كلمة علمانية تقابل الكلمة الانجليزية (Secularism) وهذه الكلمة نفسها مشتقة من الكلمة اللاتينية (Saeculum) وتعنى العالم أو الدنيا (فى مقابلة الكنيسة او الدين) .
استخدمت هذه الكلمة لأول مرة فى بنود معاهدة وستفاليا سنة 1648م (عقب نهاية حرب الثلاين عاما) حيث أشارت المعاهدة إلى علمنة (Secularization) ممتلكات الكنيسة، وقد قصد بذلك نقل ممتلكات الكنيسة إلى سلطات سياسية لا دينية. وقد كان المصطلح – عند ظهوره- محايداً إزاء موضوع الدين، فعلى سبيل المثال، استخدمه جون هوليوك (1817- 1906م) – وهو أول من نحت المصطلح بمعناه الحديث – بمعنى امكانية إصلاح حال الانسان بالوسائل المادية (دون أن يتطرق لموضوع العقيدة والايمان بالرفض أو القبول) .
إلا أن المصلطح قد أصبح يعنى لاحقاً رفض الدين فى الجانب السياسى ، وحصره- إن كان لابد منه- فى دائرة المسائل الشخصية ، فهناك من عرفها على انها “هي مبدأ الفصل بين المؤسسات الحكومية و الأشخاص المكلفين لتمثيل الدولة من المؤسسات الدينية و الشخصيات الدينية . ومن مظاهر العلمانية التأكيد على الحق في التحرر من الحكم والتعاليم الدينية ، وأن الأنشطة و القرارات العامة ، وخاصة السياسية منها ، ينبغي أن لا تخضع لنفوذ المعتقدات و / أو الممارسات الدينية”.
انتقل المصطلح الى العالم العربى الاسلامى مع الاستعمار، وقد اختلف المفكرون العرب حول الترجمة الدقيقة لكلمة (Secularism) فقال فريق منهم بانها علمانية (بكسر العين) نسبة – على غير قياس – الى العالم ، وقال فريق ثان بأنها علمانية (بفتح العين) نسبة الى العلم ، بينما أسماها فريق ثالث بالدنيوية ، وقد عرفوا العلمانية بانها (اللادينية السياسية) أى فصل الدين عن الدولة والمجتمع .
ولكى نفهم معنى المصطلح وأبعاده، لابد من إلقاء الضوء على الظروف والملابسات التى أوجدته ، والتطور التاريخى الذى أدى إلى ظهوره .
ثانياً : الخلفية التاريخية لظهور العلمانية فى أوربا :
يمكن القول بإن العلمانية هي نتاج للصراع الحاد الذى قام بين الكنيسة والعلماء فى أوربا فى العصور الوسطى، وترجع أسباب ذلك الصراع الى ان الكنيسة فى اوربا كانت قد قامت بتحريف الكتاب المقدس فادخلت عليه كل ما توصل اليه العلم آنذاك من نظريات فلكية وطبيعية ، وضمنته الكثير من المعلومات التاريخية والجغرافية. هدفت الكنيسة من ذلك الى دعم نفوذها وتقوية سلطانها فى مواجهة المارقين عليها والناقدين لها، فاختلطت الكتب المقدسة – نتيجة لذلك – بكلام البشر. ولعل تحريف الحقائق الإلهية وخلطها بالمعلومات البشرية كان أكبر الأخطاء التى ارتكبتها الكنيسة فى حق الدين المسيحى، بل وفى حق نفسها ، ذلك ان الاكتشافات العلمية التى حدثت لاحقاً قد أكدت خطأ الكثير من المعلومات التى كانت قد دخلت فى صلب الكتب المقدسة ، وقد كان ذلك هو السبب فى الصراع المعروف بين العلماء ورجال الكنيسة ، إذ رات الكنيسة فى آراء العلماء واكتشافاتهم ما يهدد الإيمان الدينى ويخالف التفسير المعتمد للنصوص المقدسة.
ولعل أكثر ما أضر بالكنسية أنها ضمنت الكتب المقدسة معلومات تفصيلية عن الكون والحياة ، فقالت إن الأرض هى مركز الكون ثابت، وإن الله خلق العالم ابتداءً سنة 4004 ق . م ، وخلق آدم فى نفس العام وذلك فى جنة عدن التى تقع على مسيرة يومين من البصرة، وان الطوفان وقع بعد خلق الإنسان الأول بـ 2262 سنة أى عام 1742 ق . م.
