تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Dr.Baha'a Makkawi

يقول البعض إن النظام الاجتماعي والسياسي يعتمد على قبول الناس العاديين بنفس درجة اعتماده على القوانين المكتوبة فهو كما وصفه جان جاك روسو (ليس منحوتاً على رخام أو نحاس ولكنه منحوت في قلوب المواطنين ). على ان السؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقام هو:   كيف يتم نحت العادات السياسية في قلوب المواطنين؟ ما هي الجهة التي تقوم بذلك؟ وما هي أدواتها ووسائلها في ذلك.    إن هذه التساؤلات والإجابة عليها تمثل جوهر نظرية التنشئة السياسية، وسنقوم في هذا المقال بالوقوف عند مفهوم التنشئة السياسية وأهدافها والمؤسسات التي تقوم بها. ترجع بدايات الاهتمام بأمر التنشئة السياسية إلى عهد الإغريق القدماء، فقد تناول هذا المفهوم كل من إفلاطون وأرسطو، لكن تناولهم له كان تناولاً عرضياً سريعاً في سياق الحديث عن دور الدولة ووظيفتها وعلاقة الدولة بالمجتمع، لكن الدراسة العلمية المنظمة لموضوع التنشئة السياسية جاء في عهد الثورات الاجتماعية في أوربا في القرن الثامن عشر الميلادي لأن علماء السياسة والاجتماع لم يهتموا ـ قبل هذا التاريخ ـ بدور الأفراد العاديين وجماهير الشعب في التأثير على الواقع السياسي أو تشكيل الظاهرة السياسية. لكن قيام الثورة الصناعية في أوربا وما أعقبها من تحولات اقتصادية عميقة الجذور والثورة الديمقراطية في الجانب السياسي، كل ذلك قاد إلى زيادة دور الجمهور أو الشعب في توجيه المسائل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبرزت أهمية الرأي العام بصورة لم يعد من الحكمة معها تجاهل الرأي العام أو السعي للتقليل من دوره الاجتماعي والسياسي. لقد برزت ـ في هذا السياق ـ آراء تقول بان النظام الاجتماعي والسياسي يعتمد على قبول الناس العاديين بنفس درجة اعتماده على القوانين المكتوبة ،وفي هذا السياق ايضاً جاءت مقولة  جان جاك روسو (ان النظام السياسي والاجتماعي ليس منحوتاً على رخام أو نحاس ولكنه منحوت في قلوب المواطنين)([1]). إن نحت النظام السياسي يتأتى من خلال التنشئة السياسية والتثقيف السياسي ، فما المقصود بالتنشئة السياسية وما المقصود بالثقافة السياسية ؟ (أ) تعريف التنشئة السياسية: في الواقع ليس هناك تعريف موحد للتنشئة السياسية، ولا يمكن للمرء أن يحصي التعريفات التي وردت بشان التنشئة السياسية فهي كثيرة ومختلفة ومتباينة إلى حد التعارض في بعض الأحيان، ويرجع ذلك ـ في المقام الأول ـ إلى اختلاف نظرات العلماء والمفكرين لعملية التنشئة السياسية نفسها ولكن يمكن بشكل عام التميز بين اتجاهين فيما يتعلق بالتنشئة السياسية هما[2]: الاتجاه الأول: ويرى في التنشئة السياسية عملية نقل لمعلومات سياسية وقيم ووجهات نظر قنوات التنشئة السياسية للمواطنين الذين يكون دورهم هو التلقي فقط وهو ما يشير إلى دور سلبي للشريحة المستهدفة, ويستخدم رواد هذا الاتجاه عبارات تشير إلى الدور السالب للشريحة المستهدفة مثل تثقيف Enculturation  أو إدخال (مفاهيم) induction in to أو تكوين (فكرة) Building in …الخ. وهنا تقوم قنوات التنشئة السياسية بتثقيف المواطنين أو إدخال أفكار معينة إلى أذهانهم أو تكوين فكرة معينة