تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Dr.Baha'a Makkawi

Democratic Transition in Sudan: Challenges, Opportunities and Future Prospects Dr. Bahaeldin Makkawi Mohammed Gaily Department of International Affairs, Qatar University, Qatar. المستخلص تواجه الحكومة الانتقاليّة السودانية التي جاءت للحكم بعد سقوط نظام البشير تحديات عديدة تتعلق بطبيعة تكوينها والصراعات المستمرة بين أطرافها، وسوء الأوضاع الاقتصادية، والتدخلات الخارجية المستمرة في شؤون السودان، وصعوبات استدامة السلام. في المقابل تتوفر لديها عدة فرص تشمل: القاعدة الشعبية العريضة التي تقوم عليها، بالإضافة إلى الدعم الدولي والإقليمي، وإن مستقبل الانتقال الديمقراطي في السودان يعتمد على قدرة الحكومة الانتقالية على الاستفادة من الفرص، وقدرتها على تجاوز الصعوبات ومواجهة التحديات. كلمات مفتاحية: الحكومة الانتقالية، القوات المسلحة، قوى الحرية والتغيير، السلام، العدالة الانتقالية. Abstract The Sudanese transitional government, which came to power after the fall of Al- Bashir regime, faces many challenges related to the nature of its composition and the ongoing conflicts between its parties, the poor economic conditions, the continuous external interference in Sudan’s affairs, and the difficulties of sustaining peace. On the other hand, it has many opportunities, including a broad popular base, in addition to international and regional support. The future of the democratic transition in Sudan depends on the ability of the transitional government to take advantage of the opportunities, and its ability to overcome difficulties and face the challenges. Key words: Transitional government Armed Forces, Forces of Freedom and Change, Peace, Transitional Justice. مقدمة: بعد ثلاثين عاماً من الحكم العسكري في السودان (1989م-2019م)، نجحت الثورة التي انطلقت في الثالث عشر من ديسمبر/كانون الأول 2018 في الإطاحة بنظام الرئيس عمر البشير وذلك في الحادي عشر من أبريل/ نيسان 2019 م، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ السودان السياسي. لقد شهد السودان، منذ استقلاله في الأول من يناير/كانون الثاني 1956م، ثلاث تجارب ديمقراطية وثلاثة انقلابات عسكرية، وأربع فترات انتقالية. بدأت مرحلة الحكم الوطني بتجربة ديمقراطية قصيرة استمرت أقل من ثلاث سنوات استولى بعدها العسكريون، بقيادة الفريق إبراهيم عبود، على السلطة في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1958م واستمروا في حكم البلاد لمدة ست سنوات، إلاّ أن ثورة شعبية عارمة أطاحت بهم في أكتوبر/ تشرين الأول من العام 1964م واستعادت الحكم الديمقراطي الذي استمر فيما عرف باسم الديمقراطية الثانية. في الخامس والعشرين من مايو من العام 1969 انقلب الجيش على السلطة مرّة أخرى بقيادة العقيد (آنذاك) جعفر محمد نميري الذي حكم البلاد لستة عشر عاماً، ليقوم الشعب مرة أخرى بانتفاضة جديدة ويقتلع الحكم العسكري الثاني في السادس من أبريل/ نيسان 1985م. أعقبت سقوط نظام النميري مرحلة الديمقراطية الثالثة التي استمرت لنحو ثلاث سنوات انقض بعدها العسكريون للمرة الثالثة على الحكومة الديمقراطية المنتخبة بقيادة العميد (يومها) عمر حسن أحمد البشير في 30 يونيو/حزيران 1989م والذي استمر في السلطة لثلاثين عاماً حتى ثار عليه الشعب وتمكّن من إزاحته عن الحكم في الحادي عشر من أبريل/نيسان 2019م. وعلى الرغم من تعدد الحكومات الانتقالية في السودان، فإن المرحلة الانتقالية الحالية تُعَد مختلفة بكل المقاييس إذا ما قورنت بالفترات الانتقالية الأخرى التي شهدها تاريخ السودان الحديث، حيث تواجه الحكومة الانتقاليّة الحاليّة أوضاعاً أكثر تعقيداً من جميع الفترات الانتقاليّة السابقة، ويرجع ذلك إلى عدّة أسباب منها: تركيبة الحكومة نفسها والصراعات المستمرة بين أطرافها، وطبيعة المهام التي تسعى إلى تحقيقها، والأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة الهشّة التي ورثتها عن نظام البشير، فضلاً عن التدخلات الإقليمية والدولية الكثيفة في الشأن السوداني. بناء على ما سبق، فإن السؤال الرئيسي للورقة هو ما مدى قدرة الحكومة الانتقالية على مجابهة تحديات الانتقال الديمقراطي وعلى استثمار الفرص المتاحة أمامها للوصول بالسودان إلى مرحلة التحول الديمقراطي المنشود؟ وتتفرع عن هذا السؤال الرئيسي أسئلة فرعية تتمثّل في: ما المقصود بالانتقال الديمقراطي؟ وما التحديات التي تواجه عمليّة الانتقال الديمقراطي في السودان، وما فرص الحكومة الانتقالية الحاليّة في التغلب على تلك التحديات؟ وما آفاق ومستقبل الانتقال الديمقراطي في السودان على ضوء هذه التحديات والفرص؟ أهداف الورقة وأهميتها: تهدف الورقة إلى تسليط الضوء على التحديات التي تجابه حكومة السودان الانتقالية والفرص المتاحة أمامها، وذلك بهدف المساهمة في رسم خارطة طريق تمكن من التصدي للتحديات الخطيرة التي تواجه الانتقال الديمقراطي، واستثمار الفرص المتاحة أمام الحكومة الانتقالية لتعزيز فرص الانتقال الديمقراطي في السودان. وتأتي أهمية الورقة من أنها تسعى إلى المساهمة في حل مشكلة تتعلق بمصير الحكم في السودان، ذلك أن الفشل في الوصول بالفترة الانتقالية إلى غاياتها وإقامة حكم ديمقراطي من شأنه أن يعصف بالاستقرار السياسي بالبلاد بسبب الصراعات الاثنية المكثفة التي تسود كل أطرافه دون استثناء، وبالتالي فإن أهمية الورقة تنبع من كونها تسعى للمساهمة في تقديم رؤية علمية تسهم في التحول الديمقراطي المنشود وتجنب البلاد الصراعات والحرب الأهلية. المنهج البحثي والمداخل المقترحة: تستند الدراسة إلى مدخل الانتقال الديمقراطي؛ ونسبة لطبيعة الموضوع يستخدم الباحث مجموعة من المناهج مثل المنهج التاريخي وذلك لاستقراء الأحداث التاريخية ومعرفة تأثيرها على صيرورة الأحداث السياسية والاجتماعية في السودان، كما تستخدم الدراسة المنهج المقارن من خلال مقارنة التجربة الانتقالية الحالية بفترات الانتقال السابقة في السودان وبتجارب الانتقال الإقليمية والدولية الأخرى، و يستخدم الباحث، كذلك، المنهج التحليلي بهدف سبر غور التحديات التي تواجه الانتقال الديمقراطي في السودان والفرص المتاحة أمامه، فضلاً عن المنهج الاستشرافي لاستجلاء التحديات الخفية التي يمكن أن تفرزها ظروف الواقع المعقد في السودان وطبيعة العلاقات المتشابكة بين قواه السياسية والعسكرية والأمنية، والتدخلات الإقليمية الكثيفة في شؤونه الداخلية. تقسيم الدراسة: تم تقسيم البحث إلى مقدمة وثلاثة محاور وخاتمة وذلك على النحو التالي: المحور الأول: الإطار النظري للدراسة المحور الثاني: تحديات وفرص الانتقال الديمقراطي في السودان المحور الثالث: آفاق ومستقبل الانتقال الديمقراطي في السودان. أولاً: الإطار النظري للدراسة إن الخوض في هذا الموضوع يستلزم مناقشة مفهوم الانتقال الديمقراطي، والتمييز بينه وبين المصطلحات ذات الصلة مثل التحوُّل الديمقراطي والترسُّخ الديمقراطي وغيرها، كما يستوجب البحث في أسباب الانتقال إلى الديمقراطية وفرص وتحديات الانتقال الديمقراطي، فضلاً عن دور التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في نجاح الانتقال الديمقراطي، ودور المجتمع المدني في التعجيل بالانتقال الديمقراطي وتعزيز هذا الانتقال. ولعله من الضروري، قبل الخوض في أدبيات التحوُّل الديمقراطي والمدارس المختلفة في هذا الصدد، أن نبدأ بالتعريف اللغوي للانتقال، حيث جاء في لسان العرب لابن منظور أنّ “النقل: تحويل الشيء من موضع إلى موضع، نقلَه ينقله نقلاً فانتقل. والتنقُّل: التحوُّل”(ابن منظور، د.ت: 4529)، كما جاء فيه تَحَوَّل: تنقّل من موضع إلى موضع آخر، والتَّحَوُّل التَّنَقُّل من موضع إلى موضع، والاسم الحِوَل، ومنه قوله تعالى “خالدين فيها لا يبغون عنها حِوَلاً” (المصدر السابق، 1056). وهكذا يتضح أن هناك ترادفاً بين الانتقال والتحول من الناحية اللُغَوِيّة، أما من الناحية الاصطلاحيّة فإن العلماء يميزون بين الانتقال الديمقراطي والتحول الديمقراطي، ويرون أن الانتقال الديمقراطي يسبق، بالضرورة، عملية التحول الديمقراطي، وأن عملية الانتقال إلى الحكم الديمقراطي تتضمن ثلاث مراحل أساسية وذلك على النحو التالي:
  1. مرحلة ضعف النظام القديم وظهور جناح إصلاحي من داخله أو معارضة من خارجه تدعو للإصلاح السياسي.
  2. مرحلة شروع النظام الحاكم في تحقيق إصلاحات من خلال تبني بعض الخطوات الانفتاحية.
  3. مرحلة الانتقال الحقيقي إلى الديمقراطيّة والسعي لترسيخ قواعدها ومؤسساتها (البوشي،2018: 9).
