوم الأحزاب الوطنية عادة بالاعتماد على مصادرها الذاتية: اشتراكات وتبرعات الأعضاء، الاستثمارات الخاصة بالحزب. الخ بحيث تمول أنشطتها وتحافظ – في ذات الوقت – على استقلاليتها ووطنيتها.
وفيما يتعلق بالتمويل يمكن تضمين المؤشرات التالية في الإطار الوطني لقياس فاعلية الأحزاب السياسية وهي: هل للحزب مصادر تمويل معروفة؟ ما هي المصادر الرئيسية للتمويل؟ هل هي اشتراكات / تبرعات / استثمارات الحزب؟ هل تكفي مصادر التمويل في الحزب لتمويل برامجه ومشروعاته؟ وإذا كانت لا تكفي فمن أين يسد العجز في ميزانيته؟ هل توجد جهات خارجية تمول الحزب؟ هل هذه المصادر من حكومات؟ أحزاب خارجية؟ ما الدافع من تمويلها للحزب؟ هل بسبب الاشتراك في الأيديولوجية السياسية؟ هل بناء على شروط معينة؟ ما نوع هذه الشروط؟ سياسية أم اقتصادية أم ثقافية؟ هل تضر هذه الشروط بالمصلحة الوطنية أو بالبيئة السياسية الداخلية أم لا؟
يتضمن الإطار الوطني المقترح مؤشرات رئيسية بالإضافة الى مؤشرات فرعية بحيث توضع درجة لكل مؤشر فرعي ويقوم الحزب المعني بتقييم أدائه وفاعليته” تقييماُ ذاتياً” على أساس هذه المؤشرات التي توضع في نموذج مفصل ومبسط يسهل استخدامه، بحيث يقوم الحزب برصد درجاته على أساس موضوعي ويتم جمع هذه الدرجات وتحليلها بما يمكن من معرفة جوانب القصور لتلافيها مستقبلاً، كما يظهر جوانب القوة لتعزيزها وتقويتها.
إن المؤشرات الرئيسية الخمسة الواردة أعلاه وما تضمنته من مؤشرات فرعية هي مجرد نماذج لما يمكن أن يتضمنه الاطار الوطني لفاعلية الأحزاب السياسية ، وقد فرغ الكاتب من اعداد دراسة علمية حول هذا الموضوع ، لكن ، وكما سبقت الإشارة ، فان الامر يحتاج الى تضافر الجهود، وان يتبنى أحد المراكز البحثية هذا المشروع ، بما يمكن من وضع هذا الاطار الوطني الذي سيكون له أكبر الأثر في الارتقاء بالواقع السياسي السوداني ، ويساعد القوى السياسية المختلفة في تقييم وتقويم وتوفيق أوضاعها بما يعود بالنفع على كل البلاد ويضبط الممارسة السياسية ويؤطرها بحدود واضحة تقوم على أسس علمية موضوعية.
0 Comments