تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Dr.Baha'a Makkawi

المعنى اللغوي لكلمة قرار: جاء في (مختار الصحاح) لمحمد بن ابي بكر الرازي أن القَرار: المستقر من الأرض ويوم القَرِّ بالفتح هواليوم الذي بعد يوم النحر لأن الناس يقرون في منازلهم، َ والقَرارُ في المكان الاسْتِقْرارُ فيه، تقول قرِرْتُ بالمكان بالكسر أقر قَراراً، وقَرَرْتُ أيضا بالفتح أقر قَراراً، وقارَّهُ مُقارَّةً أي قر معه وسكن ([1]). وتشير كلمة قرار في اللغة العربية بشكل عام الى الاستقرار على امر والميل اليه واختياره دون غيره، او هو ما قر عليه الرأي في الحكم على مسألة معينة، وكلمة قرار ايضاً تعنى القطع اي قطع عملية التفكير والشروع في العمل، وقد جاء في القران على لسان بلقيس ملكة سبأ ” قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ ([2]) “. المعنى الاصطلاحي للقرار: أما اصطلاحا فيشير مفهوم القرار -بشكل عام -الى “اختيار البدائل الارجح أو الأمثل ” ([3])، كما يعني ” ما يستقر عليه من موقف واع لمن له حق البت في امر ما بعد التأمل الذهني في الخيارات المتاحة ” ([4]) أما عن القرار السياسي فقد جاء في موسوعة العلوم السياسية الصادرة عن جامعة الكويت ان القرار السياسي يعني “قيام من هم في مواقع السلطة والمسؤولية أو من تتوافر له أو لهم القوة والقدرة، باختيار أحد الحلول البديلة المطروحة لمواجهة مشكلة ما. من ثم فان القرار هو “وصفة” أو التزام بالتصرف أو بالعمل على نحو معين من قبل أصحاب السلطة والنفوذ “ ([5]). وهناك من يعرف القرار السياسي بانه عملية تخطيط اقتصادي أو اجتماعي او ثقافي شاملة أو جزئية تصدرها القيادة السياسية في البلاد، وينبغي توفر الخصائص التالية في القرار السياسي:
  • صدوره عن شخص ذي صفة سياسية أو من خلال أحد أجهزة السلطة السياسية، بمعنى صدوره عن سلطة قانونية مخولة ومقبولة.
  • القوة الالزامية: أي ان يحمل في طياته قوة جبرية بالطاعة والتنفيذ.
  • العمومية: بمعنى انه يمس الشؤون العامة والحاجات الجماعية ([6] ).
أما عملية صنع القرار فهي أكثر اتساعا من القرار نفسه،” لان القرار تعبير عن المخرجات التي ترتبط بالموقف، أما عملية صنع القرار فهي كل ما يرتبط بالموقف من مدخلات ومخرجات، فضلاً عن التفاعل بينها”([7])  . ومع أن هناك اختلافات واسعة حول مفهوم صناعة القرار، ولكن يمكن التمييز -بشكل عام -بين ثلاثة اتجاهات في هذا الصدد، هذه الاتجاهات تتمثل في الاتي: الاتجاه الأول: الاختيار من بين بدائل: يرى هذا الاتجاه ان جوهر عملية صنع القرار هو الاختيار الواعي بين مجموعة من البدائل المتاحة بهدف تعظيم المكاسب وتفادي أو تقليل الخسائر، فعلى سبيل المثال هناك من يعرف عملية صنع القرار السياسي على انها هي ” الكيفية التي يمكن من خلالها التوصل إلى صيغة عمل معقولة بين عدة بدائل متنافسة، وكل القرارات ترمي إلى تحقيق أهداف معينة، أو تتجنب حدوث نتائج غير مرغوب فيها” ([8]). وطبقا لريتشارد سنايدر فان عملية صنع القرار السياسي هي ” العملية الاجتماعية التي يتم من خلالها اختيار مشكلة لتكون موضعاً لقرار ما، وينتج عن ذلك عدد محدود من البدائل يتم اختيار أحدها لوضعه موضع التنفيذ والتطبيق “([9]). وبالتالي فإن عملية صنع القرار تهدف للتوصل إلى رصد كل البدائل والخيارات الممكنة بما يمكن متخذ القرار من الاختيار من بينها على بينة وبصيرة، مدركاً لأبعاد الموضوع، ملماً بكافة الاحتمالات الممكنة، مستعداً للتعامل معها. كما يشير هذا التعريف الى وجود عدة خيارات وبدائل فيما يتعلق بالقرارات التي يمكن ان تحقق الهدف المنشود او مواجهة القضية التي يسعى صانع القرار الى مواجهتها واتخاذ قرار بشأنها، لكن هذه الخيارات وتلك البدائل تختلف في درجة معقوليتها، وفي قدرتها