في بحثٍ قيِّم نُشر بمجلة عالم الفكر، وهي مجلة علمية محكمة تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت، يرسم الباحث المصري صلاح سالم صورة للأمم عبر مراحل تاريخها المختلفة، ذلك ان الأمم مثل الأشخاص تمر بدورة حياة تبدأ من الطفولة، ثم الشباب، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة.
يقول الكاتب إن الأمم في مراحلها الأولى تكون بريئة كالأطفال تتعلَّم من غيرها دون حرج ، وفي شبابها تكون الأمم مفعمة بالأمل والحيوية ومنفتحة على الآخرين ، وفي كهولتها تصبح الأُمم ” مثل رجل يدرك أن أجمل أيامه صارت خلفه ، فلم يعد قادراً على التطلع إلى شيء جديد، فلا شهوة المعرفة باقية، ولا دهشة التساؤل قائمة ، ولا ألق الكشف بادي ” ، اما في شيخوختها فإن الأُمم ” تصير كالشيخ إذ تيبست قوته العضلية ، وشاب القصور ملكاته الذهنية ، فتراجعت إرادته الطلقة ، فأخذ يهرب من الناس والزمان حنيناً إلى شبابه وماضيه ، فالحنين لديه أقوى من التطلع، … فصار لا يلوي على شيء ، ولا يتطلّع إلى شيء” .
تأملت هذا التصنيف الدقيق العجيب، وتساءلت في نفسي: ترى في أي مرحلة نعيش نحن كسودانيين؟ ورغم محاولاتي اليائسة للتهرب من الاجابة على هذا السؤال، إلا أن الإجابة كانت واضحة كالشمس بحيث لا يمكن إنكارها أو التغافل عنها، وهي أننا نعيش بالفعل – وفقاً لهذا التصنيف – في المرحلة الرابعة: أي مرحلة الشيخوخة. لقد تيبست بالفعل قوتنا العضلية ، ودليل ذلك عجزنا ونحن ” سلة غذاء العالم العربي” كما ظللنا نردد دائماً عن إنتاج غذائنا ، فأصبحنا نتسول القوت من دول كان يتبرع أجدادنا لهم بما يسد رمقهم ، ووقفنا في صفوف الخبز نساء ورجالاً وأطفالاً، وشاهدنا على هذه الحالة القاصي والداني ، ونقلت صورنا المخزية هذه وسائل الاعلام المرئية والمقروءة والمسموعة ، وأصبحنا حديث الدنيا وغدونا مثاراً للشفقة وموضوعاً للتندر ، ومثالاً للجوع والفقر والمسغبة .تعطلت مصانعنا وأصبحت أطلالاً تحرق القلب وتُحدِّث عن ماضٍ أفضل من الحاضر ، وعن مجد آفل ، وعن ” بنيانِ قوم تهدماً” .
لقد شاب القصور ملكاتنا الذهنية ، وآية ذلك عجزنا الواضح عن إيجاد حلول لمشاكلنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية وتفاقم هذه المشاكل ، لقد فشلنا فشلاً ذريعاً في التصدي لهذه المشاكل ، وأنَّى لنا القدرة على مجابهة هذه التحديات وقد هاجرت الكفاءات السودانية في كافة المجالات : من الاقتصاديين المتمرسين ، والاطباء المؤهلين ، والمهندسين المتميزين ، واساتذة الجامعات المخضرمين ، والقانونيين الضليعين ، والمثقفين الموهوبين ، وهذه الكفاءات السودانية تعمل الآن ، للأسف ، في بناء دول اخرى تنهض بتعليمها ، وببنياتها الأساسية ، وخدماتها الصحية ، وهم مثال الكفاءة والاقتدار والهمة ، والأخلاق الفاضلة ، والقيم السامية ، والتمسك بقيم الدين الحنيف. هاجروا لأنهم عجزوا عن توفير أبسط مقومات الحياة الفاضلة في بلدهم فخرجوا وقلوبهم تتقطع لمفارقة أوطانهم واهلهم مكرهين مضطرين.