عندهم ويكون دور المواطنين هنا هو التلقي فقط. أما الاتجاه الثاني فهو يرى أن المستهدفين أنفسهم يكونون قادرين على فهم البيئة السياسية من حولهم بمجهوداتهم الذاتية، وبالتالي تسعى هذه الشريحة ـ التي يكون لها  دور إيجابي في عملية التنشئة للحصول على المعلومات، ويستخدم رواد هذا الاتجاه عبارات وكلمات مثل يتعلم (Learns) أو يلتقط (Takes on) أو يكيف نفسه مع (Adapt himself with ) …الخ. وهو ما يشير إلى دور إيجابي للفرد حيث يسعى لأن يتعلم ويلتقط ويتكيف. إن أشهر تعريفات الاتجاه الأول هو القائل بأن التنشئة السياسية هي ( التلقين الرسمي وغير الرسمي، المخطط وغير المخطط للمعارف والقيم وأنماط السلوك السياسي، وخصائص الشخصية ذات الدلالة السياسية وذلك في كل مرحلة من مراحل العمر)[3]. أما أشهر تعريفات الاتجاه الثاني القائل بإيجابية الأفراد فهو أن التنشئة السياسية هي ( عملية تعلم القيم والاتجاهات السياسية… والتفاعل مع الحكومة والمواقف السياسية المختلفة) أو أنها هي ( الطريقة التي يكتسب بها الفرد إتجاهاته نحو السياسية ويطورها)[4]. ولكن، في الواقع فإن عملية التنشئة السياسية تتضمن فعلاً من جانب الأفراد المستهدفين بالتنشئة ومن جانب قنوات التنشئة في وقت واحد. أما الافتراض بأن الفعل يأتي من جانب واحد فهو قول يجانب الصواب في كثير من الأحيان. ذلك أن قنوات التنشئة تعمل جاهدة من أجل تنشئة الأفراد بطريقة معينة من خلال غرس قيم وتوجهات ومبادئ سياسية معينة لدى مواطنيها بقصد خلق نوع من الارتباط القيمي بين النظام السياسي وأفراد المجتمع ضماناً لاستمرارية النظام واستقراره، وفي ذات الوقت فإن الأفراد يعملون من جانبهم للحصول على  المعرفة والمعلومات المتعلقة بسياسة بلدهم, وعليه فإن أي مفهوم شامل للتنشئة السياسية يجب ان يستصحب الرأيين السابقين. على ان مما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام هو أن التنشئة السياسة هي باختصار عملية توصيل للثقافة السياسية وفي الواقع لا يمكن بأي حال من الأحوال دراسة التنشئة السياسية (political socialization) دون التطرق للثقافة السياسية( Political culture) ما دامت التنشئة السياسية هي عملية توصيل للثقافة السياسية. إن الاهتمام بدراسة الثقافة السياسية يعود إلى عصور مبكرة حيث أشار أفلاطون مثلاً ، إلى ما سماه بـ ” العواطف العامة” ولكن اتجاهاً جديداً يستخدم أدوات البحث الاجتماعي والمسوحات الاجتماعية لجمع المعلومات حول الثقافة السياسية وتحليلها، قد برز إلى الوجود في الآونة الأخيرة، وهو اتجاه يتجاوز الأطر القانونية الجامدة ليغوص في المحركات الاجتماعية والسياسية ذات الصلة بالثقافة السائدة في المجتمع المعني. ورغم الاختلاف الواسع أيضاً حول مفهوم الثقافة السياسية، فإنه لابد من إيراد بعض التعريفات الخاصة بالثقافة السياسية، فلقد عرفها ـ على سبيل المثال ـ روي ماكريديس (Roy Macridis) على أنها (الأهداف المشتركة والقواعد العامة المقبولة) وهي لدى صمويل بيير( Samuel Pierre )” القيم والمعتقدات التي تحدد لنا ما ينبغي أن تكون عليه الحكومة”[5]. أما روبرت دال فهو يرى أن العناصر التي تتألف منه الثقافة هي:
  1. التوجهات الخاصة بحل المشكلات: براغماتية أم مثالية.