على مواجهة الظروف التي اقتضت صناعة القرار واتخاذه، فهناك بدائل يمكن أن تحقق الهدف المنشود ولكن بتكلفة عالية، بينما تحققه بدائل اخرى بتكلفة أقل، لذا فإن هدف صانع القرار هو الوصول الى قرار يحقق الهدف وبتكلفة أقل. وللوصول الى قرار موضوعي يعالج القضية المطروحة بأقل خسائر، يحتاج صانع القرار الى معلومات وافية وصحيحة حول الموضوع بما يمكنه من فهم الموضوع ورصد البدائل المتاحة بشأنه، ويقيم هذه البدائل لمعرفة جوانب القوة ومواطن الضعف في كل بديل من هذه البدائل. بالإضافة الى المعلومات الوافرة والصحيحة حول الموضوع، لابد ان تتوافر في صانع القرار نفسه قدرات تحليلية واستنباطية واستشرافية عالية تمكنه من فهم البيئة التي سيتخذ فيها القرار، بحيث يستطيع صياغة البدائل الواقعية مصحوبة بمعلومات وافية وعميقة حول مزايا ومخاطر كل بديل، والنتائج المتوقعة حال اختياره، ومقترحات محددة بالمعالجات التي يمكن أن تقلل من اثاره السالبة. كما بإمكان صانع القرار ان ينصح متخذ القرار، وان يرجح له أحد الخيارات على الخيارات الأخرى استناداً الى معلوماته الوافرة حول الموضوع، وعلى قدرته الاستشرافية التي يمكن ان تسهم في التنبؤ بالنتائج المترتبة وردود الفعل المتوقعة على اختيار كل بديل من البدائل التي يقترحها. الاتجاه الثاني: القرار هو خيار القيادة السياسية: – يرى هذا الاتجاه ان القيادة السياسية هي محور القرار، ويركز هذا الاتجاه على طبيعة النخبة السياسية وقيمها وتفضيلاتها باعتبار ان هذه النخبة هي التي تصنع وتنفذ  القرارات المهمة والمصيرية في مجتمعاتها وان كل مجتمع تحكمه نخبة سياسية لها مصالحها وقيمها التي تحدد رؤيتها ، وتؤثر على خياراتها .وهناك من يرى أن دور القيادة السياسية يتمثل في ” تحديد أهداف المجتمع السياسي وترتيبها تصاعدياً حسب أولوياتها، واختيار الوسائل الملائمة لتحقيق هذه الأهداف بما يتفق مع القدرات الحقيقة للمجتمع، وتقدير أبعاد المواقف التي تواجه المجتمع واتخاذ القرارات اللازمة لمواجهة المشكلات والأزمات التي تفرزها هذه المواقف  ” ، ولكن “في إطار تفاعل تحكمه القيم والمبادئ العليا للمجتمع ” مع ضرورة عدم الخلط بين  القائد السياسي ” الفرد” ، والقيادة السياسية ” بمعنى النخبة الحاكمة ” ، فقد يكون القائد شخص واحد قائد يمارس السلطة السياسية ويقرر في شؤون المجتمع بمفرده ، وقد تكون القيادة السياسية “طبقة حاكمة “تتضمن عنصرين هما : القائد والنخبة السياسية ، وكل ذلك يرتبط بطبيعة النظام السياسي ( فردي، أو ارستقراطي ) ([10] ). الاتجاه الثالث: التوفيق بين المصالح: يرى رواد هذا الاتجاه أن النظام السياسي هو مجموع التفاعلات المؤسسية والسلوكية المرتبطة بصنع القرار السياسي، و القرار السياسي هو مجموعة من الاجراءات المعقدة والمتداخلة التي تهدف الى التوفيق بين المصالح والمواقف والاراء المختلفة داخل المجتمع ،  وتنطوي هذه العملية على المساومة  (Bargaining) والتفاوض (Negotiation) والتسوية (Compromise) ، وبالتالي فان القرار السياسي هو “ محصلة التفاعلات الرسمية وغير الرسمية التي تتم بين الفاعلين السياسيين في اطار الايديولوجيا والثقافة السائدة ، ومن خلال الابنية والمؤسسات القائمة “ ووفقاً لديفيد ايستون فان الوظيفة الرئيسية للنظام السياسي هى التوزيع السلطوي للقيم في المجتمع، اى عملية صنع القرارات الملزمة والتي تتم عبرالمراحل التالية:
  • المدخلات: وهي الضغوط والتأثيرات التى يتعرض لها النظام السياسي وتدفعه الى النشاط والحركة، وتنقسم الى مجموعتين:
  • المطالب: ويتم التعبير عنها وبلورتها في برامج مبسطة عن طريق جماعات المصالح والأحزاب السياسية، وقادة الرأي، ووسائل الاعلام، ومن ثم يستطيع النظام السياسي ان يستجيب لها بصورة أكثر فاعلية.