تعليمُنا الذي كان مضرب المثل ليس على المستوى الاقليمي فحسب، بل على المستوى العالمي أصبح الآن في الحضيض، وأصبحت دول كانت تستعين بنا في تأسيس مدارسها ومؤسساتها التربوية، وفي وضع مناهجها، أصبحت تمد لنا لسانها ازدراء واحتقاراً، وجامعاتنا التي كانت تنافس الجامعات العالمية غابت تماما في مؤشرات التصنيف العالمية والاقليمية.
وكانت النتيجة لهجرة الكفاءات القسرية وتراجع التعليم في بلادنا أن فشلنا كذلك في رفد المؤسسات السودانية بالكفاءات المقتدرة والمؤهلة والوطنية، ولأن الفراغ يتمدد فيه الهواء، فإن بعضاً من الذين يفتقرون للمؤهلات العلمية، كما يفتقرون للقيم المؤسسية والفنية والاخلاقية، هجموا على هذه المؤسسات وتسنموا المواقع القيادية فيها، وعاثوا فيها فساداً، فكانت النتيجة دماراً شاملاً طال كل أوجه الحياة، وكما قال الشاعر:
تُقضَى الأمورُ بأهلِ الرأي ما صلحوا فان تولَوا فبالأشرارِ تنقادُ
كَيْفَ الرَّشَادُ إِذَا مَا كُنْتَ فِي نَفَرٍ لَهُمْ عَنِ الرُّشْدِ أَغْلَالٌ وَأَقْيَادُ
أَعْطَوْا غُوَاتَهُمُ جَهْلًا مَقَادَتَهُمْ فَكُلُّهُمْ فِي حِبَالِ الغَيِّ مُنْقَادُ
وصحت فينا أكثر من ذي قبل أبيات شاعر المؤتمر (علي نور)، الذي قال في زمان أفضل من هذا:
كل إمريء يحتل في السودان غير مكانه
فالمالُ عند بخيلِه والسيفُ عند جبانِه
والمرء ليس بأصغريه: قلبه ولسانه
بل باكتمال روائه وريائه ودهانه
اننا، بلا شك، أمة تعيش في المرحلة الأخيرة من الشيخوخة، لأن أمسنا أصبح أفضل من حاضرنا، وغدونا نجتر الذكريات ونعيش على ذكريات الماضي، وإذ نحكي عن الماضي ونتشبث به، فإننا إنما نحكي – في الواقع- عن فشلنا وخيبتنا وسوء إدارتنا، بل، وسوء طالعنا.
لقد تقدمت الشعوب في أغلب انحاء العالم وحققت من الانجازات ما يسلب اللب، وانغمسنا نحن في الصراع والجدل العقيم وفي الاقتتال. لقد أصبح حنيننا الى الماضي، بالفعل، أقوى من تطلعنا الى المستقبل، فليس لنا أية مجهودات لاستشراف المستقبل، وليس لدينا أية خطط لمواجهة هذا المستقبل، ولا آمال نرجو تحققها، أصبحنا مكتوفي الأيدي، عاطلين عن الابداع، يائسين من أية نهضة، غافلين عن أية فرصة يمكن باغتنامها تغيير الحال إلى الأفضل، وأصبحنا مستسلمين كمريض بداء عضال ينتظر لحظة موته.
