يعاني الواقع السياسي في السودان من إشكاليات جوهرية تجلت في الفشل الواضح -منذ الاستقلال وحتى اللحظة الراهنة -في إيجاد معادلة سياسية تحقق التنمية والاستقرار، كما تجلت في استمرار الحروب الأهلية في انحاء البلاد المختلفة، فضلاً عن فشل مشروعات التنمية، وضعف الولاء الوطني، وارتفاع الأصوات الداعية للانفصال، الى غير ذلك من المظاهر السالبة. ولقد اشار الكثيرون الى ان ما يظهر على السطح من مشاكل وصراعات، تكمن جذوره في البناء السياسي والهيكلي في السودان والذي يعاني من بعض أوجه الخلل التي انعكست على الأداء السياسي العام بالبلاد.
نسعى من خلال هذا المقال الى توضيح العلاقة بين البناء السياسي والتحديات التي تواجه نظام الحكم في السودان، ونسعى، تحديداً، للإجابة على تساؤل رئيسي وهو: هل كان البناء السياسي القائم في السودان سبباً في المشكلات التي تعاني منها البلاد، وهل هو الان قادر على التصدي للتحديات التي تواجه البلاد ام لا؟ وما الذي يحتاجه هذا البناء ليكون قادراً على مواجهة هذه التحديات بالصورة المطلوبة؟
في الواقع، يشير مفهوم البناء السياسي الى تلك المؤسسات والبنيات السياسية والمنظمات التي تشكل – مجتمعة – النظام السياسي، وتختلف هذه المؤسسات والأبنية من دولة إلى أخرى تبعاً لوظائف النظام السياسي، وطبقاً للقيم السياسية والثقافة السائدة في الدولة المعنية. وإذا كان المشهور هو أن البناء السياسي يشير إلى المؤسسات والأبنية السياسية، إلا أن البعض يرى في الثقافة السياسية والقيم الاجتماعية السائدة في المجتمع المعنى جزء لا يتجزأ من البناء السياسي ما دامت هذه القيم توجه المؤسسات وتعمل على تدعيم البناء السياسي واستقراره.
وعلى كل، فان البناء السياسي لأي دولة لا يمكن النظر اليه ككتلة صماء واحدة، ولكنه مجموعة من المؤسسات تعمل مع بعضها البعض، وبصورة تكاملية، من أجل تحقيق الأهداف الكلية للمجتمع. وبالفعل يرى بعض المفكرين ان هنالك علاقة مباشرة بين الفاعلية والأداء السياسي من ناحية، والبناء السياسي من ناحية أخرى، وأن البناء السياسي المحكم والمتماسك هو الذي يعزز الفاعلية ويجود الاداء السياسي، وعلى العكس من ذلك فإن ضعف وترهل البناء السياسي من شأنه تقليل الفاعلية وإضعاف الأداء السياسي.
وإذا كان البناء السياسي هو الإطار التنظيمي الذي تندرج تحته كل أوجه السلوك السياسي، فيمكن الإشارة الى عدد من المؤسسات السياسية التي تشكل هذا البناء، ومن هذه المؤسسات: مؤسسة الدولة، الأحزاب السياسية، المجتمع المدني…. الخ.
ان الخلل الذي تعانيه هذه المؤسسات في السودان هو خلل واضح لا تخطئه العين البصيرة ،ففي ما يتعلق بمؤسسة الدولة في السودان ، يمكن القول ان إشكالية بناء الدولة القومية، أو ما يشار إليه باسم أزمة التكامل القومي تمثل أكبر المعضلات التي واجهت السودان منذ استقلاله وحتى اللحظة الراهنة ، وقد تداخلت العوامل الثقافية والاجتماعية مع المطالب التنموية لتزيد من تعقيدات الصراع في السودان، واندلعت حركات التمرد في الجنوب والشرق والغرب ، وكما هو معروف فان العلاقة بين المجموعات المشكلة للجماعة الوطنية السودانية، وعلاقة المواطنين المحكومين بالسلطة الحاكمة هي اللبنة الأولى للبناء السياسي، وكلما توطدت هذه العلاقة ، كلما زاد البناء السياسي تماسكاً ، والنظام السياسي استقراراً.
ان المدخل لإصلاح مؤسسة الدولة في رأينا هو السعي لتحقيق التكامل القومي واعتماد التعددية السياسية أساساً للحكم في السودان.
(أ) تحقيق التكامل القومي:
ان تحقيق هذا الهدف يتطلب الاتي: –
- الاعتراف الكامل بالتنوع العرقي والثقافي في السودان.
- أن تكون المواطنة أساس الحقوق والواجبات.
- تمكين الجماعات المختلفة من التعبير عن خصوصياتها الثقافية.
- التأكيد على احترام حقوق الانسان المنصوص عليها في المعاهدات والاتفاقيات الدولية.
- تحقيق التنمية المستدامة والمتوازنة والتخطيط لذلك في صميم الخطط القومية.
- التأكيد على الحكم اللامركزي الفاعل وعدم تدخل الحكومة المركزية في شؤون الولايات.