وحسب عبد الفتاح ماضي فإن هناك عدّة مداخل للانتقال الديمقراطي منها: الانتقال من الحكم الاستعماري إلى الحكم الوطني الديمقراطي مباشرة كما في حالتي الهند وماليزيا، والانتقال التدريجي من الحكم الاستبدادي إلى الديمقراطية، والإصلاح من أعلى بقيادة اصلاحيين من داخل النظام نفسه، والانتقال جرّاء انهيار النظم التسلطية وقيام أنظمة ديمقراطية مكانها، والانتقال من خلال التدخل الخارجي عبر الضغوط الدبلوماسية والاستخباراتية، أو من خلال التدخل العسكري المباشر (ماضي ،2015: 21 ـ17). وهناك من يرى أن التحول الديمقراطي حدث ويحدث في كل انحاء العالم بواحدة من ثلاث طرق، فهو إما أن يأتي من أعلى حين يسعى النظام من تلقاء نفسه إلى القيام بإصلاحات، فيبدأ (الفصيل الناعم) في السلطة (Soft-line) بالدعوة إلى التسامح مع قدر أكبر من حريّة الصحافة، ومعارضة السجن التعسُّفي، وإدخال بعض الإجراءات الديمقراطية الشكلية مثل الدعوة إلى انتخابات بمشاركة محدودة، أو السماح بتكوين منظمات المجتمع المدني وغيرها من الإجراءات (Schmitter). وقد يحدث التحوُّل من أسفل إلى أعلى كما حدث في فنزويلا إثر اشتداد الضغوط الداخليّة على النظام السياسي والتي قادت إلى نهاية النظام، وفتحت الباب أمام الديمقراطية الليبرالية وقيام حكومة منتخبة، وكما حدث في السودان في أكتوبر 1964م وأبريل 1985م. وقد يحدث التحول بالتقاء مصالح السلطة الحاكمة والقوى المعارضة وذلك حينما يدرك الطرفان أهمية التحول إلى مربع جديد، وقد حدث ذلك في جنوب افريقيا بسبب التقاء مصالح الرأسماليين: البيض والسود خاصة في سعيهما إلى الضغط على الحكومة العنصرية من أجل رفع القيود على العمالة السوداء بسبب حاجة الرأسمالية إلى هذه العمالة، بالإضافة إلى الضغوط الدولية والاقليمية على الطرفين مما اضطرهما إلى الالتقاء على هدف التحول الديمقراطي القائم على المساواة بين البيض والسود. بعد الانتقال الديمقراطي والتحول الديمقراطي تأتي مرحلة الترسخ الديمقراطي والتي تشير إلى تحقق الديمقراطية وتجذر الآليات والثقافة الديمقراطية في المجتمع ((Rustow,1970:361؛ ومع وجود موجات من الانتقال صوب الديمقراطية، إلا أن هذه الموجات الديمقراطية تُواجَه، عادة، بموجات مضادّة ما يؤدي في بعض الأحيان إلى ارتدادات واسعة النطاق عن الديمقراطية (Huntington,1991). من المفكرين، كذلك، من يجادل بأن نمو الديمقراطيّة وتجذرها في المجتمع يرتبط إلى حدٍ كبير، بالثقافة السياسيّة السائدة في المجتمع المعني، فعلى سبيل المثال، يعتقد آلموند وفيربا أن الديمقراطية تقتضي وجود نظام قِيَمِي يحميها ويدعم مسيرتها ويُسهِم في تعزيز المشاركة السياسية الواسعة من قبل المواطنين (Almond and Verba, 1965)، وهناك أيضاً من يقول بوجود علاقة طرديّة بين الوضع الاقتصادي ورسوخ الديمقراطية، فكلّما تحسنت الأوضاع الاقتصاديّة في الدولة، كلّما كانت الدولة أكثر ديمقراطيّة واستقراراً في الحكم(Lipset,1959) . من جانب آخر، يُعوِّل بعض المفكرين على دور النخبة في استقرار النظام الديمقراطي، ويرى هؤلاء أن توحُّد النخبة يقود، عادة، إلى نظام ديمقراطي مستقر، وعلى العكس من ذلك، فإن النخبة الوطنية المنقسمة تقود إلى نظام سياسي غير مستقر، وتفتح الباب أمام القوى الخارجية للتدخُّل في الشؤون الداخلية للدولة، وربما وفّرت لها فرصة مواتية للإطاحة بالنظام السياسي القائم (Higley and Burton,1988). لقد عوّل بعض المفكرين على الدور المحوري للمجتمع المدني في تحقيق الديمقراطية وترسيخ مؤسساتها، وأكدوا على أن المجتمعات المدنية القوية هي تلك التي تتميز بشبكات أوسع للتفاعل بين الأفراد في المجتمع، وبقبول أكبر للحرية الشخصية والحقوق الفردية؛ وأن المجتمع المدني القوي سيسمح بفرصة أكبر للديمقراطية لتكون ناجحة وطويلة الأمد وقادرة على مواجهة التحديات، وبذات القدر فإن تطبيق المبادئ الديمقراطية يعزز المجتمع المدني ويخلق الظروف اللازمة لنجاحه (Whitehead,2002). وخلص بعض المفكرين إلى أن من معوقات الانتقال الديمقراطي وجود طموح سياسي للجيش، وجهاز دولة مناهض للانتقال الديمقراطي، وخذلان توقعات الناس المرتفعة، والفوضى، والتنافس غير المنضبط؛ وأن الأهمية الاستراتيجية للدولة تزيد من احتمالات العامل الخارجي في عرقلة الانتقال؛ وفي المقابل فإن الثقافة الديمقراطية للنخب الحاكمة ومرونة هذه النخب وقابليتها للمساومة والتوصل إلى حلول وسط، والتزامها بالديمقراطية، وقدرتها على تجاوز خلافاتها تمثل عوامل حاسمة خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي (بشارة، 2020:558).. ثانياً: تحديات الانتقال الديمقراطي في السودان: إن سقوط نظام الرئيس السوداني عمر حسن أحمد البشير ودخول البلاد في مرحلة انتقالية جديدة ([1]) لا يعني ، بالضرورة، الوصول إلى التحول الديمقراطي المنشود، فقد شهد الحراك العربي في العام 2011م، مثلاً، انتكاسات وتراجعات، وفشلت عملية الانتقال الديمقراطي بشكل كامل في عدد من الدول التي شهدت تحركات شعبية واسعة هدفت إلى اسقاط النظم الحاكمة وتأسيس أنظمة ديمقراطية، وتمكنت الشعوب من اقتلاع الأنظمة الدكتاتورية في بعض الدول ومع ذلك لم تتمكن من استكمال مشروع الانتقال الديمقراطي، كما حدث في ليبيا واليمن، بينما فشلت الشعوب في اقتلاع بعض الأنظمة الحاكمة رغم تصميم المعارضة كما في سوريا وذلك بسبب الدعم الروسي للنظام، وقد وصف بعض المفكرين العرب هذه الحالات التي لم تكتمل ثوراتها بأنها مثلت “خيبات” لدى الثوار(بلقزيز، 2012). كذلك تناول عزمي بشارة حالات الارتداد التي حدثت في العالم العربي مثل سوريا التي ” تحولت بفعل تصلب النظام ورفضه الإصلاح وأساليبه الوحشية في مواجهة الحراك الشعبي المدني وفقدان المعارضة للتجربة وانزلاق الحركات المسلحة إلى التطرف الديني، إلى حرب أهلية بتدخلات اجنبية لا حصر لها” (أبوشوك،18:2021). وفي الواقع تواجه الحكومة الانتقالية في السودان عدداً من التحديات التي يخشى أن تفشل جهود الانتقال الديمقراطي برمتها، وسوف يتناول الباحث في الصفحات التالية أهم التحديات التي تواجه الانتقال الديمقراطي في السودان. تحديات التحول الديمقراطي ف بالسودان:
  1. طبيعة تركيبة الحكومة الانتقالية والخلافات المستمرة بين اطرافها:
يعتقد الباحث أن تركيبة الحكومة الانتقالية الحالية تمثل أكبر معوقات الانتقال الديمقراطي في السودان، فمنذ الأيام الأولى لسقوط النظام ثار النزاع بين المدنيين والعسكريين حول دور كل طرف في الثورة وما يترتب على ذلك من استحقاقات سياسية. يؤكد المدنيون على مدنية الثورة، وأنها نجحت بسبب الضغوط التي مارستها القوى السياسية ضد النظام طول ثلاثين عاماً وكانت سبباً في إضعافه بشكل مستمر حتى سقوطه في أبريل، وأن الشباب الذين رابطوا في الميادين لعدة أشهر ودفعوا دماءهم مهراً للديمقراطية والحرية كانوا العنصر الحاسم في التغيير. في المقابل، يقول العسكريون بأن الجيش كان هو العنصر الحاسم في التغيير، وأنه بتدخله حقن دماء الشعب، وأن الفترة القادمة تحتم حضور الجيش في المشهد السياسي السوداني نظراً لهشاشة الأوضاع الأمنية في أطراف البلاد المختلفة وداخل العاصمة. يرى بعض المحللين السياسيين أن هذه المعضلة تعود بجذورها إلى اللحظة التي وجهت فيها قوى الحرية والتغيير (قحت)([2]) المتظاهرين بالتجمع أمام القيادة العامة لقوات الشعب المسلّحة وطلبت من قيادة الجيش الانحياز للشارع . يقول هؤلاء إن الاعتقاد في إمكانية قيام الجيش بإزالة نظام الإنقاذ ثم الرجوع إلى ثكناته كان ضرباً من التفكير الرغبوي (Wishful Thinking) (سيد احمد، 4 يناير 2021). لكن، في الواقع لم يكن أمام المدنيين الكثير من الخيارات، فلم يتمكن الثوار من الانتصار الكامل والحاسم على النظام، وهو ما اضطرهم إلى اللجوء للقيادة العامة بهدف دعوة الجيش لحسم الأمر، لكنّ هذه الخطوة أعطت القوات المسلحة الفرصة لحسم الأمر لصالح المتظاهرين، ومن ثم المطالبة بالمشاركة في السلطة. وفي هذا الصدد يقول عزمي بشارة” من حقنا أن “نشتبه” في أن اختيار القيادة العامة موقعاً للاعتصام تضمّن رهاناً على الجيش ليعين الثورة على التخلص من البشير […] ويفترض أن الأحزاب السياسية السودانية كانت تدرك أن الجيش في السودان صعب التحييد، وإقناعه بالانقلاب على البشير أصعب من تحييده[…] لم يكن من الممكن أن يسقط النظام في السودان، ما دام الجيش ملتفاً حول رئيسه”(أبو شوك، 25:2021). في مرحلة تشكيل الحكومة الانتقالية ثار الخلاف بين الطرفين حول عدد من النقاط ، وتمثلت أبرز أوجه الخلاف بينهما في تبعية الأجهزة الأمنية، حصانة أعضاء المجلس السيادي، تبعية وزارة العدل، ونسب توزيع أعضاء المجلس التشريعي([3])وفي أثناء التفاوض ظهر الخلاف بين الطرفين واضحاً حينما أعلن الفريق أول عبد الفتّاح البرهان رئيس المجلس العسكري في الخامس عشر من مايو 2019م عن تعليق التفاوض مع قوى الحرية والتغيير لمدة 72 ساعة، بحجة أنها تمارس الاستفزاز ضد القوات المسلحة والدعم السريع، وتغلق الطرق؛ واشترط ، للعودة إلى التفاوض، أن تقوم قوى الحرية والتغيير بإزالة المتاريس وفتح الطرق والجسور، ووقف التصعيد الإعلامي ضد القوات المسلحة السودانية و قوات الدعم السريع(صحيفة الشرق الأوسط ، 16 مايو 2019م ). لقد كان التوصل إلى طريق مسدود بين الطرفين هو السبب فيما حدث من وضع للمتاريس واستفزاز من بعض العناصر الشبابية للجيش والدعم السريع، وكان الهدف من قرار البرهان هو التأكيد على أن الجيش يمسك بزمام المبادرة ويوجه الأحداث ويستطيع وقف التفاوض واستئنافه وفقاً لشروطه. لكن طول أمد التفاوض وتصاعد حدة الخلافات التي صاحبها الكثير من المخاوف الشعبية اضطرت الطرفين الى قبول الوساطة الأفريقية التي توصل الطرفان من خلالها الى اتفاق سياسي في 16 يوليو 2019. تعهّد الطرفان في هذا الاتفاق بالتعامل “بمبدأ الشراكة، وحسن النية، والكف عن الخطاب العدائي والاستفزازي[…] وتسوية جميع الخلافات التي قد تطرأ بالحوار والاحترام المتبادل”(الجزيرة نت، 17/7/2019م)، وقد تلت الاتفاق مرحلة من التوافق النسبي سمح بالتوصل إلى توقيع الوثيقة الدستورية في 17 أغسطس/آب 2019م أي بعد أكثر من أربعة أشهر من سقوط النظام. خلال تلك المرحلة، لم تكن الأوضاع داخل إعلان قوى الحرية والتغيير بأفضل من الحال بينها وبين المُكوِّن العسكري. لقد تباينت الأفكار والمواقف بين مكونات قوى الحرية والتغيير بعد سقوط النظام، ولم يكن هذا مستبعداً لعدة أسباب، فقوى الحرية والتغيير تحالف عريض تأسس مطلع العام 2019م خلال فترة الاحتجاجات ضد نظام البشير وقد ضم أحزاباً وجماعات مختلفة في آرائها ومواقفها السياسية، وقد كان اسقاط النظام هو الهدف الأساسي والعامل الموحد (The Unified Element) الذي شكل مظلة واسعة احتشدت تحتها كل هذه القوى السياسية، إلا أن سقوط النظام نفسه كان سبباً في زوال العامل المُوحِّد بين هذه الأطراف، كما أفرز سقوط النظام نفسه فرصاً سياسية ومكاسب اقتصادية جديدة قادت إلى صراعات حادة بين حلفاء الأمس ، بل غدا الصراع والتنافس هو السمة التي ميزت العلاقة بين هذه القوى. تصاعدت الخلافات داخل تحالف إعلان قوى الحرية والتغيير، وكان من نتائجها اعلان حزب الأمة في 22 ابريل 2020م عن تجميد أنشطته في كافة هياكل ائتلاف قوى إعلان الحرية والتغيير، بحجة أن ” هناك عيوباً أساسية ظهرت في أداء مهام الحكم الانتقالي.. (و) اضطراباً