  2. التوجهات نحو السلوك الجمعي: تعاونية أم صراعية.
  3. التوجهات نحو النسق السياسي: تتميز بالولاء أم العداء أم اللامبالاة
  4. التوجهات نحو الأشخاص الآخرين: هل تتميز بالثقة أم بعدم الثقة[6].
إن هذه التوجهات الأربعة هي التي تحدد الثقافة السائدة في المجتمع وفقاً لروبرت دال، وبالتالي لا نتوقع وجود سلطة براغماتية في وجود ثقافة سياسية مثالية، ولا نتوقع استقراراً سياسياً في ظل وجود ثقافة سياسية صراعية، ولا تتوقع مساندة للسلطة الحاكمة. إذا كانت الثقافة السياسية السائدة في المجتمع هي معاداة السلطات الحاكمة. كذلك فإنه إذا كانت التوجهات نحو الآخر داخل المجتمع تقوم على أساس عدم الثقة كجزء من الثقافة العامة للمجتمع، فإن العلاقة المحتملة بين السلطة الحاكمة والشعب هي غالباً علاقة تقوم على عدم ثقة الشعب في السلطة الحاكمة والنظر إليها بريبة. أما لوسيان باي Lucian Pye فقد ركز اهتمامه على جوانب الثقافة السياسية المرتبطة بالتنمية السياسية ومؤشراتها وهي: أ/ نطاق السياسة. ب/ ارتباط الوسائل بالغايات في السياسة. ج/ المستويات التي نحتكم لها في تقييم السلوك السياسي. د/ القيم الكامنة خلف هذا السلوك. إن نطاق السياسة الذي أشار إليه Pye هو الحد الفاصل بين  الاجتماعي والسياسي وهو ما يشير إلى درجة تفاعل المجتمع مع المسائل والأحداث السياسية ،  وهو ما أشار إليه كل من ألموند فيربا في تصنيفهم للثقافات السياسية حينما أكدا على أن الثقافات السياسية تنقسم إلى ثلاثة أنواع هي: أ/ الثقافة السياسية المشاركة Participant political culture: ويقصد بها الحالة التي تكون فيها اتجاهات المواطنين إيجابية نحو الموضوعات السياسية، حيث يتأثر المواطنين بالموضوعات السياسية ويؤثرون فيها. ب/ الثقافة السياسية التابعة: Subject political culture: وذلك حينما تكون اتجاهات المواطنين سلبية فتكون هذه الثقافة (تابعة) لأن المواطنين يتأثرون بالموضوعات السياسية ولكن لا يؤثرون فيها. ج/ الثقافة السياسية المحددة: Parochial political culture : وذلك حينما لا يجد الفرد أية علاقة تربطه بالنسق السياسي، وليس عنده معلومات كافية عن النسق، وهو نموذج يوجد في المجتمعات التقليدية التي تسودها الأمية والجهل بما يحول دون وصول المعلومة أو الثقافة المطلوب توصيلها إلى الأفراد المستهدفين. لكن الملاحظ هو أن الثقافة السياسية ليست معزولة عن الثقافة العامة أو الكلية للمجتمع المعني، لأن الثقافة السياسية هي مجرد ثقافة فرعية (Sub- culture  )تتأثر بالثقافة العامة السائدة في هذا المجتمع، إذا لا يمكن أن نتصور وجود شعب يثق في حكومته إذا كانت الثقافة العامة للمجتمع قائمة على أساس عدم الثقة بين أفراده. كذلك لابد من ملاحظة حقيقة هامة وهي: أنه وفي المجتمعات التعددية ( في الجوانب العرقية والثقافية والدينية) يتعذر الحديث عن ثقافة اجتماعية عامة يتسم بها هذا المجتمع، وإنما تكون هناك (ثقافات) سياسية واجتماعية متعددة داخل المجتمع الموحد وبالتالي يصعب الحديث عن ثقافة سياسية لهذا المجتمع، فالدين والجهة والقبيلة واللغة والإقليم قد