- العمل على محاربة الفساد السياسي والمالي وكافة أشكال الفساد الأخرى.
- إن يلعب الأعلام دوراً رئيسياً في تعزيز الوحدة الوطنية وادانة العنف بكافة صوره وإشكاله.
- التأكيد على عدم التمييز بين المواطنين على أساس العرق أو اللون او اللغة أو الدين أو النوع أو أي اعتبار اخر.
(ب) التعددية السياسية:
في هذا الصدد لابد من التأكيد على عدد من الحقائق: ـ
1.أصبحت الديمقراطية – بغض النظر عن شكلها – هدف تسعى له جميع الدول وذلك بسبب فشل الأنظمة الدكتاتورية في كافة أنحاء العالم، وبسبب زيادة الوعي السياسي والوعي بالحقوق والحريات العامة.
- تؤكد الكثير من المواثيق والمعاهدات الدولية على حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتدعو الى تمكين المواطنين من المشاركة في السلطة والثروة في بلدهم.
- ان حقائق الواقع السوداني وتطورات المشكلة السودانية تعكس وعياً بالحقوق ورغبة في المشاركة السياسية، وان أي محاولة لمنع هذه التوجهات والحيلولة دون هذه الرغبات يمكن ان يفضي الى عنف وفوضى.
أما بالنسبة للأحزاب السياسية السودانية فقد نشأت في أربعينيات القرن الماضي (نشأ حزب الأشقاء عام 1944م، وحزب الأمة عام 1945م، والحزب الشيوعي السوداني عام 1946م، وحركة التحرير الإسلامي – نواة الحركة الإسلامية السودانية-عام 1949م). لكن، ورغم عراقة هذه الأحزاب، فإن أغلبها لا يزال عاجزاً عن ممارسة دوره السياسي المطلوب، ومن الواضح ان هذه الاحزاب لم تتطور لا من حيث رؤاها الفكرية وبرامجها السياسية، ولا من حيث هياكلها التنظيمية.
ولقياس فاعلية الأحزاب السياسية يستخدم علماء السياسة عدداً من المعايير مثل: البناء التنظيمي، القواعد الجماهيرية، البرنامج، القيادة، آليات الخلافة السياسية في الحزب، ومصادر التمويل وغيرها.
وبتطبيق المعايير المشار اليها على الأحزاب السودانية لوحظ ان اغلبها يعاني من مشاكل جوهرية مثل ضعف الهياكل التنظيمية، وغياب البرنامج، وغياب آليات الخلافة السياسية. هذه المشاكل قعدت بهذه الاحزاب -في كثير من الأحيان – عن تحقيق أهدافها.
وفي هذا الصدد لابد من التأكيد على عدد من الحقائق المهمة فيما يتعلق بالأحزاب السياسية. من هذه الحقائق الآتي: ـ
- تعاني الأحزاب السودانية من مشاكل معقدة بعضها تأسيسي (يتعلق بظروف النشأة والتكوين)، وبعضها بنيوي (يتعلق بالبناء الحزبي نفسه)، ومع ذلك فان الجهود المبذولة لمعالجة هذه المشاكل ضعيفة للغاية.
- لا تسير الأمور في الأحزاب السياسية السودانية بشكل عام نحو الأفضل بما يقود للتفاؤل بمستقبلها، وكل المؤشرات تشير الى تراجعها وتعمق أزماتها.
- يبدو واضحاً عجز الأحزاب عن الالتقاء على أهداف جامعة، وقد تمت محاولات مختلفة للالتقاء والتوحد على أساس برنامج الحد الأدنى ولكن لم تسفر هذه المحاولات عن شيء يذكر.
- لا يبدو ان الأحزاب قادرة على حل مشكلة التمويل، ويعد التمويل أكبر مشكلات الأحزاب السودانية خاصة في مواسم الانتخابات.
ولا شك أن ضعف الأحزاب السياسية ينعكس مباشرة على البنية السياسية بالبلاد، وبالتالي فان إصلاح شأن الأحزاب السودانية هو المدخل الرئيسي لتعزيز البناء السياسي وتقويته.
ولكي تؤدي الأحزاب السياسية دورها بفاعلية، وتسهم في تعزيز البناء السياسي، نعتقد انها بحاجة الى حزمة من الإجراءات، والتي تتمثل في الآتي:
- إشاعة الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية نفسها، فالملاحظ هو أن الأحزاب السودانية تطالب بالديمقراطية على مستوى الدولة، بينما تغيب هذه الديمقراطية تماماً داخل أطرها وهياكلها، ويكفي للتدليل على ذلك أن عدداً مقدراً من الأحزاب السياسية الكبرى بالبلاد ظلت قياداتها قابضة على قيادة الحزب منذ ستينيات القرن الماضي.
- أن تنص دساتير الأحزاب السياسية ونظمها الأساسية ولوائحها الداخلية وبصورة واضحة على اليات الخلافة السياسية ، وتحدد مدة معينة للبقاء في المنصب القيادي لا يمكن تجاوزها.