في مواقف القيادة السياسية لقوى الحرية والتغيير، واختلافاً في اختصاصات مؤسسات الانتقال، وتجاوزاً للوثيقة الدستورية التي تقف عليها كل ترتيبات الفترة الانتقالية” (عادل عبد الرحيم، وكالة الاناضول). تبع ذلك خروج تجمع المهنيين السودانيين من التحالف، حيث أوضح بيان التجمع الذي نشره على صفحته على الفيس بوك أن انسحابه جاء بسبب عدم الالتزام بأهداف المرحلة الانتقالية، وارتباك أداء التحالف، وترجيح قوى الحرية للمصالح الضيقة والاعتبارات التكتيكية على المصالح الاستراتيجية الكبرى[…] وضعف الالتزام بالأهداف المعلنة للفترة الانتقالية SdnProAssociation,25 July 2020) (. وفي وقت لاحق (نوفمبر 2020م) أعلن الحزب الشيوعي السوداني عن انسحابه من قحت، وقال الحزب في بيان الانسحاب ” بعد أكثر من عام […] ما زالت بلادنا تواجه ذات الأزمات وتعمل السلطة الانتقالية على تقليص مساحة الحريات وتنتهك الحقوق في محاولة لوقف المد الثوري وافراغ شعار حرية سلام وعدالة من محتواه ومصادرة أدوات التغيير المتمثلة في المجلس التشريعي والحكم الشعبي المحلي والمفوضيات وغيرها، والابطاء في تحقيق العدالة والاقتصاص للشهداء والتحقيق في فض الاعتصام ومحاكمة رموز النظام السابق مع الإبقاء على القوانين المقيدة للحريات وعقد الاتفاقات والتحالفات من وراء ظهر شعبنا”( صحيفة السوداني، 7 /11/ 2020م ). وإذا ما وضعنا في الاعتبار ما أكده جون هيجلي وميشيل حول دور توحد النخبة السياسية في وجود نظام ديمقراطي مستقر، وكيف تقود النخبة الوطنية المنقسمة إلى نظام سياسي غير مستقر، لأدركنا الحاجة إلى ضرورة توافق النخبة السياسية في المرحلة الانتقالية من أجل تحقيق أهداف الثورة. لقد أضاع الخلاف بين المكونين العسكري والمدني، والخلاف بين القوى المدنية المنضوية تحت لواء الحرية والتغيير، الكثير من الوقت والجهد، وإن التحدي الماثل الآن هو تعويض الوقت الذي مضى من عمر الفترة الانتقالية من خلال تكثيف العمل والمضي قدماً في تحقيق مهام الفترة الانتقالية فيما تبقى من وقت.
  1. تعدد مهام الفترة الانتقالية وتأخر استكمال المؤسسات الانتقالية:
اقتصرت مهام الفترات الانتقالية السابقة – غالباً – على التعداد السكاني، وتوزيع الدوائر الانتخابية، وإجراء الانتخابات، ثم تسليم السلطة للقادة المنتخبين من الشعب، لكن الحكومة الانتقالية الحالية تصدت لمهام أخرى اعتبرتها من عوامل استدامة الديمقراطية في السودان ، فحسب تصريحات وزير الثقافة السابق والناطق الرسمي باسم الحكومة آنذاك الأستاذ فيصل محمد صالح ، فان الحكومة الانتقالية الحالية حددت في أول اجتماع لها عشرة أولويات هي: تحقيق السلام المستدام ووقف الحرب، معالجة أزمة الاقتصاد خاصة ارتفاع الأسعار، تكوين لجنة مستقلة للتحقيق في أحداث فض الاعتصام ، تعزيز دور النساء ، إصلاح أجهزة الدولة ، تحديد أوجه العلاقة بين الحكومة المركزية وحكومات الولايات ، وضع سياسة خارجية تراعي مصالح السودان، الاهتمام بالخدمات مثل الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية والبيئة ، التحضير للمؤتمر الدستوري ، ومحاربة الفساد ( سبوتنيك عربي ، 2019). من البديهي أن تعدُّد وتعقُّد مهام الحكومة الانتقالية يقتضي، بالضرورة، مؤسسات فاعلة تتصدى لإنجاز هذه المهام، لكن المفارقة هي أن الحكومة، على الرغم من تصديها لمهام يراها الكثيرون خارج مهامها وصلاحياتها، عجزت عن تكوين المؤسسات التي يناط بها تنفيذ هذه المهام، فقد أدت الخلافات بين المكونين: المدني والعسكري وداخل قوى الحرية والتغيير إلى تأخير استكمال هياكل السلطة الانتقالية والذي انعكس بدوره على الأداء العام للحكومة الانتقالية. لقد نصت الوثيقة الدستورية على مؤسسات الفترة الانتقالية، فبالإضافة إلى أجهزة الحكم الانتقالي الرئيسية، والمتمثلة في مجلس السيادة، مجلس الوزراء، والمجلس التشريعي الانتقالي، نصت الوثيقة على إنشاء عدد من الهياكل السياسية التي تُمكّنها من تحقيق مهام الفترة الانتقالية من أهمها ما يسمى بالمفوضيات المستقلة ، والتي تشمل: مفوضية السلام، مفوضية الحدود، مفوضية صناعة الدستور والمؤتمر الدستوري، مفوضية الانتخابات، ويقوم بتشكيلها مجلس السيادة ، بالإضافة إلى مفوضيات يكونها مجلس الوزراء وهي: مفوضية الإصلاح القانوني، مفوضية مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة، مفوضية حقوق الانسان، مفوضية إصلاح الخدمة المدنية، مفوضية الأراضي، مفوضية العدالة الانتقالية، مفوضية المرأة والمساواة النوعية، وأيّة مفوضيات أخرى يرى مجلس الوزراء ضرورة إنشائها( جمهورية السودان، الوثيقة الدستورية، 2019: فصل 12) . مضى حتى كتابة هذه السطور أكثر من عامين على سقوط النظام ولا تزال الكثير من هياكل الفترة الانتقالية لم تُستكمَل بعد، ومن الهياكل والمؤسسات التي نصت عليها الوثيقة الدستورية ولم يتم تشكيلها حتى الآن : مفوضية العدالة الانتقالية، مفوضية الانتخابات، المجلس التشريعي ؛ ولا شك أن تأخير استكمال هياكل الفترة الانتقالية من شأنه أن يؤثِّر على مجمل أداء الحكومة الانتقالية، وإذا ما وضعنا في الاعتبار أن أهم وظائف الفترة الانتقالية تصفية تركة الأنظمة السابقة والتي تقتضي الاسراع في تشكيل مفوضية العدالة الانتقالية ؛ وتهيئة الأجواء للانتخابات الديمقراطية والتي تتطلب تشكيل مفوضية الانتخابات وأنه لم يتم تشكيل هاتين المفوضيتين حتى الآن ،لأدركنا الخلل البين في أداء السلطة الانتقالية وفي ترتيب أولوياتها. ولعل من أهم الأسباب التي أعاقت تأسيس هياكل الفترة الانتقالية هو الصراع بين أطراف العملية السياسية حول المناصب، فعلى الرغم من الدعوات المتعالية لتأسيس حكومة تكنوقراط من الكفاءات، فإن اختيار شاغلي المناصب السياسية تم على أساس المحاصصة بين القوى السياسية المتحالفة. لقد استغرقت المفاوضات حول هذا الأمر الكثير من الوقت والجهد الذي كان يمكن بذله في تنفيذ مهام الفترة الانتقالية لو تم اختيار الحكومة على أساس الكفاءة وحددت معايير تولي المناصب بشكل جيد. بالإضافة إلى ذلك فقد آثرت الحكومة الانتقالية إرجاء تشكيل بعض المؤسسات السياسية مثل المجلس التشريعي وغيره إلى حين التوصل إلى اتفاق مع حركات الكفاح المسلح، ولكن، كما هو متوقع، لم يكن الوصول إلى السلام أمراً سهلاً، فقد استمرت المفاوضات بين الطرفين لأكثر من عام لم يتم خلالها إنشاء الكثير من المؤسسات فتجمدت جهود الحكومة الانتقالية في العديد من الملفات العاجلة والخطيرة، وحتى بعد توقيع اتفاقيات السلام لم تظهر الأطراف الحاكمة الجدية اللازمة في إنشاء هياكل السلطة المهمة مثل المجلس التشريعي ([4]) .
  1. ضعف الأحزاب وتنظيمات المجتمع المدني:
لقد أصبحت الأحزاب السياسية ضرورة سياسية ملحة في أي مجتمع ديمقراطي. يقول ليبست (Lipset) إن الأحزاب السياسية “لا غنى عنها للديمقراطية”( Lipset, 2000:48.55) ، فهي تمثل رأس الرمح خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي ، ومع ذلك تعاني الأحزاب السياسية السودانية من الضعف والتراجع المستمر بسبب تناقص القواعد الجماهيرية ، و ضعف أو فقدان التمويل ،وغياب آليات الخلافة السياسية ، وضعف وتخلف البرامج الحزبية . يرجع تاريخ نشأة الأحزاب السياسية السودانية إلى منتصف أربعينات القرن الماضي ([5])،وقد ظل الحزبان الكبيران آنذاك (الوطني الاتحادي وحزب الأمة ) يتناوبان على مواقع الحكم والمعارضة، أو يحكمان في إطار صيغة ائتلافية طوال فترات الحكم الديمقراطي في السودان. لقد لعب هذان الحزبان، إلى جانب الأخوان المسلمين والحزب الشيوعي، أدواراً فاعلة في اسقاط الحكومات العسكرية واستعادة الديمقراطية مرات عديدة، إلا أن الواقع السياسي السوداني قد شهد تغييرات جذرية فيما يتعلق بوضع الأحزاب التاريخية، حيث لم تتمكن هذه الأحزاب من استقطاب الشباب إلى صفوفها، ولم تتمكن بالتالي من المحافظة على وضعها السابق من حيث القواعد الجماهيرية. لقد ساهم النظام العسكري السابق في إضعاف هذه الأحزاب حيث عمد إلى تقسيمها وإثارة الصراعات بين قياداتها، ما أسفر عن انقسامات واسعة في هذه الأحزاب شملت حزب الامة الذي انقسم إلى عدة أحزاب، وكذلك الحزب الاتحادي الديمقراطي والحزب الشيوعي، بل طال الانقسام الحزب الحاكم نفسه في نهاية تسعينيات القرن الماضي. يقول الدكتور عبد الرحيم بلال، إن نظام الإنقاذ، وفي سبيل البقاء في الحكم، ” قام ببناء المؤسسات الحزبية والتحالفات (أحزاب التوالي، أحزاب الوحدة الوطنية، أحزاب الحوار، تفتيت الأحزاب المستقلة كالأمة والاتحادي، بناء المؤسسات الداعمة للنظام، وتدجين النقابات والتنظيمات المدنية” (البطحاني،9:2019 (. لقد أدت الانقسامات الحزبية، وابتعاد هذه الأحزاب عن السلطة لعقود طويلة، وغياب القيادات التاريخية بسبب المرض أو الموت، وعدم وجود قيادات بنفس القوة والجاذبية، إلى تراجع دور هذه الأحزاب السياسية. كذلك فقد أسهم ظهور بعض الحركات المسلحة في شرق وغرب وشمال السودان في إضعاف الأحزاب السياسية حيث انضم الكثيرون من أنصار هذه الأحزاب إلى هذه الحركات، وانضم آخرون إلى الحزب الحاكم آنذاك تاركين أحزابهم التاريخية. عند سقوط النظام العسكري الحاكم كانت الساحة السياسية خالية من أي حزب فاعل وذو قاعدة جماهيرية عريضة. لقد تلاشى المؤتمر الوطني بسقوط النظام بعد أن تم حظره، ولم تستطع الأحزاب السياسية الأخرى ملء الفراغ بسبب العوامل التي تمت الإشارة اليها آنفاً، وتمدد العسكريون والحركات المسلحة لملء الفراغ الذي خلّفه سقوط نظام البشير. إن أكبر دليل على افتقار الأحزاب السياسية لأبسط مصادر القوة هو التهميش الذي تعيشه الآن، والغياب شبه الكامل عن الساحة السياسية التي تصدرتها القوات المسلحة وقوات الدعم السريع والحركات المسلحة من جهة، مع حضور متواضع لبعض القوى الحزبية مثل حزب الامة الذي تحالف مع القوى الحاكمة، والحزب الشيوعي الذي يعارض توجهات الحكومة الانتقالية. بسبب افتقار القوى الحاكمة في المرحلة الانتقالية للقواعد الجماهيرية التي تمكنها من الوصول للسلطة عبر صناديق الانتخابات، لجأت إلى تمديد الفترة الانتقالية