تكون جماعات مرجعية لكثير من أفراد المجتمع، وبالتالي ربما تكون هذه الولاءات التحتية سبباً مباشراً في صراعات بين المجموعات المختلفة المكونة للجماعة الوطنية (عموم سكان الدولة)، أو سببا في الصراع بينها وبين السلطات الحاكمة. لكن أكثر الأمور خطورة يتمثل في وجود فجوة بين الصفوة في المجتمع (Elites) من ناحية، وبين الجماهير (Masses) من ناحية اخرى في جانب الثقافة السياسية ،لأن هذا يؤدي إلى انقسام المجتمع ويقود إلى محاجاة حول شرعية السلطة السياسية نفسها. ففي الدول التي تعرضت للاستعمار الأوربي، خاصة البريطاني القائم على أساس الحكم غير المباشر Indirect rule)  )اتضح أن هناك فجوة بين القيادات والجماهير، فالقيادة تلقت تعليماً نظامياً غربياً والجماهير تلقت تعليماً دينياً تقليدياً، فهناك فروق واضحة بين الطرفين نتيجة لاكتساب القيادات لقيم غربية تختلف تماماً عن القيم التقليدية السائد في هذه المجتمعات وهو ما يؤدي إلى تفتيت الثقافة السياسية وغياب القاسم المشترك بين الطرفين. بل وحتى داخل الصفوة نفسها ربما يوجد هذا التفتيت في الثقافة السياسية، ففي دراسة أجراها Lucian Pye عن بورما، اتضح وجود اختلافات ثقافية كبيرة بين السياسيين والإداريين، فالإداريون تلقوا تعليمهم تحت إشراف البريطانيين مما جعل القيم السياسية لديهم تختلف عن القيم السياسية التي يحملها السياسيون الذين برزوا في الساحة السياسية من خلال صراعهم السياسي مع البريطانيين في إطار الحركة الوطنية المناهضة للاستعمار، فأصبح السياسيون يتبنون قيماً مثالية وأخلاقية تعادي البريطانيين وتشكك في الإداريين وتتحفظ على تصرفاتهم[7]. ولا شك أن هذا المظهر من مظاهر التفتت الثقافي ينعكس سلباً على الأوضاع السياسية والاجتماعية وعلى الاستقرار السياسي مما يتطلب معالجة سريعة. مؤسسات التنشئة السياسية: أولاً: الأسرة: تعتبر الأسرة من أهم مؤسسات التنشئة السياسية إذ تلعب الأسر دوراً أساسياً في تشكيل اتجاهات أبنائها سواء كان ذلك في الجوانب الاجتماعية أو القيمية أو السياسية. لقد كشفت الدراسات عن الدور الهام الذي تقوم به الأسرة في توجيه سلوك أبنائها. إن أهمية الأسرة في التنشئة السياسية يرجع إلى عاملين أساسيين هما: 1/ إن الأسرة تحتكر توجيه الطفل خاصة في السنوات الأولى من حياته حيث يقوم الوالدان بنقل الأفكار والمعلومات والقيم للطفل ويوضحا له السلوك المقبول والمرفوض اجتماعياً ودينياً. في ذات الوقت فإن الأسرة خلال السنوات الأولى للطفل تمارس التنشئة بمفردها وليس هناك مؤسسات أخرى تنافسها في هذا الدور مما يجعل دورها حاسماً في هذه العملية. 2/ قوة الروابط الأسرية تزيد من أهمية دور الأسرة في التنشئة، لقد أثبتت الدراسات أنه، وفي إطار أي جماعة، كلما كانت درجة الترابط قوية كلما زادت درجة التأثير والتأثر بين أفرادها. لذلك ولأن الروابط الأسرية قوية بطبيعتها فإن هذه القوة تنعكس بشكل مباشر على عملية التنشئة. إن هذه الملاحظة ليست قاصرة على دول العالم الثالث التي تتميز بالترابط الأسري وإنما حتى في الدول المتقدمة أوضحت بعض الدراسات التي أجريت