  • المساندة: يعتمد استمرار النظام على ضمان حد أدلى من الولاء والمساندة لأنه إذا نقص التأييد بات النظام فى خطر وتهديد من البيئة المحيطة به.
  • التحويل: وهي تشير الى استيعاب المطالب في ابنية النظام التشريعية والتنفيذية قبل ان تظهر في شكل مخرجات. ان التحويل هو بمثابة عملية تصنيف للمطالب وتحديد اهميتها.
  • المخرجات: هى تمثل استجابة النظام للمطالب الفعلية او المتوقعة، بعبارة اخرى، فان المخرجات هي السياسات والقرارات التى تتعلق بالتوزيع السلطوي للموارد.
  • التغذية الاسترجاعية: وتشير الى تدفق المعلومات من البيئة الى النظام السياسى الناتجة عن افعاله (اى عن الاثار التى احدثتها قراراته وسياساته ([11]).
لكن التوزيع السلطوي للقيم في المجتمع، والذي يتم من خلال عملية صنع القرارات الملزمة لا يمكن ان يتم بصورة فاعلة ما لم يكن هناك اتصالا فعالا بين النظام السياسي وبيئته او ما يسمى بعملية الاتصال السياسي، وقد شبه جبرائيل ألموند الوظيفة الاتصالية بالدورة الدموية التي تغذي كل أجزاء الجسم. لذلك استخدم كارل دويتش) (Karl Deutsch مدخلاً جديداً للتحليل السياسي يقوم على نظرية الاتصال والتحكم (السيبرناتك)، وهو الدراسة المنظمة للاتصال والتحكم في المنظمات بكل أنواعها. وفقاً لدويتش فإن السيبرناتك في حقيقته ينطوي على نقل الرسائل وفهم عمليات الضبط، وهو فرع من هندسة الاتصال ، وتقوم شبكة الاتصالات بحمل الإشارات من مراكز الضبط المختلفة إلى الوحدات التي تقوم بالأداء، ثم تعيد الرسائل منها إلى مراكز الضبط. وقد استعار العلماء ، ومنهم دويتش، هذا المفهوم الهندسي الى العلوم الاجتماعية عامة ، وفي العلوم السياسية خاصة ، وتتعامل نظرية الاتصال لدويتش مع الحكومة كنظام لصنع القرار مبني على تدفق مستمر للمعلومات، حيث يرى أن هناك نظام استقبال يتلقى ثلاثة أنواع من المعلومات: معلومات عن العالم الخارجي، ومعلومات تاريخية عن الماضي، ومعلومات عن النظام وأجزائه. وأن هناك تدفقاً للمعلومات بشكل مستمر من خلال شبكة الاتصال التي تعدل من نفسها ذاتياً، وهذه الشبكات الاتصالية تمثل أي نظام يمكن وصفه بدرجة معينة من التنظيم والاتصال والتحكم، بغض النظر عن العمليات الخاصة بنقل الرسالة، وان عملية تشغيل المعلومات وتمثيلها هي نقطة التشابه الأساسية بين النظم السياسية وكل النظم الاتصالية الأخرى ([12]) . يرى دويتش ان النظريات التقليدية في اتخاذ القرار تفترض ان تقوم الأطراف الدولية بحساب كل التحركات الممكنة من جانبه ومن جانب الخصم، مع عدم الاخذ في الاعتبار تكلفة الوقت والجهد والموارد عند اتخاذ القرار ، لان قصر الوقت وزيادة الأعباء والتكلفة تحول دون اتخاذ القرار الأمثل او افضل الحلول المشكلة ، وبالتالي فان القرارات التي يتم التوصل اليها هي الأفضل من بين البدائل المتاحة في اطار ما يتوفر لهم من الجهد والوقت والموارد ([13]) . يستخدم دويتش مفهوم الاتصال الاجتماعي (Social Communication) في فهم عملية صنع القرار الخارجي في أي دولة تتحدد من خلال اتصال الدولة بالدول الأخرى، وانه كلما زادت عملية الاتصال ما بين الدول، كلما اتجهت الدول الى تحقيق مزيد من التكامل وابتعدت عن الصراع . إن أهمية هذا المدخل تبرز في قدرته على وصف وتفسير سلوك النظام السياسي أي أن الاتصالات حيوية في تطبيق و تأكيد سيطرة الانسان على بيئته .