إلى أربع سنوات ، ثم مددتها مرة أخرى خلال مرحلة التفاوض مع حركات الكفاح المسلح، وعلى الرغم من أن إجراء الانتخابات يعد من أهم مهام الحكومة الانتقالية، إلا أنها لا تولي هذا الأمر الاهتمام الكافي بدليل أنها لم تقم حتى كتابة هذه السطور بتشكيل مفوضية الانتخابات الجديدة ما يوحي بأن إجراء الانتخابات لا يمثل أولوية للحكام الجدد ولا يخدم أهدافهم السياسية. وعلى الرغم من عراقة الأحزاب السودانية، فأن أغلبها لا يزال عاجزاً عن ممارسة دوره السياسي المطلوب، ومن الواضح أن هذه الاحزاب لم تتطور لا من حيث رؤاها الفكرية وبرامجها السياسية، ولا من حيث هياكلها التنظيمية. ولقياس فاعلية الأحزاب السياسية يستخدم عددٌ من المعايير مثل: البناء التنظيمي، القواعد الجماهيرية، البرنامج، القيادة، آليات الخلافة السياسية في الحزب، ومصادر التمويل وغيرها (مكاوي، فعالية الأحزاب، 2018: 10.24) ، وبتطبيق المعايير المشار اليها على الأحزاب السودانية لوحظ أن اغلبها يعاني من مشاكل جوهرية مثل ضعف الهياكل التنظيمية، وغياب البرنامج، وغياب الديمقراطية الداخلية وآليات الخلافة السياسية، ويعاني أغلب هذه الأحزاب من مشاكل التمويل، وبشكل عام، لا تسير الأمور في هذه الأحزاب نحو الأفضل بما يدعو للتفاؤل بمستقبلها أو التعويل على دور فاعل لها في عملية الانتقال الديمقراطي الجارية حاليّاً، فكل المؤشرات تشير إلى تراجعها وتعمق أزماتها ( مكاوي، منعرج اللوى، 2018:119.126) ، ولا شك أن ضعف الأحزاب السياسية ينعكس مباشرة على البنية السياسية بالبلاد، وبالتالي فإن إصلاح شأن الأحزاب السودانية هو المدخل الرئيسي لتعزيز البناء السياسي وتقويته. وفي الواقع تحتاج الأحزاب السودانية إلى إجراء تقييم شامل للمتغيرات في البيئة السياسية، وما يقتضيه ذلك من تطوير لبرامجها وخططها وهياكلها وأساليبها، وأن تعكف على دراسة تجارب الأحزاب السياسية في دول أخرى وتستفيد من تجاربها متى كان ذلك مفيداً، وأن تعمل بشكل خاص على استقطاب المزيد من الشباب والنساء إلى صفوفها باعتبارهم الكتلة الحيوية في البيئة السياسية في هذه المرحلة المفصلية من التاريخ السوداني، وأن تسعى لتطوير العمل الجبهوي والتحالفات الحزبية الموسعة القائمة على أساس القواسم المشتركة. وفي هذا الصدد يرى أحمد إبراهيم أبو شوك وصلاح الدين الزين أن هذه الأحزاب بحاجة إلى ” ممارسة النقد الذاتي المؤسسي لترسيخ الالتزام بقيم الديمقراطية في إدارة صراعاتها الداخلية[…] (ومراجعة) علاقات الأحزاب الأفقية […] والتي يجب أن تؤسس على توافقات على السياسات والمصالح الوطنية العليا (أبو شوك والزين،2020: 27)”. تعاني منظمات المجتمع المدني كذلك من ضعف كبير بسبب ممارسات النظام السابق وسعيه الحثيث من أجل السيطرة على هذه التنظيمات والتضييق عليها. لقد تم تسييس المجتمع المدني إلى حد كبير ما قاد إلى انقسامات في كثير من منظماته، كما أن أغلب تنظيمات المجتمع المدني في السودان تعاني من نقص مصادر التمويل، فضلاً عن الصراعات السياسية والإثنية في داخلها. لذلك، وباستثناء الدور الحاسم الذي قام به ” تجمع المهنيين السودانيين” في اشعال الثورة، فان قطاعاً واسعاً من المجتمع المدني كان، ولا يزال، غائباً إلى حد كبير عن الساحة السياسية، وكما أكد وايتهيد فإن وجود مجتمع مدني قوي يسمح بفرصة أكبر للديمقراطية لتكون ناجحة وطويلة الأمد وقادرة على مواجهة التحديات. إن تفعيل المجتمع المدني يقتضي التنسيق بين منظماته، والعمل على توفير التمويل اللازم لأنشطته، وتحديد علاقته بالأحزاب. ولا شك أن ضعف الأحزاب السياسية وتنظيمات المجتمع المدني السوداني يؤثر سلباً في الانتقال الديمقراطي، وبالتالي، فإن التحدي الذي يواجه الحكومة الانتقالية في هذا الجانب هو القدرة على تكوين كتلة سياسية فاعلة من الأحزاب السياسية والقوى المدنية تسد الفراغ الذي بات واضحاً عقب سقوط النظام.
  1. التدهور الاقتصادي وغلاء المعيشة:
تعد الأوضاع الاقتصادية المتدهورة من أبرز العقبات التي تواجه الأنظمة السياسية في مرحلة الانتقال صوب الديمقراطية، وكما عبَّر روبرتو ستيفان فوا، فأن” تأمين تحالف واسع للإصلاح الديمقراطي يصبح أكثر صعوبة مع الأداء الاقتصادي المتعثر للديمقراطيات الناضجة والانتقالية” (Tarek Masoud, The Arab Spring) في السودان، كان تردي الأوضاع الاقتصادية هو السبب الأساسي في قيام الثورة السودانية التي اندلعت في السودان في 19 ديسمبر 2018م وأفضت إلى سقوط النظام في الحادي عشر من أبريل 2019م. لقد ثارت الجماهير في عدد من المدن السودانية احتجاجاً على ارتفاع أسعار المواد الأساسية في البلاد، وانخفاض قيمة العملة السودانية، وندرة الكثير من السلع أو انعدامها في الأسواق، فضلاَ عن شح النقد وعجز المواطنين عن الحصول على مدخراتهم في البنوك من أجل توفير احتياجاتهم الأساسية. بعد سقوط النظام لم تتحسن الأحوال الاقتصادية كما توقعت الجماهير الثائرة، بل وعلى العكس من ذلك، ازداد التدهور الاقتصادي، وظل المواطن السودان يعاني من غلاء أسعار المعيشة، وشح السلع الأساسية مثل الخبز والوقود وغيرها. ارتفع معدل التضخم إلى أكثر من 378%، وتدهورت العملة الوطنية ليساوي الدولار الواحد 375 جنيهاً سودانياً (في مارس 2021م)، وبلغت نسبة الديون السودانية 201% من الناتج المحلي الإجمالي (هيئة الإذاعة البريطانية، 17/12/2020م). حدّدت وزارة المالية السودانية سياسات عامة لموازنة العام 2021م، من أهمها معالجة كل أشكال التهرّب الضريبي وترشيد الإعفاءات الضريبية، وتوجيه التمويل المصرفي نحو القطاعات الإنتاجية. أكدت سياسة الموازنة كذلك على ضرورة ولاية وزارة المالية على كل المال العام ومراجعة القوانين التي تتعارض مع هذا المبدأ، وأن تشمل ولاية وزارة المالية كل المؤسسات بما في ذلك شركات القوات المسلحة ( علي ، 2021) ، وطالب الدكتور عبد الله حمدوك في مؤتمر صحفي الجيش السوداني بتسليم شركاته للحكومة وتحويلها إلى شركات “مساهمة عامة “، قائلاً أن استثمار الجيش في التصنيع الحربي مقبول ومعمول به، ولكن استثمار الجيش في الإنتاج غير مقبول، وفي رده على دعوة حمدوك قال رئيس المجلس السيادي الفريق عبد الفتاح البرهان ” إن شركات الجيش لم تحتكر التصدير” مؤكداً على براءة الجيش من الإخفاقات الاقتصادية التي تشهدها البلاد (القدس العربي، ،24 / 2020 ). لقد أدى التدهور الاقتصادي وسوء الأحوال المعيشية في السودان إلى خروج المواطنين في تظاهرات عارمة تجوب العاصمة والمدن السودانية الكبرى يطالبون فيها برحيل حكومة الدكتور عبد الله حمدوك، شارك في هذه التظاهرات تجمّع المهنيين السودانيين وهو التحالف الذي قاد الاحتجاجات ضد الرئيس السابق عمر البشير، حيث دعا التجمع إلى تظاهرات ضد تدهور الأوضاع الاقتصادية في عهد الحكومة الانتقالية، وقال التجمع في بيان له “إن السلطة الانتقالية أكملت منذ تشكيلها العام، والأزمات في تزايد مخيف كل يوم، والأداء الحكومي مضطرب وضعيف لا يرتقي لمستحقات ثورة ديسمبر العظيمة.. إن الضائقة المعيشية ما عادت محتملة، ويهدر شعبنا سحابة يومه لاهثاً خلف أبجديات حاجاته في الخبز والوقود”(France24,2020). بدأت شرعية السلطة الحاكمة في التآكل بسبب فشلها في معالجة غلاء المعيشة، خاصة وأن سقف التوقعات كأن عالياً ، ولم تعمل الحكومة الانتقالية على شرح الأوضاع بالصراحة التامة، فقد كانت الأجواء الثورية حاضرة وطموحات الشباب الثائر لا يحدها سقف ، لكن الحكومة الانتقالية سايرت هذه الموجة الثورية العارمة ولم تشأ أن تفقد سندها من هؤلاء الشباب ، ولم تكن صريحة مع الشعب بالقدر الكافي ، فعلى سبيل المثال ، وعد رئيس الوزراء بعدم اللجوء إلى رفع الدعم عن السلع ، ففي تصريح له عقب تشكيل الحكومة مباشرة ( في أغسطس 2019م) صرح الدكتور عبد الله حمدوك رئيس الوزراء بأنه سوف يلجأ إلى ” “وصفة” محلية تراعي الأوضاع المعيشية الضاغطة على المواطنين، وتدفع الصناديق الدولية لمد يد العون دون فرض شروط”( فضل ، 2019) ، ولكن الدكتور حمدوك أعلن بعد ثلاثة أشهر أنه “بصدد إجراء حوارات ونقاشات واسعة مع قطاعات الشعب بشأن رفع الدعم الذي تقدمه الدولة للسلع الأساسية، ليقرر قبوله أو رفضه”( ياسين، 2019). في هذا السياق قالت روزماري ديكارلو رئيسة الشؤون السياسية في الأمم المتحدة، أمام مجلس الأمن الدولي، إن الدعم الدولي للسودان أمر بالغ الأهمية مع استمرار البلاد على طريق التحول الديمقراطي، موضحة أن جائحة كورونا والفيضانات أدت إلى زيادة عجز الموازنة بنحو 250 مليون دولار شهرياً (United Nations,2020)، ودعت مجموعة الأزمات الدولية المانحين إلى تقديم مساعدة عاجلة أو المخاطرة بانهيار الحكومة الانتقالية (Creta,2020). انعكست الأزمة الاقتصادية على علاقة الطرفين: العسكري والمدني للسلطة والذين تبادلا الاتهامات علناً، فبينما اتهم المدنيون العسكريين بأنهم يتحكمون بأغلب الموارد الاقتصادية بالبلاد، يؤكد العسكريون على أن الأزمة الاقتصادية سببها ضعف الحكومة المدنية برئاسة حمدوك، وعدم قدرتها على التصدي للأزمة الاقتصادية.
  1. تحقيق السلام:
نصت المادة الثامنة من الوثيقة الدستورية والمتعلقة بمهام الفترة الانتقالية على ” العمل على تحقيق السلام العادل والشامل وإنهاء الحرب بمخاطبة جذور المشكلة السودانية ومعالجة آثارها”، وفي الثالث من شهر أكتوبر 2020م وقّعت الحكومة الانتقالية اتفاقاً مع الحركات المسلحة المنضوية تحت لواء (الجبهة الثورية). كان من أبرز الحركات الموقعة على الاتفاق: حركة العدل والمساواة بقيادة الدكتور/ جبريل إبراهيم، وحركة جيش تحرير السودان- جناح مني أركو مناوي، الحركة الشعبية شمال- جناح مالك عقار، بالإضافة إلى مسار الشرق ومسار الشمال، وفي وقت لاحق شرعت الحكومة الانتقالية في التفاوض مع الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو التي رفضت التوقيع على اتفاق سلام السودان الموقع بجوبا في أكتوبر 2020م، كما لم تتوصل الحكومة الانتقالية لاتفاق مع (حركة تحرير السودان) بقيادة عبد الواحد محمد نور حتى كتابة هذه السطور. تناولت اتفاقية السلام الموقعة بين الطرفين، والتي ضمت 8 بروتوكولات، عدداً من الموضوعات مثل: العدالة الانتقالية والتعويضات، وملكية الأرض، وتطوير قطاع المراعي والرعي، وتقاسم الثروة والسلطة، وعودة اللاجئين والنازحين. أعطت الاتفاقية للجبهة الثورية 3 مقاعد في مجلس السيادة الانتقالي، بالإضافة إلى 5 وزراء و75 مقعداً في البرلمان الانتقالي، كما نصت الاتفاقية على دمج الحركات المسلحة في الجيش السوداني، وأعطتهم الاتفاقية 20% من الوظائف في الخدمة المدنية، واستثنت الاتفاقية قادة الحركات من المادة 20 من الوثيقة الدستورية التي تحرم كل من تولى منصباً في السلطة الانتقالية من الترشح في الانتخابات القادمة (صحيفة الشرق الأوسط، 4/10/2020). لا شك أن التوصل إلى اتفاقية سلام لوقف الحرب التي خلفت آثاراً إنسانية واقتصادية واجتماعية عميقة كان، بحد ذاته، تقدماً مقدّراً صوب الوحدة الوطنية السودانية، لكنّ تحقيق السلام المنشود يواجه تحديات كثيرة، ومن أبرز التحديات التي تواجه عملية السلام الآتي: أ. تأخر تشكيل هياكل السلطة الجديدة التي نصت عليها اتفاقية السلام، فقد نصت اتفاقية السلام على تشكيل حكومة انتقالية جديدة وإعادة تشكيل مجلس السيادة، وتعيين ولاة جدد في الأقاليم ، والعمل على دمج المقاتلين في الجيش السوداني، لكن أغلب هذه البنود لن يتم تنفيذها حسب التوقيتات المتفق عليها في مصفوفة الاتفاقية . يقول شير ابو نمو، رئيس الوفد التفاوضي لحركة تحرير السودان بقيادة منى أركو مناوي ” قضينا الآن أكثر من ثلاثة أشهر، وللأسف الأمور لم تبرح مكانها ” ، ويرى أبو نمو  أن ذلك يرجع إلى “خلافات متشعبة بين تحالف الحرية والتغيير والاطراف الموقعة والمكوِّن العسكري “( نواي ، 2020). ب. الأوضاع الاقتصادية المتدهورة والتراجع المستمر للعملة السودانية والذي تجلى في التضخم الذي بلغ 250% مطلع العام 2021، مع انتشار وباء كورونا، كل ذلك جعل من الصعب تنفيذ الالتزامات التي تضمنتها اتفاقية السلام. ج. ترتبط مسألة تحقيق السلام بموضوع العدالة الانتقالية لتصفية تركة النظام السابق، لكن اتهام بعض القيادات الحالية بالمشاركة في الانتهاكات التي جرت في مناطق النزاعات يجعل من الصعب الوصول إلى تحقيق هذا الهدف. نصت الاتفاقية على البدء في عملية دمج وتسريح القوات بعد 60 يوماً من التوقيع، إلا أن شح الموارد المالية التي تتطلبها عملية الدمج حالت دون تنفيذ هذا الأمر في الوقت المحدد في الاتفاقية، وفي محاولة من الحركات الموقعة على اتفاقيات السلام لوضع الحكومة أمام الأمر الواقع، وصلت قوات بعض هذه الحركات بكامل عتادها الحربي إلى الخرطوم، وسيطرت مجموعة مسلحة على مبنى «اللجنة الأولمبية»، وكادت أن تحدث أزمة بعد أن طلب منها الخروج من الموقع. لقد أثارت المظاهر المسلحة في شوارع الخرطوم والتي تزامنت مع مظاهر الانفلات الأمني مخاوف المواطنين، وتصاعدت المخاوف بنشوب صدام عسكري داخل إحدى هذه المجموعات داخل العاصمة الخرطوم، إلاّ أن الشرطة تمكنت من السيطرة عليه. في إحاطته الدورية الأولى لمجلس الأمن الدولي، حذر فولكر بيرتيس رئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس) من المخاطر المترتبة على وجود عدة جيوش في السودان مؤكداً على أن السلام لن يتحقق في ظل هذا الوضع الأمني الهش، ويشير المراقبون إلى أن هناك، على الأقل، خمسة جيوش تجوب شوارع الخرطوم (صحيفة الشرق الأوسط، 15454).
  1. تحقيق العدالة الانتقالية:
حسب تعريف الأمم المتحدة فإن العدالة الانتقالية تشمل ” كامل نطاق العمليات والآليّات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها المجتمع لتفهم تركته من تجاوزات الماضي الواسعة النطاق بغية كفالة المساءلة وإقامة العدالة وتحقيق المصالحة، وتشمل[…] محاكمات الأفراد، والتعويض، وتقصي الحقائق، والإصلاح الدستوري، وفحص السجل الشخصي للكشف عن التجاوزات “(بنيوب،2012). وعرّفها المركز الدولي للعدالة الانتقالية على أنها ” مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي قامت بتطبيقها دول مختلفة من أجل معالجة ما ورثته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وتتضمّن هذه التدابير الملاحقات القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر، وأشكال متنوّعة من إصلاح المؤسسات” (المركز الدولي للعدالة الانتقالية، 2020). تهدف العدالة الانتقالية، بشكل عام، إلى تحقيق الأهداف التالية:
  1. كشف الحقيقة وتقديم رواية تاريخية شاملة لحقيقة ما حدث.
  2. الاعتراف بالأخطاء التي تم ارتكابها.
  3. تحديد المسؤولين، وإجراء مساءلة حول الانتهاكات والتجاوزات التي حدثت.
  4. تحقيق المصالحة.
  5. ضمان عدم تكرار انتهاكات حقوق الإنسان بما في ذلك الضمانات التي يُتعهّد بها من خلال الإصلاح المؤسسي.
  6. استعادة الثقة في مؤسسات الدولة.
  7. تعزيز سيادة القانون.
  8. تقديم تعويضات للضحايا (بنيوب، مرجع سابق، ص 9).
لقد شهد عهد الحكومة العسكرية الثالثة والذي امتد لمدة ثلاثين عاماً (1989م-2019م) انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان ، فقد شهدت هذه الفترة حروباً دامية شملت جنوب السودان، ودارفور، وجنوب كردفان والنيل الأزرق وبعض مناطق الشمال ، وقد خلّفت هذه الحروب مئات الآلاف من القتلى المدنيين، وأُجبِر السكان المحليون على مغادرة قراهم واللجوء إلى معسكرات النزوح التي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة من الغذاء والدواء والأمن الشخصي ما قاد إلى فقدان المزيد من الأرواح، كما شهدت السجون والمعتقلات حالات من التعذيب غير المسبوق فيما عرف ببيوت الاشباح، وتعرض المتظاهرون للقتل الجماعي كما حدث في أيام الثورة ، فضلاً عن الأعداد الهائلة من القتلى الشباب في مجزرة فض اعتصام القيادة ، واختفاء المئات من المواطنين وآلاف الجرحى . لقد انتهكت حقوق الإنسان خلال فترة حكم البشير وفي أيام الثورة وبعدها بصورة لافتة للنظر ما يستدعي الإسراع والجدية في إجراءات العدالة الانتقالية كشفاً للحقائق، ومحاسبة للمسؤولين عن الانتهاكات، وضماناً لعدم تكرار الانتهاكات، وإعمالاً للمصالحة المجتمعية الشاملة. وإدراكاً من جميع الأطراف بالتجاوزات الخطيرة التي حدثت خلال فترة (الإنقاذ)، تضمنت الوثيقة الدستورية نصوصاً واضحة حول العدالة الانتقالية حيث جاء فيها الآتي:
  1. تلتزم السلطة الانتقالية بإنفاذ حكم القانون وتطبيق مبدأ المساءلة ورد المظالم والحقوق المسلوبة.
  2. تلتزم أجهزة الدولة في الفترة الانتقالية بمحاسبة منسوبي النظام البائد عن كل الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوداني منذ الثلاثين من يونيو 1989م وفق القانون.
  3. تفكيك بنية التمكين لنظام الثلاثين من يونيو 1989م وبناء دولة القانون والمؤسسات.
  4. تشكيل لجنة تحقيق وطنية […] لإجراء تحقيق شفاف ودقيق في الانتهاكات التي جرت في الثالث من يونيو 2019م.
  5. تكوين مفوضية العدالة الانتقالية.
  6. البدء في إنفاذ إجراءات العدالة الانتقالية والمحاسبة على الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وتقديم المتهمين إلى المحاكم الوطنية والدولية إعمالاً لمبدأ عدم الإفلات من العقاب.
لقد تم التأكيد على موضوع العدالة الانتقالية في عدة مواضع من الوثيقة الدستورية التي تعد هي الموجه الأساسي للفترة الانتقالية، لكن إعمال مبادئ العدالة الانتقالية لا يزال بعيداً عن التحقق على أرض الواقع، ومن أهم المؤشرات على ذلك الآتي:
  1. لم يتم تشكيل مفوضية العدالة الانتقالية حتى كتابة هذه السطور على الرغم من أنها تُمثِّل المدخل لعهد ديمقراطي جديد يتجاوز سلبيات الماضي ويفتح صفحة جديدة في التاريخ السوداني، ولعل السبب في ذلك هو التأخر في قانون المفوضية الذي أخذ وقتاً طويلاً قبل إعداده، ولا يزال مسودة لم تتم اجازتها بعد.
  2. تم تكوين لجنة للتحقيق في أحداث الثالث من يونيو 2019م ولكن لم تتمكن اللجنة من إيداع تقريرها النهائي حتى كتابة هذه السطور وطلبت التمديد عدة مرات ربما بسبب ضغوط تتعرض لها هذه اللجنة.
وفي الواقع، وعلى الرغم من السند الشعبي القوي الداعي إلى تحقيق العدالة، فإنها لا تتحقق في كثير من الأحيان ، ويحدثنا التاريخ عن افلات المسؤولين عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الحرب العالمية الأولى ، وعن إفلات الفاشيين في إيطاليا بعد سقوط نظامهم، وافلات غالبية القادة الشيوعيين في أوربا الشرقية بعد انهيار أنظمتهم عدا حالة رومانيا ،وفي الأرجنتين عطّل العسكريون المحاكم العسكرية التي شكلتها الحكومة بعد الانتقال للحكم المدني(بنيوب، مرجع سابق، ص 10 ) ، ويعتقد الباحث أن هذا هو لسان حال حكومة عبد الله حمدوك وإن لم تصارح الشعب بذلك، فقد لا يقبل العسكريون محاكمة منسوبيهم على ما حدث من انتهاكات خلال سنوات الحرب في عدة أجزاء من السودان،  تماماً كما حدث في الأرجنتين في ثمانينيات القرن الماضي، وكما حدث في جنوب أفريقيا حيث أصرت الجهات الأمنية على عدم الاستمرار في المفاوضات مع الأغلبية السوداء إلا بعد الحصول على ضمانات بعدم محاكمة منسوبيها مستقبلاً وكان لهم ما أرادوا. وفي الواقع فإن من التحديات التي تواجه تطبيق العدالة الانتقالية الفهم السائد بشكل عام عن مشتملات هذه العدالة وحصرها في الجانب القانوني، لكن العدالة الانتقالية تشمل جوانب أخرى: اجتماعية (التمييز الإيجابي للمهمشين) ومالية (تعويض الضحايا بما يمكنهم من الانخراط في الحياة بصورة طبيعية) ونفسية (بإنشاء مراكز العلاج النفسي لضحايا الانتهاكات في مناطق الحروب)( بريمة، 2019) ، فالعدالة الانتقالية، خلافاً للرأي السائد والذي يحصرها في ” عقد المحاكمات” تشمل تشكيل لجان الحقيقة ،إعادة تأهيل الضَّحايا ، المصالحات الوطنيَّة والإصلاح القانوني والقضائي والسِّياسي( الجزولي، 2019) ، فهي عملية مجتمعية شاملة، ومُعقّدة، يجب أن يُشارك فيها الشعب بأكمله، وبخاصّة الضحايا والناجين والناجيات من الانتهاكات “الجسيمة” لحقوق الإنسان، التي تُعنىَ العدالةُ الانتقالية بمعالجة آثارها”(الباقر، 2020). بالإضافة إلى ذلك، تواجه العدالة الانتقالية