على السلوك التصويتي في بريطانيا أن هناك ما يقرب من  التطابق في السلوك التصويتي بين الأب وبقية أفراد الأسرة. ومع ذلك فهناك من يقلل من دور الأسرة في التنشئة السياسية استناداً إلى الآتي: 1- إن الفترة التي تحتكر فيها الأسرة تنشئة الطفل هي مرحلة مبكرة ـ قبل دخول الطفل إلى المدرسة حيث تبدأ المدرسة في منافسة الأسرة في التنشئة السياسية ـ وعادة لا تكون للطفل اهتمامات سياسية في تلك المرحلة ولا يتبلور وعيه السياسي خلالها، لان الاهتمامات السياسية تأتي في مرحلة لاحقة من العمر وبالتالي، فإن دور الأسرة في التنشئة السياسية ليس على هذه الدرجة من الأهمية التي يتم تصويرها به. 2/ ان الأسرة نفسها – مهما كانت درجة اهتماماتها السياسية ـ لا تكون حريصة، في الغالب، على تلقين أبنائها أفكارا وقيما سياسية بنفس درجة حرصها على تعليمهم أسس التعامل مع الآخرين، واحترام الكبار، وإعدادهم للحياة المستقبلية وتحمل المسؤولية. وبالتالي فإن التلقين السياسي نفسه ليس من الاهتمامات الرئيسية للأسرة. ثانياً: المدرسة: الدراسة تجربة يمر بها أغلب الأطفال حيث يقضي  الطفل السنوات الأولى من عمره في تعلم بعض أسس العلوم وبعضا المهارات التي تعينه على مواجهة الحياة في المستقبل، وتعمل الدول ـ خاصة المتقدمة يعزز من خلال المنهج والمراسم والنشاطات الرمزية والأنشطة المدرسية بإبراز ما يغرز الأمجاد القومية للدول والتعريف بالقيادات والرموز الوطنية، وتعمل الدولة على تقديم تاريخ الدولة للأطفال خالياً من الشروخ والتصدعات، بالإضافة إلى تعليمهم أسس المواطنة وواجبات المواطن تجاه الدولة. تبدأ مرحلة التعليم من سن الخامسة أو السادسة وتستمر بحسب الدرجة التي يصل لها الشخص ( تعليم ثانوي أو جامعي أو فوق الجامعي)، إن سنوات التعليم هذه تعلب دوراً أساسياً في تنمية الذات السياسية متزامنة مع قنوات التنشئة السياسية الأخرى كالأسرة والجماعات والأفراد. وفي داخل الفصل الدراسي تشترك المقررات الدراسة والمراسم والنشاطات الرمزية والنشاطات المختلفة للمدرسة في التأثير على التطور السياسي للصغار[8]. ويعتبر المقرر الدراسي هو أهم هذه الوسائل حيث يتضمن المقرر القيم الأساسية للمجتمع بالإضافة إلى تاريخ الدولة وأمجادها التاريخية وتعليم المواطنة كما تلعب المراسم والنشاطات الفصلية درواً بارزاً في ترسيخ الأفكار المطلوب توصيلها للصغار، ويلعب المدرس نفسه دوراً كبيراً في التنشئة السياسية بسلوكه وقوله داخل الفصل الدراسي. لئن كان بإمكان المدرس ان يستخدم الفصل الدراسي للتلقين الايدولوجي والدعاية الحزبية، إلا ان هذا مرفوض ويعتبر استخدام  المدرس للفصل في التبشير بآرائه والدعاية إلى حزبه الذي ينتمي إليه انحرافاً بأهداف التعليم، لكن المطلوب منه هو تعليم المواطنة وربط الصغار بالقيم والأهداف الوطنية العليا. وبالطبع، فان التلقين الايدولوجي غير مقبول من كل المؤسسات القومية مادامت  أنها تتصف بصفة القومية إذ لا يجوز حتى للحزب الحاكم ان يعمل – بشكل سافر – علي الدعوة لأيدلوجية النظام الحاكم أو تبرير سياساته أو تمجيد قياداته. ثالثا:وسائل