- ان تكون العضوية في الحزب مفتوحة للجميع دون تمييز على أساس العرق او الدين او المذهب، وهو ما يقود الى ” قومية الأحزاب”، ويسهم في تعزيز الوحدة الوطنية.
- ان تحتكم عضوية الحزب في علاقاتها الداخلية الى شرعية دستورية متجددة يتوافق عليها أعضاء الحزب وتشمل ضمان حرية التعبير وتداول السلطة داخل الحزب.
كذلك فقد ظهرت تنظيمات المجتمع المدني الحديثة في السودان مبكراً (مطلع القرن العشرين)، وقد تمثل ذلك في ظهور نقابات العمال وتنظيمات المزارعين، وتنظيمات المرأة والشباب والطلاب، فضلاً عن الجمعيات الثقافية.
لعبت هذه التنظيمات أدواراً مقدرة في العمل الوطني وانخرطت في نشاط سياسي واسع أبان مرحلة الكفاح ضد الاستعمار حيث شارك الطلاب والعمال والنساء بقسط وافر في هذا الصراع، وقادوا إضرابات عمت كل إنحاء القطر، وكان من المفترض ان تستقل النقابات عن القوى السياسية، وأن توجه جهودها لخدمة منتسبيها، لكن هذه التنظيمات وقعت تحت تأثير الأحزاب السياسية حتى تحول بعضها من تنظيمات نقابية الى أذرع للأحزاب السياسية وسط العمال والطلاب والموظفين.
لقد انعكس الصراع بين هذه الاحزاب على العمال والطلاب خاصة، وكان لذلك آثاره السالبة على هذه القطاعات لأن النقابات بارتباطاتها السياسية هذه قد فقدت استقلالها وحيادها، وتركت مشاكل العمال والطلاب جانباً وانغمست في النشاط السياسي، فأدى ذلك إلى التباعد بينها وبين جماهيرها، وقاد الى تناقض في مواقفها في كثير من الأحيان بسبب مجاراتها للأحداث السياسية، ولا يزال التسييس هو أهم سمات المجتمع المدني السوداني.
وبشكل عام، يلاحظ على تنظيمات المجتمع المدني السودانية الآتي: ـ
- التسييس: غدت هذه التنظيمات، كما سبقت الإشارة، أذرعاً لتنظيمات سياسية معينة مما أفرغها من محتواها، وجعلها عرضة لتقلبات السياسة وتناقض المواقف.
- ضعف او غياب التمويل: حيث تعاني اغلب هذه المنظمات من مشاكل التمويل، وما لم تحل المشكلة ستظل هذه التنظيمات ضعيفة وعديمة الجدوى.
- غياب التنسيق والتشبيك فيما بينها: فمع كثرة التنظيمات المجتمعية ووجود تشابه في أنشطتها وأهدافها، إلا أن التنسيق فيما بينها لا يزال ضعيفاّ.
- ضعف التدريب وبرامج التنمية البشرية: فلا تزال قيادة هذه التنظيمات تفتقر الى القدرات اللازمة لتسيير أمورها بالصورة المطلوبة، وبالتالي فهي بحاجة الى برامج لرفع وتعزيز القدرات لدى قياداتها بما ينعكس إيجاباً على أدائها.
- غياب الثقة بينها وبين مؤسسة الدولة: فمن ناحية ترى بعض هذه التنظيمات أن مهمتها الأساسية هي معارضة السلطات القائمة، ومن ناحية أخرى تنظر الحكومة الى بعض هذه التنظيمات على أنها تنظيمات معادية ولها ارتباطات خارجية خاصة تلك التي تعمل في مجال حقوق الإنسان، وهو ما أضعف العلاقة بين الطرفين فانعكس ذلك على أداء الحكومة والمجتمع المدني معاً.
وبالطبع لا يمكن الحديث عن نظام ديمقراطي او بناء سياسي متين دون وجود مؤسسات مجتمع مدني فاعلة، لكن تعزيز المجتمع المدني ليسهم في تقوية البناء السياسي ليسهم بدوره في مواجهة التحديات السياسية السودانية يتطلب
الاعتراف الكامل بالمجتمع المدني ودوره السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وفك الارتباط بين الأحزاب والمجتمع المدني وإزالة علاقة التبعية للأحزاب، والتعامل بين الطرفين على أساس الندية، كما يتطلب السعي إلى حل مشكلة التمويل التي تعاني منها هذه التنظيمات وتقعد بها عن أداء دورها وذلك بإيجاد مصادر تمويل داخلية لمؤسسات المجتمع المدني بما يمكنها من أداء دورها المطلوب، كم لا بد من إيجاد آليات للتنسيق والتشبيك بين مؤسسات المجتمع المدني، مع الاهتمام بالتدريب ورفع القدرات لقيادات المجتمع المدني. بالإضافة الى ذلك نرى ضرورة تعزيز الثقة بين المجتمع المدني والدولة بما يحقق الأهداف الوطنية الكبرى، واعتماد آلية الانتخابات الدورية لقيادات المجتمع المدني.
0 Comments