في السودان تحديات أخرى تتمثل في عدم وجود العدد الكافي من العناصر المؤهلة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان والصمود في وجه الضغوط من قبل المتورطين، بالإضافة إلى شح الموارد المالية المخصصة لهذه المهام التي تتطلب الكثير من الموارد المالية اللازمة للحصول على المعلومات والبيانات المطلوبة التي تقود إلى الوصول للحقائق التي تنبني عليها الأحكام لاحقاً. وعلى العموم، هناك من يرى أن ” أي نظام للعدالة الانتقالية في المستقبل في السودان سيواجه العديد من التحديات… منها تشكيل المحاكم، إضافة إلى إشكالية تحقيق السلام والعدالة معاً؛ ذلك أن المحاكمات قد تدفع العسكريين إلى الانقلاب على المسار الديمقراطي”(بابكر، 2019). مع ذلك، تظل العدالة الانتقالية مطلباً ملحاً كونها ترتبط ارتباطاً مباشراً بالسلام العادل والمستدام الذي يتطلب تضميد جراحات الماضي، وتصفية النفوس مما علق بها جراء الاعتداءات الجسدية والمادية والنفسية، ولا شك أن السلام نفسه ضروري لاستدامة الديمقراطية وضمان عدم تراجعها مستقبلاً. تحسين علاقات السودانية الخارجية: نصت الوثيقة الدستورية على “وضع سياسة خارجية متوازنة تحقق المصالح العليا للدولة، وتعمل على تحسين علاقات السودان الخارجية، وبنائها على أسس الاستقلالية والمصالح المشتركة بما يحفظ سيادة البلاد وأمنها وحدودها” (الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية، 2019: 8.13). وفي الواقع فإن ملف السياسة الخارجية يعد من أهم الملفات التي تواجه الحكومة الانتقالية، وهناك ما يشبه الإجماع بين السياسيين والمفكرين السودانيين على أن أغلب مشاكل السودان التي مر بها طوال فترة الحكومة السابقة كان بسبب الفشل في إدارة هذا الملف. تمكنت الحكومة الانتقالية من تحقيق نجاحات مقدرة على صعيد العلاقات الخارجية تمثلت في: رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، تقديم الولايات المتحدة قرضاً بمبلغ 1.15 مليار دولار لتسديد جزء من ديون البنك الدولي على السودان، وانعقاد مؤتمر برلين الذي هدف إلى ” تقديم الدعم الاقتصادي والسياسي للحكومة الانتقالية في السودان” وتعهده بدفع مبلغ 1.8 مليار دولار لمساعدة السودان. مع ذلك تواجه الحكومة الانتقالية الكثير من التحديات في مجال العلاقات الخارجية، فالتوازنات الإقليمية والدولية ، مع تعدد مراكز صنع القرار وتشابك علاقات بعض أطراف الحكومة مع جهات خارجية خلق الكثير من التناقضات في هذا الجانب ، فهناك جزء أساسي من الحكومة الانتقالية وهو قوات الدعم السريع مرتبط ، منذ عهد النظام البائد ، بحرب اليمن التي تقودها المملكة العربية السعودية والامارات ودول أخرى، ويرغب ، تحت إلحاح هذه الدول وإغراءاتها في الإبقاء على القوات السودانية هناك ، بينما يرى المُكوِّن المدني أن ذلك يتعارض مع مبدأ تحسين علاقات السودان الخارجية وبناء السياسة الخارجية على أسس الاستقلالية كما جاء في الوثيقة الدستورية. في ذات الوقت، برز سؤال ملح حول الجهة التي تدير ملف العلاقات الخارجية في الحكومة الانتقالية، حيث بدا واضحاً أن هناك مراكز متعددة لصنع القرار الخارجي في الحكومة الانتقالية، وقد كانت الحالة الأوضح هي مقابلة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عنتيبي وما أثير حول اتفاقهما على التطبيع بين السودان وإسرائيل، وهو ما أثار الخلاف بين المكون العسكري والمكون المدني الذي اعتبر ما قام به البرهان لا يعبر عن رأي الحكومة بل هي مبادرة شخصية يتحمل وحده مسؤوليتها. وفي الواقع ، ليست هنالك صورة واضحة حول مركز القرار في هذا الملف الخطير ، إذ يلاحظ تقاسم إدارة العلاقات الخارجية بين الأطراف المختلفة ، فعلى سبيل المثال ، لوحظ بروز دور البرهان في ملف الحدود مع أثيوبيا ،وهيمنة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك على ملف العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وعلى ملف سد النهضة، وقيام الفريق محمد حمدان دقلو( حميدتي) بدور أكبر في ملف العلاقات مع تشاد وجنوب السودان، بينما يتنافس ثلاثتهم في موضوع العلاقات مع السعودية ومصر والإمارات ،ويرى البعض أنه ، في كثير من الأحيان، ” يتحدد نصيب كل شريك من شركاء الحكم في السودان، وفق رغبة الطرف الخارجي صاحب المصلحة في التعامل مع أي منهم او تجنب أي منهم”( مركز الإمارات للدراسات، 2020). وعلى الرغم من عدم وجود ما يشير إلى إمكانية تفجر خلاف جوهري بين هذه الأطراف حول موضوع العلاقات الخارجية إذ اتخذ الموضوع مؤخراً شكلاً من أشكال تبادل الأدوار، لكن تعقد الملفات الخارجية وتشابكها مع طول أمد الفترة الانتقالية ربما يقود إلى خلافات مستقبلية حول إدارة هذا الملف المهم. ومع ذلك فيجب عدم إغفال الجانب الخارجي، ذلك أن التدخلات الخارجية تلعب دوراً كبيراً خلال مراحل الانتقال الديمقراطي حيث تبدأ القوى الدولية والإقليمية بالتدخل بكثافة من أن أجل توجيه الأمور بما يحقق مصالحها، وتكون الفرصة- غالباً مواتية لمثل هذه التدخلات بسبب هشاشة الأوضاع خلال مراحل الانتقال الديمقراطي بشكل عام (Snyder,1998). في هذا الصدد يرى عزمي بشارة أن التدخلات الخارجية يمكن أن تسهم في إفشال الانتقال الديمقراطي في السودان، خاصة وأن بعض القوى الإقليمية التي تتدخل بكثافة في الشأن السوداني منذ سقوط نظام البشير هي من الدول التي تعادي التحول الديمقراطي مبدئياً لظروف داخلية خاصة بها، وبعض هذه الدول ساهمت في تغيير النظام من الداخل بالتنسيق مع بعض أطرافه (أبو شوك، 2021: 20.21). ثالثاً: فرص وآفاق التحول الديمقراطي في السودان: فشل النظام السابق: اقتصادياً وسياسياً، وأمنياً، وانتشر الفساد في أوساط النخبة التي بيدها مقاليد الأمور السياسية، وتمحورت السلطة في فئة صغيرة وفاسدة ومعزولة، وقد ذلك إلى بروز تيار إصلاحي داخل المؤتمر الوطني دعا إلى معالجة أوجه الخلل لكن تم قمعه بشدة، وعلى الرغم من تبني النظام لبعض شعارات الاصلاح لكن محاولاته كانت شكلية وينقصها الجدية ما أدى في نهاية الأمر إلى تصاعد الاحتجاجات الشعبية التي أفضت إلى سقوط النظام ، وبالتالي فقد حدث التغيير من أسفل إلى أعلى وانتهى بتغيير رموز النظام، لكن السودان لا يزال بعيداً عن التحول الديمقراطي المنشود، ويُخْشَى أن تحدث انتكاسة في مسيرة الانتقال الديمقراطي في السودان. لا شك في أن المرحلة الانتقالية الحالية في السودان تمثل أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ السودان الحديث، وذلك بسبب ثقل التركة التي ورثتها الحكومة الانتقالية من النظام السابق، والتي تجلت في: الأوضاع الاقتصادية المتدهورة وعدم توفر أدنى مقومات الحياة الكريمة والخذلان المستمر لتوقعات المواطنين ، الإثنية المسيسة التي ضربت كل أنحاء البلاد، العزلة الدولية والإقليمية الكاملة للسودان، الضعف الواضح والغياب شبه الكامل للأحزاب السياسية والمجتمع المدني عن الساحة السياسية، ضعف الثقافة الديمقراطية في أوساط الشعب بشكل عام ، والانفلات الأمني الذي طال أجزاء واسعة من البلاد بما فيها العاصمة الخرطوم. في ذات الوقت، هناك بعض الفرص أمام الحكومة الانتقالية، يمكن استغلالها للمساهمة في تحقيق الانتقال الديمقراطي المنشود في السودان، ولعل أبرز هذه الفرص هو الاجماع الوطني الذي تحقق أثناء الثورة على النظام السابق حيث تناست كل الجماعات السياسية خلافاتها وركزت على تحقيق هدف واحد هو اسقاط النظام. في ذات الوقت فإن نجاح القوى السياسية والعسكرية- بالتنسيق المشترك- في اسقاط النظام رفع من الروح المعنوية لهذه القوى من ناحية، وأقنعها بأهمية التوحد والتعاضد الوطني من أجل أنجاز الأهداف الكبرى، وهو ما حاولت البناء عليه في المرحلة التي تلت سقوط النظام. كذلك فإن من أهم الفرص أمام الحكومة الانتقالية ذلك الدعم الخارجي غير المسبوق الذي حظيت به والذي تجلى في رفع اسم السودان من الدول الراعية للإرهاب، والدعم المالي السخي الذي قدمته الدول الغربية للحكومة الانتقالية، والجهود الدولية الواضحة التي سعت لإلغاء ديون السودان. وفي إطار سعي الحكومة الانتقالية لتوسيع القاعدة السياسية وتعويض ما فقدته بعد انسلاخ جزء من الحلفاء، حرصت على الوصول إلى سلام مع (حركات الكفاح المسلح) لدعم القاعدة الشعبية للحكومة، وقد عبر أحد قادة الحرية والتغيير عن ذلك بقوله أن الحكومة اليوم “تستند إلى قاعدة سياسية عريضة، بعد انضمام الجبهة الثورية التي تضم أربع حركات مسلحة وخمسة تحالفات سياسية، إضافة إلى توافق القوى السياسية التي تنضوي تحت مظلة قوى الحرية والتغيير، واستشعارها بأهمية مواجهة تحديات المرحلة المقبلة “(علي، 2020). لكن نجاح الانتقال الديمقراطي في السودان يتوقف، إلى حد كبير، على توافر رؤية سياسية تدرك المخاطر المحدقة بالبلاد، وتعمل على توسيع قاعدة المشاركة خلال هذه المرحلة الدقيقة من عمر الوطن، وعلى قدرة الحكومة الانتقالية على التعاطي الإيجابي مع كل الملفات المتشابكة والمعقدة التي تمت الإشارة لها، وعلى مواجهة التركة الثقيلة التي خلفها النظام. ولتحقيق مطلوبات الانتقال الديمقراطي السلس ، لا بد من الإسراع في استكمال هياكل الفترة الانتقالية، لأن التأخر في استكمال هذه المؤسسات سيؤدي إلى فشل الحكومة الانتقالية في التصدي للمهام الجسيمة التي يتوجب عليها القيام بها، وإذا ما وضعنا في الاعتبار أن تأخر إنشاء الكثير من المؤسسات الانتقالية كان بحجة إرجاء ذلك إلى ما بعد توقيع اتفاقيات السلام، فلم يعد هناك مبرراً مقنعاً لعدم استكمال هذه المؤسسات الآن ، خاصة وقد مرت حتى كتابة هذه السطور أكثر من ستة أشهر منذ توقيع الاتفاق مع ( حركات الكفاح المسلح)، وبدأ قادة هذه الحركات في التململ من عدم الوفاء بمستحقات السلام ما ينذر بمخاطر قد تنجم من عدم الوفاء بهذه الاستحقاقات. في ذات الوقت، لا بد من التصدي للأوضاع الاقتصادية المتردية، فقد كانت هذه الأوضاع الاقتصادية المتدهورة هي السبب الأساسي في قيام الثورة، وبدلاً من تحسن الأوضاع اتضح أن الأمور تسير عكس ما توقعه الثوار، إذ شهدت الأوضاع الاقتصادية مزيداً من