ولعل أكثر القضايا التى فجرت الصراع بين الطرفين قول العلماء بدوران الأرض حول الشمس، وكان أول من قال بذلك من العلماء الاوربيين العالم كوبرنيق (كوبرنيكس) الذى صاغ نظريته الفلكية عام 1543م، إلا أن كوبرنيق قد توفى قبل أن تناله يد الكنيسة بالعقاب، تلاه العالم برونو الذى قال بدوران الأرض وأصر على قوله فاحرقته الكنيسة عام 1600م ، وفى سنة 1609م توصل العالم الإيطالى جاليليو الى صنع التلسكوب فأثبت تجريبياً ما قال به أسلافه، وقد مارست عليه الكنيسة ضغوطاً اضطرته الى التراجع عن قوله وهو راكع أمام البابا.
وقد أصرت الكنيسة على ثبات الأرض قائلة ” إن الأرض يجب أن تكون مركز الكون الثابت لأن المسيح تسجد فيها، وعليها تمت عملية الخلاص وفوقها يتناول العشاء الربانى، وإن التوراة تقول : الأرض قائمة الى الأبد، والشمس تشرق ، والشمس تغرب ، وتسرع الى موطنها حيث تشرق” ، وقد سخرت الكنيسة من القول بكروية الأرض قائلة :
” إن من خطل الرأي أن يعتقد إنسان بوجود أناس تعلو مواطئ اقدامهم على رؤوسهم ، وبوجود نباتات وأشجار تنمو ضاربة الى أسفل “.
وقد كان البابوات آنذاك يتمتعون بنفوذ واسع وسلطات عظيمة، فقد امتدت سلطات البابا الى عزل الملوك وتعيينهم، وفرض الضرائب واصدار القوانين الإلهية للممالك. ومما يوضح النفوذ الذى كان يتمتع به البابوات فى أوروبا ، ما روي عن موضوع الدستور الفرنسى ، حيث اضطرت الجمعية التأسيسية فى فرنسا الى طلب موافقة البابا على الدستور المدنى حتى يكون شرعياً وسارى المفعول فى نظر الشعب الفرنسى، وقد حكم الباب بالشجب رسمياً على الدستور واعتبره لاغياً.
استخدمت الكنيسة هذه السلطات الواسعة والنفوذ الكبير فى قمع العلماء، وتصدت لأقوالهم واكتشافاتهم بعنف بالغ، وقد قدر عدد الذين عاقبتهم الكنيسة بثلاثمائة ألف شخص، أحرق منهم أثنان وثلاثون أحياء بحجة قولهم بحقائق تخالف ما جاء فى الكتب المقدسة ، ويذهب سفر بن عبدالرحمن الحوالى الى أن الكنيسة قد “حاسبت الناس لا على معتقدات قلوبهم فحسب، بل على نتائج قرائحهم وبنات أفكارهم “.
وقد كان التلسكوب الذى توصل الى صنعه العالم جاليليو نقطة تحول كبرى فى تاريخ ذلك الصراع، حيث أصبح التلسكوب حجة قوية فى يد العلماء ودعاة التجديد ، وتحول الصراع بين الطرفين الى صراع بين العقل والنظر والتجربة المتمثلة فى مرقب جاليليو من جانب، والنصوص المقدسة التى تستند عليها الكنيسة من جانب آخر.
ثار العلماء والمجددون وطالبوا بتقديس العقل واستقلاله بالمعرفة بعيداً عن الوحى، إلا أنهم لم يستطعوا فى البداية أن ينكروا الوحى كلياً فجعلوا لكل من العقل والوحى مجالاً يعمل فيه ولا يتعداه ، وأشهر من قاد هذا الاتجاه الفيلسوف ديكارت الذى كان يرى” أن ميدان العلم الطبيعة، وموضوعه استغلال القوى الطبيعية وأدواته الرياضة والتجربة، ويختص الدين بمصائر النفس فى العالم الآخر ، ويعتمد على الاعتقاد والتسليم، فلا مضايقة بين العلم والدين ، ولا سلطان لأحدهما على الآخر”.