الإعلام والاتصال: تلعب الصحف والراديو والتلفزيون وغيرها من وسائل الإعلام الدور الأكبر في التنشئة السياسية، إذ تعمل السلطات عادة علي استخدام هذه الوسائل في عملية التنشئة السياسية وبث الثقافة السياسية داخل المجتمع المحكوم وتوجيه سلوكه – من خلال هذه القيم – بما يحقق الاستقرار  داخل الدولة ويقود إلى الوحدة والتلاحم ويمنع الاختلاف. وفي السنوات الأخيرة حدثت تطورات هائلة في وسائل الاتصالات بوجود شبكة الاتصالات الدولية (Internet) وانتشار هذه الخدمة مما جعل وسائل الإعلام أكثر فعالية في تشكيل الرأي العام المستنير. على أن الجدير بالملاحظة هنا هو أن دور الدولة في التنشئة السياسية لمواطنيها لما يعد كما كان في السابق، ولم تعد الدولة بقادرة على التحكم في هذه العملية، لأن المواطن أصبح يتلقى معلوماته من مصادر مختلفة وربما لا يستمع المواطن كثيراً إلى الإذاعة والتليفزيون الوطني يتلقى معلوماته من مصادر أخرى، حتى إذا كان المواطن يستمع إلى أجهزة الإعلام المحلية والأجنبية معاً فإن ما تغذيه به القنوات المحلية من أفكار وتصورات وقيم يمكن أن تسلبه من أجهزة الإعلام العالمية وهو ما يثير التساؤل حول دور الدولة في التنشئة السياسية في عصر العلومة والتطورات التكنولوجية الهائلة في مجال الإعلام والاتصال. رابعاً: الأحزاب السياسية:- تلعب الأحزاب السياسية دورا بارزا في التنشئة السياسية، والأحزاب بحكم كونها جماعات متنافسة علي السلطة، فإنها تعمل علي توعية أعضائها بالمسائل السياسية وتعمل على زيادة وعيهم بالقضايا الوطنية، وتستخدم في ذلك عدة وسائل لعل أهمها الصحف اليومية ،اللقاءات الجماهيرية ،النشرات والتقارير…….الخ وبالتالي تلعب الأحزاب السياسية دور بارزا في التنشئة السياسية لعضويتها بشكل خاص كما تسهم في توعية الشعب، من خلال الوسائل المذكورة، بشكل عام. خامساً: جماعات المصالح: وتعمل علي  تنشئة أعضائها بصورة تتناسب ومواقفها السياسية وتعمل علي إقناعهم بالفكرة أو المصلحة الرئيسية التي تتبناها وتهيئهم للتضحية من اجل هذه الفكرة أو المصلحة ،وتدفعهم لمعارضة السياسات المتناقضة مع مصالحها ،كما أنها تقوم بإعداد الدراسات في المجال الذي يعنيها وتقديم هذه الدراسات للمسؤولين ، وبهذه الطريقة تسهم في التنشئة السياسية للمواطنين، وخاصة أعضاء الجماعة . [1]/ ريتشارد داوسن وآخرون، التنشئة السياسية: دراسة تحليلية، ترجمة مصطفى خشيم ومحمد زاهي المغيربي، منشورات جامعة قاريونس، بنغازى، 1990م، ص11. [2] / المرجع السابق ص 55-56. [3] / محمد محمود ربيع وإسماعيل صبري مقلد (محرران)، موسوعة العلوم السياسية، جامعة الكويت، الكويت، 2003م، ص478 [4] / محمد على محمد، أصول علم الاجتماع السياسي، بدون تاريخ، ص213. [5] / شعبان الطاهر الأسود، علم الاجتماع السياسي، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، الطبعة الثانية، 2001م، ص216. [6] / المرجع السابق ، ص217. [7] / شعبان الطاهر الأسود، مرجع سابق، ص50 [8] / لتفصيل ذلك: أنظر ريتشارد داوسن، مرجع سابق، ص184- 186  

0 Comments

Leave a Comment