التدهور، وزادت نسبة التضخم بصورة غير مسبوقة، ومع أن الحكومة مطالبة بدفع تكاليف السلام، إلاّ أنها مطالبة، في ذات الوقت، بتوفير الحد الأدنى من المستوى المعيشي اللائق في هذه المرحلة. إن ذلك يحتاج إلى حزمة من الإجراءات العاجلة لمعالجة الوضع الاقتصادي تقوم بها الحكومة مستفيدة من فرص الانفتاح على المجتمع الدولي. ولأن الوحدة الوطنية في السودان تتوقف إلى حد كبير على الوفاء بمستحقات السلام ضماناً لاستمراره وحقنا لدماء أبناء الشعب، فينبغي معالجة هذا الملف بأعجل ما تيسر منعاً لأية انتكاسة في هذا الصدد، كما لا بد من إنصاف ضحايا الحروب في أنحاء السودان المختلفة بإعمال مبدأ العدالة الانتقالية، ومحاكمة منتهكي حقوق الإنسان خلال الثلاثين عاماً المنصرمة، والاهتمام بملف شهداء الثورة خاصة ملف فض الاعتصام وتقديم المسؤولين عن هذه الجرائم للعدالة. ولما كانت العزلة الدولية والإقليمية هي السبب الرئيسي وراء أغلب المآسي التي مر بها السودان، لزم الاهتمام الكافي بهذا الملف، ووضع استراتيجية محددة للنهوض بعلاقات السودان الخارجية، مع ضرورة العمل على توحيد مركز صنع القرار الخارجي منعا لأي تضارب في المواقف بين القوى الحاكمة من جهة، وحرصاً على ضمان تحقيق مصالح السودان بالصورة المنشودة. وقبل التوجه إلى صناديق الانتخابات، يتوجب العمل على تهيئة البيئة المناسبة لتطوير الأحزاب السياسية ومساعدتها في ذلك، والعمل بجدية من أجل تهيئة المناخ لتشكيل كتلة وطنية تكون قادرة على تحقيق تطلعات الشعب وإنجاح المرحلة الانتقالية من جانب والمشاركة بفعالية في الانتخابات القادمة من جانب آخر. الخاتمة: بعد ثلاثين عاماً من الحكم العسكري، تمكنت المعارضة السودانية من القضاء على حكم الرئيس السوداني عمر حسن احمد البشير وإقامة حكومة انتقالية تقوم على تحالف بين قوات الشعب المسلحة وقوى إعلان الحرية والتغيير من المقرر أن تستمر حتى قيام الانتخابات وتسليم السلطة إلى حكومة منتخبة في العام 2024م. تواجه الحكومة الانتقالية مجموعة من التحديات من أهمها طبيعة تركيبة الحكومة نفسها وغياب الثقة بين أطرافها والذي تجلى في العديد من المواقف، فضلاً عن الغياب شبه الكامل للقوى السياسية الوطنية ممثلة في الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وذلك بسبب سياسات النظام السابق التي هدفت إلى إضعافها وتقسيمها، بالإضافة إلى بعض المشكلات التأسيسية والبنيوية المتعلقة ببعضها. ومن التحديات العميقة التي تواجهها الحكومة الانتقالية في السودان: معالجة قضايا التدهور الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة، استدامة السلام، تحقيق العدالة الانتقالية، وتحسين علاقات السودان الخارجية. في ذات الوقت ، أمام الحكومة الانتقالية فرص كبيرة يمكن، إذا تم استغلالها بشكل مناسب، أن تسهم في التصدي للتحديات التي تمت الإشارة إليها، ومن أهم هذه الفرص الإجماع الشعبي الواسع على هذه الحكومة من الثوار المعادين للنظام السابق والحريصين على استمرار النظام الديمقراطي وقطع الطريق أمام أية محاولة لعودة النظام القديم بأي شكل من الأشكال، وقد ساعد هذا الإجماع على صبر الشعب على الضائقة المعيشية التي تستحكم حلقاتها يوماً بعد يوم. بالإضافة إلى ذلك فقد توفرت للحكومة الحالية مساندة دولية وإقليمية غير مسبوقة بسبب السياسات العدائية للنظام السابق ، والاتهامات الدولية له بدعم الحركات الإرهابية،  وتورطه في عدد من الأعمال الإرهابية كان من أشهرها محاولة اغتيال الرئيس المصري في أثيوبيا في العام 1995م، وقد تجلّت مساندة المجتمع الدولي للسودان في رفع اسمه من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، وفي تقديم الولايات المتحدة الأمريكية لتمويل تجسيري بنحو 1.15 مليار دولار لمساعدة السودان في سداد متأخرات للبنك الدولي، وفي مؤتمر برلين الذي سعى لتقديم الدعم الأوربي للسودان من الناحيتين الاقتصادية والسياسية والذي خرج بالاتفاق على تقديم مبلغ 1.8 مليار دولار لدعم الحكومة الانتقالية في السودان. إن مستقبل الانتقال الديمقراطي في السودان يتوقف على قدرة الحكومة الانتقالية على مواجهة التحديات الكبيرة والمتعددة التي تواجهها، وعلى رأسها القدرة على إدارة الخلاف بين مكوناتها، والتصدي للأزمة المعيشية الخانقة، ودفع مستحقات السلام بما يؤدي إلى استمراره واستدامته، وقدرتها على إدارة ملف العلاقات الخارجية بطريقة مرنة ومتوازنة. وفي هذا الصدد توصي الورقة بالتالي:
  1. الإسراع في استكمال هياكل الفترة الانتقالية.
  2. التصدي للأوضاع الاقتصادية المتردية بوضع خطط إسعافية تصب في مصلحة المواطن، وتوقِف التآكل المستمر في شرعية الحكومة الانتقالية.
  3. اتخاذ إجراءات عاجلة لإنصاف ضحايا الثورة، والحروب في أنحاء السودان المختلفة بإعمال مبدأ العدالة الانتقالية، ومحاكمة منتهكي حقوق الإنسان.
  4. وضع استراتيجية محددة للنهوض بعلاقات السودان الخارجية وتوحيد مركز صنع القرار الخارجي.
  5. تهيئة المناخ لتشكيل كتلة وطنية تشارك بفعالية في الانتخابات القادمة.
المصادر العربية 1.ابن منظور، أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم(1993). لسان العرب، دار صاحب، بيروت. 2.أبو شوك، أحمد إبراهيم والزين، صلاح الدين الزين(2020). الانتقال الديمقراطي في السودان، مجلة لباب للدراسات الاستراتيجية والإعلامية، (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات) العدد (6). 3.أبو شوك، أحمد إبراهيم(2021). الثورة السودانية (2018-2019م). مقاربة توثيقية- تحليلية لدوافعها ومراحلها وتحدياتها، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة. 4.الأمم المتحدة(2004). موجز تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول “سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع ومجتمعات ما بعد الصراع“، مجلس الأمن، 24 آب / أغسطس 2004م، التقرير 616/2004. 5.الباقر، فيصل(2020). العدالة الانتقالية في السودان – مخافة وضع العربة أمام الحصان، سودان تربيون، السبت 29/8/2020م. 6.بريمة، رمضان أحمد، أهمية العدالة الانتقالية في الحالة السودانية: نماذج أفريقية، مدونات الجزيرة 19/5/2019م في: https://www.aljazeera.net/blogs/2019/5/1 7.بشارة، عزمي(2020). الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة. 8.البطحاني، عطا الحسن(2019). إشكالية الانتقال السياسي في السودان: مدخل تحليلي، المركز الإقليمي لتدريب وتنمية المجتمع المدني مبادرة أساتذة جامعة الخرطوم. 9.بلقزيز، عبد الإله(2002). ثورات وخيبات: في التغيير الذي لم يكتمل، منتدى المعارف، بيروت. 10.بنيوب، شوقي(2012). العدالة الانتقالية في تونس: أسس نظرية، تطبيقات عملية، وتصورات مستقبلية، مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية، تونس . 11.البوشي، شريف حسن(2019). الانتقال الديمقراطي: الأسس والآليات، المعهد المصري للدراسات، سلسلة دراسات سياسية، 25 أكتوبر 2019) ، القاهرة. 12.الجزولي، كمال، العَدَالَةُ الانتقالية بَيْنَ الوَاقِعِ السودانيِّ والتَّجَارِبِ العَالَمِيَّة‎، الحوار المتمدن-العدد: 6450 – 2019 / 12 / 29، شوهد في 1/11/2020م على الموقع: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=660579 جمهورية السودان، الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية، (الخرطوم ،2019م). السودان… الحكومة الانتقالية تضع 10 مهام لتنفيذها خلال 6 أشهر https://arabic.sputniknews.com/arab_world/201909101042844857 السودان: لماذا يتعثر الوفاء بأهداف الثورة على نظام البشير بعد عامين من اندلاعها؟ https://www.bbc.com/arabic/interactivity-55358251 13.سيد احمد، السر، تمارين انتخابية، صحيفة السوداني،4 يناير 2021م صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 16 مايو 2019م. ______________، العدد 15286، بتاريخ 4 أكتوبر 2020م. ______________، العدد، 15454، الأحد 21 مارس 2021 م. 14.مكاوي، بهاءالدين(2018). “فعالية الأحزاب السياسية: إطار مقترح للقياي الكمي، مجلة الاستراتيجية والأمن الوطني، مركز المعلومات والبحوث الاستراتيجية والأمنية (الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية)، العدد (12)، ديسمبر 2018م. 15.مكاوي، بهاءالدين(2018).منعرج اللوى: مقالات في السياسة والاقتصاد والثقافة، مركز السودان للبحوث والدراسات الاستراتيجية، الخرطوم،2018. 16.مكاوي، بهاءالدين(2016). هل انتكست الديمقراطية الليبرالية، مجلة اتجاهات الأحداث، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبو ظبي، العدد 18، (يوليو-أكتوبر 2016). 17.صُنْع السياسة الخارجية في السودان: المحددات والأدوار، في: https://epc.ae/ar/topic/foreign-policy-making-in-sudan-determinants-and-roles 18.علي، إسماعيل محمد(2020). الحكومة السودانية أمام تحديات الإصلاح الاقتصادي في موازنة 2021، إندبندنت عربية، الاثنين 23 نوفمبر 2020. 19.علي، إسماعيل محمد(2020). خلافات مكونات “قوى الحرية والتغيير” تربك المشهد السياسي السوداني، صحيفة الإندبندنت العربية، الخميس 28 مايو 2020. 20.فضل، أحمد(2019). سودان ما بعد الثورة.. فخاخ الاقتصاد تحاصر حمدوك في:                    https://www.aljazeera.net/ebusiness/2019/8/26 21.ماضي، عبد الفتاح (2015). العنف والتحول الديمقراطي في مصر بعد الثورة ، دار البشير للثقافة والعلوم ، القاهرة. 22.المركز الدولي للعدالة الانتقالية، ماهي العدالة الانتقالية، في: https://www.ictj.org/ar/about/transitional-justice المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، المؤتمر السنوي لقضايا الديمقراطية والتحول الديمقراطي (الدورة الثامنة (في: https://www.dohainstitute.org/ar/Events/Democracy_and_Democratization_Conference/8th-Round/Pages/index.aspx 23.ياسين، محمد أمين(2019). حكومة السودان تحاور الشعب لرفع الدعم عن السلع، جريدة الشرق الأوسط، العدد 14972، بتاريخ 25 نوفمبر 2019م. المراجع الأجنبية:

24.Almond, Gabriel and Verba, Sidney, The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations, An Analytic Study, Little, Brown, 1965.

25.Higley, John and Burton Michael G., National integrity, elites and democracy: Russia and China compared 1988.

https://www.france24.com/ar /20201021.

26.Huntington, Samuel P., The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century, University of Oklahoma Press, 1991.

27.Lipset, Seymour Martin, Some Social Requisites of Democracy: Economic Development and Political Legitimacy, The American Political Science Review, 23.March 1959, Vol. 53, No. 1 (March 1959).

Lipset, Seymour Martin, The Indispensability of Political Parties, in: Journal of Democracy, No. 1, Vol. 11(2000).

28.Masoud ,Tarek, The Arab Spring at 10: Kings or People?, https://www.journalofdemocracy.org/articles/the-arab-spring-at-10-kings-or-people/

29.Przeworski, Adam, Democracy and the Market: Political and Economic Reforms in Eastern Europe and Latin America, Cambridge University Press, 1991.

30.Rustow, Dankwart A., Transitions to Democracy: Toward a Dynamic Model, Comparative Politics, Vol. 2, No. 3 (April 1970).

31.Schmitter, Philippe C., Democratization and political elites,  

32.Snyder, Richard, “Paths out of Statistic Regimes: Combining Structural and Voluntarist Perspectives,” in Houchang E.Chehabi and Juan Linz (eds.) 33.Sultanistic Regimes (New York: Johns Hopkins University Press, 1998).

  Whitehead, Laurence, Democratization: theory and experience, Oxford University Press, 2002.

34.Young, John, Sudan Uprising: Popular Struggles, Elite Compromises, and Revolution Betrayed, Graduate Institute of International and Development Studies, Geneva, 2020.

   [1]    شهد السودان – حتى الآن-  أربع مراحل انتقالية هي: الفترة الانتقالية الأولى (1953- 1956م) والتي نقلت السلطة من الحكم الاستعماري إلى الحكومة الوطنية الأولى، وحكومة السيد سر الختم الخليفة التي أعقبت النظام العسكري الأول، ثم حكومة د. الجزولي دفع الله التي أعقبت الحكم العسكري الثاني، وحكومة الدكتور عبد الله حمدوك التي جاءت عقب الحكم العسكري الثالث. 2 تتكون قوى الحرية والتغيير من تجمع المهنيين (تحالف لمجموعة من القوى النقابية مثل تحالف المحامين الديمقراطيين وشبكة الصحفيين السودانيين ولجنة الأطباء المركزية ولجنة المعلمين السودانيين وغيرها من التنظيمات النقابية، تكون في العام 2013م بصورة سرية ولأسباب امنية لم يعلن عن نفسه إلاّ في أغسطس 2018م )، والتجمع الاتحادي المعارض( يضم الوطني الاتحادي الموحد، والحزب الاتحادي الديمقراطي العهد الثاني، والوطني الاتحادي، والاتحادي الموحد، والحركة الاتحادية، والاتحاديين الأحرار، والتيار الحر، واتحاديين معارضين غير منضوين تحت الأحزاب المذكورة ) وتحالف نداء السودان ( يضم عدداً من الأحزاب السياسية مثل حزب الأمة القومي وبعض التنظيمات المسلحة مثل الجبهة الثورية ( تتكون من :حركة تحرير السودان- فصيل مني أركو مناوي، وحركة تحرير السودان- فصيل عبد الواحد نور، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، والحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال) ؛ بالإضافة إلى قوى الاجماع الوطني ( تضم  الحزب الشيوعي السوداني ،وحزب المؤتمر السوداني ، وحزب البعث، والحزب الناصري ) ؛ كتلة القوى المدنية ، الحزب الجمهوري ، وتيار الوسط. [3]  من نقاط الخلاف الأساسية التي اقتضت تدخل الوساطة الأفريقية مطالبة المجلس العسكري بأن يكون جهاز المخابرات تابعاً لمجلس السيادة ولجنة الدفاع والأمن، بينما طالبت قوى الحرية والتغيير بأن يكون الجهاز تابعاً لمجلس السيادة ومجلس الوزراء، ورفضت قوى الحرية والتغيير مطلب المجلس العسكري بالحصانة الكاملة لأعضاء المجلس السيادي، وبينما طالبت قوى الحرية والتغيير، بأن تكون النيابة العامة تابعة لوزارة العدل ورئيس الوزراء طالب المجلس العسكري بأن تكون النيابة تحت سلطة مجلس السيادة ( لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع أنظر( سكاي نيوز، 2020). [4] لعل أغرب ما في الأمر هو أن الوثيقة الدستورية تنص في المادة 4-1 أن ” “جمهورية السودان دولة مستقلة ذات سيادة، ديمقراطية برلمانية”، فكيف يمكن الحديث عن جمهورية برلمانية في دولة ليس بها برلمان؟!!! [5]  نشأ أول حزب سياسي في السودان في العام 1944م وهو حزب الأشقاء برئاسة إسماعيل الازهري وكان يدعو للوحدة مع مصر، وقد سمي لاحقاً ،بعد توحيد الأحزاب الداعية للوحدة مع مصر ،باسم الحزب الوطني الاتحادي ، ثم الحزب الاتحادي الديمقراطي ، وفي العام التالي (1945م) أسس الاستقلاليون حزب الامة الذي نادى باستقلال السودان عن كل من مصر وبريطانيا، وفي نفس العام تم تأسيس أول خلية شيوعية بالسودان وأطلق عليها اسم الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو)،ثم تحولت لاحقاً إلى ( الحزب الشيوعي السوداني)، وشهدت نهاية الاربعينيات ظهور نواة الحركة الإسلامية السودانية تحت مسمى ( حركة التحرير الإسلامي) وكان ذلك في العام 1949م، وقد اتخذت أسماء مختلفة حيث سميت باسم الاخوان المسلمين في الخمسينيات ، وجبهة الميثاق الإسلامي في الستينيات، والجبهة الإسلامية في الثمانينيات ، والمؤتمر الوطني منذ تسعينيات القرن الماضي وإلى حين سقوط نظام البشير في العام 2019 حيث تم حظر الحزب الذي حكم السودان لمدة ثلاثين عاماً(1989-2019م) من خلال انقلاب عسكري بقيادة الرئيس السابق عمر حسن أحمد البشير .

0 Comments

Leave a Comment