ولكن بعد انتصار العلماء والمجددين على الكنيسة بعد صراعات دموية شديدة وتمكنهم من تحطيم نفوذها وتحجيم دورها، برز علماء وفلاسفة أكثر وضوحاً فى موقفهم من الوحى، أمثال جون لوك وهوبز وليبينز، وجان جاك روسو. نادى هؤلاء الفلاسفة باخضاع الوحى للعقل، وبضرورة عزل الكنيسة عن شؤون المجتمع لصالح بناء الدولة البراجوازية الحديثة، ودعوا الى تصفية اللاهوت المسيحى من الأفكار غير العقلانية ، وطالبوا برفع الوصاية عن التعليم ، وقرروا أن الدين مسألة شخصية لا ينبغى أن تتدخل فى شئون السياسة والمجتمع، وأن المسيحية موضوعها الحياة الأخروية فقط . وفى الواقع ، فإن الدين قد ارتبط فى أذهان الكثير من الاوربيين بتلك الممارسات الوحشية التى قام بها رجال الكنيسة فكان ” إذا ذكر الدين ذكرت تلك الدماء الذكية التى أريقت فى سبيل العلم والتحقيق، وتلك النفوس البريئة التى ذهبت ضحية لقسوة القساوسة ووساوسهم”. ولم يستطعوا التمييز بين الدين الحق وممارسات رجال الدين المسيحى” ولئلا تعود تلك القوى التى تدعي السلطان الروحى مرة أخرى ، أقامت أروبا نفسها زعيماً لكل ما هو ضد الدين مبدئياً وعملياً”.
وقد مرت العلمانية فى أوربا بمرحلة ثانية أصبحت فيها ضد الدين بصورة سافرة، فإذا كانت العلمانية فى مراحلها الأولى تهدف الى تحجيم دور الدين فى الحياة العامة وحصره فى المسائل الشخصية، فقد كانت فى هذه المرحلة تسعى لهدم الدين وتقويضه، وقد تمثل هذا الاتجاه فى كتابات فيورباخ وماركس وإنجلز ولينين، وقد عرف هذا الاتجاه باسم “العلمانية الثورية ” .
هدفت العلمانية الثورية الى القضاء على الدين باعتباره عقبة فى طريق الاشتراكية التى يسعون لإقامتها ، ذلك لأن الدين – في نظرهم – هو “افيون الشعوب ومخدر الفقراء” ولذلك فلابد من تقويضه وتخليص المجتمعات من تأثيره لصالح الاشتراكية والعدالة الاجتماعية. والدين فى نظر فيورباخ هو من ابتكار الإنسان ، وان الله ليس سوى وهم خلقه الإنسان لنفسه عندما سلط طبيعته على العالم الخارجى”. وكذلك ماركس الذى يرى أن “الطبقة الشعبية المسحوقة ابتكرت الله والسماء والحياة الثانية، كمحاولة خلاص من وضعها المتخلف، وقد عززت الطبقات المستغلة والحاكمة هذا الاعتقاد لحماية مصالحها ، وهكذا فقد مهدت الأفكار التى نادى بها لوك وهوبز وروسو لظهور الماركسية فى أوربا .
المراجع :
- عبدالوهاب المسيري ، العلمانية : رؤية معرفية ، مجلة الإنسان ، العدد العاشر ، السنة الثانية ، ابريل 1993م.
- سفر بن عبدالرحمن الحوالى، العلمانية : نشأتها وتطورها وآثارها فى الحياة الإسلامية المعاصرة، مطبعة ام القرى، 1982م، ص 146 – 147 .
- شبلى العيسمى ، العلمانية والدولة الدينية، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد ، 1986م، ص 23 .
- ابو الحسن الندوى، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ، دار الكتاب العربى، بيروت، الطبعة الثامنة، 1984م ، ص 132.
- ليويولد فايس ، الإسلام على مفترق الطرق، دار العم للملايين، 1946م ، ص 43.
- عبد الباقى الهروماسى، الدين فى المجتمع العربى، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990م، ص 26-27
- “Secularism & Secularity: Contemporary International Perspectives”, Edited by Barry A. Kosmin and Ariela Keysar. Hartford, CT: Institute for the Study of Secularism in Society and Culture (ISSSC), 2007,PP.21-22.
0 Comments