اننا نعيش في لحظة فارقة من تاريخنا، وما لم ندرك هذه الحقائق جيداً لن نتقدم شبراً واحداً، ولو عرفنا فعلا البون الشاسع والهوة الكبيرة بيننا وبين الشعوب التي تملك نفس مقوماتنا وامكانياتنا لقضينا حزنا على أنفسنا، وكما قال الشاعر محمد سعيد العباسي:
فلو درى القوم بالسودان أين هم من الشعوب قضوا حزناً وإشفاقاً
لم أشك لحظة في قدرات الشعب السوداني الفريدة وقيمه المتفردة، لكن كثيراً من قياداته يفتقرون إلى الخيال السياسي. يشير الخيال السياسي إلى «القدرة على تجاوز أزمات الموقف وصعابه ” على حد قول الدكتور حسن حنفي او هو «اعمال العقل والمخيلة معا لصياغة رؤى متكاملة لحل مشاكل الحاضر” كما يعرفه على الرحَّال إلى غير ذلك من التعريفات التي اوردها الدكتور عمار علي حسن في كتابه القيِّم “الخيال السياسي”، وقد أورد الدكتور عمّار، نقلاً عن توم لومباردو أستاذ علم النفس الأمريكي الشهير، الأبعاد المعرفية التي يقوم عليها الوعي بالمستقبل. من هذه الأبعاد التخيل والاستشراف، أي القدرة على خلق تخيلات ووقائع افتراضية في أذهاننا، والقدرة على تصور ما سيأتي في المستقبل، وهذه حالة مطلوبة لأن القدرة على التخيل والتي تمكن من الاستشراف هي أعلى درجات الإبداع، ولكن هل يمتلك القادة السودانيون هذه القدرة على التخيل والاستشراف؟ وإذا كانت الاجابة بنعم فلماذا اذاً يتخبطون هكذا، اين استشرافهم للمستقبل؟ ولماذا أخطأوا هذه الاخطاء القاتلة التي جعلتنا نتمنى أن لو عدنا الى ستينيات القرن الماضي؟ أم انهم مصابون بالافانتاجيا (العجز عن التخيل). فالواضح انها لم تستعمل في تصور كيف يمكن الاستفادة من الفرص والامكانيات التي تذخر بها البلاد وكيف توجه لنهضة البلاد وتقدمها ، بل تمحورت حول طرق الوصول الى السلطة والتمتع بالسلطة والمال وما دون ذلك من الاهداف الخاصة .
لقد كان السودان مذكورا مشكورا في الماضي بفضل جهود الأجيال السابقة وروحهم الوطنية المتوثبة، إلا أنه أصبح الآن نسياً منسياً، وهو في حالته هذه يتصارع ابناؤه على كراسي حكمه، كالأبناء الذين يستعجلون موت ابيهم للتمتع بالميراث، انشغلت النخبة السودانية بالصراع على الكراسي فتمحورت حول الوسيلة وأضاعت الغاية. لم يسأل أحد عن كيف يحكم السودان؟ بل ظل السؤال الجوهري الذي انعقدت له المؤتمرات، وحشدت له الحشود هو: من يحكم السودان؟
ومن مؤشرات الوعي بالمستقبل ، كذلك، القدرة على تحديد الاهداف بدقة ووضع الخطط وحشد الامكانيات لبلوغ الاهداف المرسومة ، ويتساءل المرء : أين هي الأهداف الوطنية التي رسمت ؟ واين هي الخطط التي وضعت ونفذت لبلوغ هذه الاهداف؟ واين هي الموارد التي رصدت لتحقيق هذه الاهداف ؟ واين وصلنا في تحقيق تلك الاهداف ؟ يأسف المرء اذ يصل الى نتيجة مفادها ان لاشئ من كل هذا قد حدث أصلاً ، وبالطبع لا ينكر المرء ان النخب السودانية ظلت تحدث الناس عن خططها الخمسية والعشرية وما شابه ذلك ، الا ان هذه الخطط لم تؤد الى نمو ولا الى تنمية ، وظلت البلاد تدور في فلك الاخفاق والخيبة عاما بعد عام ، فاما ان الخطط لم تكن صحيحة ابتداء ، او انها لم تطبق بصورة تؤدي الى تحقيق الاهداف المرجوة منها ، وكلا الحالتين تشير الى غياب الوعي بالمستقبل .
اننا حين نتحدث عن الوعي بالمستقبل لا نقصد الاجتهادات الفردية للقيادات السياسية ، وانما نتحدث عن الصفوة السياسية كجماعة حاكمة او معارضة ان تكون على وعي بالمستقبل وتدير نقاشات موسعة حول فرص وتحديات المستقبل وواقع البلاد وخصوصيتها لينتهي الامر الى رؤى متعمقة تفضي الى فهم للواقع السوداني في اطار فرص وتحديات المستقبل، بغية الاستعداد لمجابهة تحديات المستقبل برؤى ثاقبة وخطط مناسبة تستصحب تطورات الواقع المستقبلي وواقع البلاد وامكانياتها.