إن هذا المدخل يوضح أنه من خلال عملية الاتصالات يتم استقبال المدخلات واتخاذ القرارات حيالها و تحويلها إلى مخرجات ، ومن خلال عملية الاتصالات يرتبط النظام السياسي ببيئته المحيطة و يواجه مطالبها فالنظام يستقبل الرسائل باستمرار ويجب أن يكون قادرا على قراءتها و الاستجابة لها . الفرق بين القرار الاداري والقرار السياسي: – رغم التداخل الكبير بين ما هو سياسي وما هو اداري ، الا انه يمكن القول إن الفرق بين القرار السياسي والقرار الاداري يكمن في التباين البنائي في التركيب والهيكل ، حيث يرتكز القرار الاداري على :المشروعية (بمعنى التطابق مع القانون )، والتدرج ( بمعنى انسياب السلطة من أعلى الى اسفل )، والمنطق ( بمعنى الاعتماد على الشكلية في استصدار القرار من صاحب الحق في ذلك ) ، أما القرار السياسي فانه يرتكز على المشروعية (أي الاستناد الى قيم وتوقعات الجماعة ومصالحها كأساس لتقبل نظام الحكم ) ، والتراضي ( بمعنى امكانية التوصل الى حل وسط بين الجماعات المختلفة ) ، والعمومية (أي سيادة القرار السياسي على الجميع أفراداً ومؤسسات )([14]) . (1)  محمد بن ابي بكر بن عبد القادر الرازي، مختار الصحاح، (بيروت ، مكتبة لبنان ناشرون، 2011م ) ، ص221. (2) سورة النمل، الاية (32). (3)  علي السلمي ، مهنية الإدارة ، عالم الفكر ، العدد(2) ، السنة (20)، يوليو 1989، ص15-16. (4)  محمد علي العويني ، أصول العلوم السياسية ) القاهرة ، عالم الكتب ، 1981) ، ص19. (5)  محمد محمود ربيع واسماعيل صبري مقلد، موسوعة العلوم السياسية (الكويت ، جامعة الكويت ،1994) ، ص486. (6) محمد عبد العظيم الشيمي ، الوظيفة السياسية لصانع القرار في السياسة الخارجية المصرية ، (القاهرة ، المكتب العربي للمعارف ، بدون تاريخ ).ص 25. (7)  ياسين محمد حمد العيثاوي وانس كرم محمد صبحي ، صنع القرار السياسي الأمريكي، مجلة مداد الاداب ، العدد السابع ، ص 293. (8) جمال علي زهران ، الاطار النظري لصنع القرار : رؤية استراتيجية لصنع القرار التنموي في مصر ، ( القاهرة ، جامعة قناة السويس ، د.ت ). نقلاً عن : James Robinson and Richard Snyder,Decision Making in International Politics.in : Herbert Kelman(ed.), International Behaviour,(Holt),Rinehart and Winston(,New York,1966) , p. 437. (9) نقلاً عن محمد سعد ابوعامود ، صنع القرار السياسي في الحقبة الساداتية ، مجلة المستقبل العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، العدد112، السنة السادسة ، 1988، ص 112. (10) جلال معوض، علاقة القيادة بالظاهرة الانمائية: دراسة في المنطقة العربية، رسالة دكتوراة في العلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1985، ص10. (11) عادل ثابت، النظرية السياسية الحديثة: دراسة للنماذج والنظريات التي قدمت لفهم وتفسير عالم السياسة، ) القاهرة ،مكتبة خوارزم، 2002 م (، ص 244 – 246 ، وانظر كذلك : Francis Fukuyama, State Building: Governance and World in the Twenty-First Century,( London PROFILE BOOKS LTD) , 2004.p.24. (12)Karl Deutsch, The Nerves of Government : Models of Political Communication and Control, (New York: The Free Press of Glencoe, 1963, P. 316. (13)  عادل ثابت، مرجع سابق ، ص 366-368. (14) محمد عبد العظيم الشيمي ، مرجع سابق  ، ص 50-51.

0 Comments

Leave a Comment