ولا شك ان اهم مظاهر الوعي بالمستقبل هو انفتاح الذهن على الابداع، بمعنى القدرة على الانفتاح على الاراء والافكار المختلفة مع افكاره دون تعصب ولا تشنج ، فضلا عن القدرة على ابداع افكار غير مألوفة، اي يمتلك القدرة على التفكير المبدع الخلاق وهو ما يعرف بالقدرة على الابداع والابتكار creativity and innovation»
لقد خلت الساحة السياسية ، للأسف، في السنوات الاخيرة من الابداع الحقيقي في ابتكار افكار غير مألوفة في مجال الادارة والاقتصاد والسياسة والاجتماع ، وما انفك ” المفكرون” يرددون المقولات المألوفة والمكرورة منذ عشرات السنين على الرغم من التغيرات الواسعة التي تشهدها البلاد، سواء كان في المجالات السياسية او الاجتماعية او الاقتصادية ، فضلا عن التطورات العالمية المتسارعة التي تحتاج الى مواكبة ومسايرة حتى لا نتخلف عن ركب الأمم.
ومما يشير الى الوعي بالمستقبل ان تكون النخبة الوطنية قادرة على تشخيص المشكلات التي تعانيها البلاد بدقة متناهية ، ومن ثم وضع الحلول المناسبة لها ، والعمل على تنفيذ هذه الحلول وتقييمها عبر التغذية الراجعة (Feedback)، واتخاذ ما يستدعي من سياسات وقرارات على ضوء هذه التغذية الراجعة.
ولعل من اهم المؤشرات التي تشير الى الوعي بالمستقبل هي عملية صنع القرار السياسي . ان عملية صنع القرار ليست مسألة عشوائية ، بل هي اسلوب علمي محض يقوم على اساس جمع المعلومات، وتصنيفها، وتحليلها بهدف صياغة البدائل المتاحة، من ثم الترجيح بينها على اسس علمية وموضوعية، من اجل اتخاذ القرار الصحيح الذي يناسب الموقف المعني.
لكن عملية صنع القرار تواجه صعوبات وعقبات تقود الى عدم وضوح الرؤية لدى صانع القرار، ومن ثم عدم القدرة على التحكم في عناصر البيئة السياسية التي سيطبق فيها القرار مثل: النقص في المعلومات، والتغير في عناصر الموقف، وعدم القدرة على التنبؤ بردود افعال الاطراف ذات الصلة بالقرار، والضغوط النفسية والعاطفية التي يتعرض لها صانع القرار السياسي.
لكن ما كتب عن السودان في هذا الصدد ، من بعض كتابه ، يدعو للخوف اذا صح ما قالوا حيث ذكر احدهم ان احد القادة السودانيين الكبار كان اذا اراد ان يتخذ قرارا مهما « ينوم بالخيرة» ، بينما توصل اخر الى ان كثيرا من الصفوات العربية ، بما فيها السودان، تثق في” العرافات” اكثر من ثقتها في مراكز الدراسات والبحوث . وكما قال جبران خليل جبران « الويل لأمة فيلسوفها مشعوذ”.
ليس هذا جلداً للذات ، ولا تقليلاً من قيمة الجهود التي بذلت ، ولا تشكيكاً في النوايا الصادقة لقطاع واسع من هذه النخبة المستنيرة التي تعاقبت على حكم البلاد ، لكنها دعوة لتغيير الاًساليب القديمة التي اتبعناها في إدارة الأمور منذ عشرات السنين ، جربنا خلالها المجرب وابتدعنا بدعا ما عرفها اباؤنا الاولون ولم نجن الا الشوك. هي دعوة لتغيير المنهج الذي نتعامل به ، واحداث نقلة غير مسبوقة في اوضاعنا ، وابتداع حلول غير تقليدية لمشاكلنا ، وانتهاج الاساليب العلمية الرصينة في سياساتنا وقراراتنا وتخطيطنا ، عسى ان نلج عهدا جديداً من التنمية والتطور .
أما الذين يعملون جاهدين لعرقلة مسيرة البلاد وتطورها ويلغون في الفساد ويهدرون موارد البلاد ، فالموعد الساعة وخسر هنالك المبطلون .
0 Comments