شهدت العقود الماضية إقبالاً كبيراً على التعليم العالي حيث وصل عدد طلاب التعليم العالي على مستوى العالم في العام 2020م إلى 207 مليون طالباً موزعين على 28 ألف جامعة حول العالم، وهناك توقعات بأن يصل عدد الطُلّاب في مؤسسات التعليم العالي، بحلول العام 2025م، إلى 263 مليوناً
([1]). وفي العالم العربي، وحسب دراسة أعدها اتحاد الجامعات العربية في العام 2018م هناك 11.5 مليون طالباً وطالبة بمراحل التعليم الجامعي في العالم العربي يتوزعون على 1164 جامعة عربية حكوميّة وخاصَّة
([2]). لذلك فقد برز التساؤل حول إمكانية توفير (تعليم جيد) في ضوء هذه الزيادة الهائلة على التعليم العالي والضغوط الكبيرة على مؤسساته.
لكن الإجابة على هذا التساؤل تقتضي التعريف بمفهوم التعليم الجيد المنشود وأهم سماته وخصائصه، ثم النظر بعد ذلك في آليات وسبل توفير هذا النوع من التعليم. وفي الواقع هناك عدة تعريفات للتعليم الجيِّد فهناك من يُعِّرفه على أنه نوع من التعليم الذي يوفره نظام تعليمي يؤكِّد على أهمية التركيز على خمسة عناصر مهمة هي: جودة المتعلمين، وبيئة التَعَلُّم الجيدة، وجودة المحتوى، وعمليات الجودة، ونتائج الجودة
([3]). وهناك من يرى أنه “تعليم مُصَمَّمْ لتزويد المُتَلقِّي بتطوير شامل للمهارات والإمكانات لتحقيق النجاح في مساعيه المستقبلية في المجتمع.”
([4]).
وعُرِّفَ التعليم الجيِّد أيضاً على أنه” نوع الناتج التعليمي الذي يلبي متطلبات العملاء (المتعلمين والمعلمين وأولياء الأمور والمجتمع والقطاع الصناعي) “
([5])، وهناك أيضاً من عرّفه على أنه “تعليم يتسم منهجه بجودة عالية، ومصمَّم لنقل المهارات والمعرفة ذات الصلة التي تُمكِّن الطُلّاب من اكتساب الكفايات الأكادِيميَّة للبقاء الاجتماعي والاقتصادي”
([6]).
ويمكن القول، بشكل عام، إن التعليم الجيِّد هو ذلك النوع من التعليم الذي يحقق مستوى عالياً فيما يتعلق بالطُلّاب وبيئة التَعَلُّم والمحتوى التعليمي ومخرجات التَعَلُّم، وإدارة عمليات الجودة، والذي يحقق تطويراً شاملاً لمهارات الطُلّاب بما يمكنهم من مجابهة تحديات المستقبل، والذي يهتم بتطوير الجوانب السلوكية والأخلاقية والمهنية والاجتماعية لديهم.
إن الملاحظ هو أنه، وعلى الرغم من التطورات الهائلة التي حدثت في مجال تكنولوجيا الاتصالات والتي اكتسحت كل أرجاء المعمورة متمثلة في ظاهرة العولمة التي قَرّبَتْ المسافات وجعلت العالم” مُسَطَّحَاً” كما قيل، ظل جزءٌ كبير من مؤسسات التعليم العالي في مناطق مختلفة من العالم عاجزاً عن مواكبة هذه التطورات الجديدة، ومستمراً على ذات النهج القديم في التعليم من حيث الفلسفة والرسالة والأهداف والمخرجات، وقد تمثَّل عدم مواكبة هذه المؤسسات التعليمية في الآتي:
- حالت الإجراءات البيروقراطية في هذه المؤسسات دون الاستجابة للتطورات الجديدة والتعاطي معها بالمرونة اللازمة التي تمكنها من اللحاق بركب هذه التطورات، فظلت حبيسة لمنظورها التقليدي السابق دون أن تبذل جهوداً كافية لمواكبة هذه التطورات الجديدة.
- النزعة المحليَّة الطاغية لبعض مؤسسات التعليم العالي، وعدم قدرتها على مواكبة العالمية سواءً في مناهجها أو هيئاتها التدريسية أو مصادرها التعليمية؛ بل وعدم وعيها الكافي بالتطورات العالمية في هذا الصدد.
- ضعف الإمكانات الماديَّة لكثير من هذه المؤسسات والذي تَجَلَّى في ضعف بنياتها التحتية متمثلة في المباني والمختبرات والمكتبات والمرافق بشكل عام.
- الانفصال التام بين هذه المؤسسات والمجتمعات المحليَّة وعجزها عن تقديم أيَّة مساهمات ملموسة في تنمية مجتمعاتها.
- الانتشار الواسع للجامعات والمعاهد العليا الخاصة ذات الإمكانيات الماديَّة المحدودة والهيئات التدريسية غير المؤهلة بالقدر الكافي ما انعكس سلباً على خريجي هذه المؤسسات، وتجلى ذلك في ضعف قدراتهم ومهاراتهم وعدم قابليتهم للتوظيف، وبالتالي، مساهمتهم في تنمية بلدانهم.
- غياب أنظمة المتابعة والتقويم لمؤسسات التعليم العالي في كثير من البلدان([7]).
قادت كل هذه العوامل إلى تدنٍ مريع في مخرجات التَعَلُّم، والى فجوة كبيرة بين قدرات الخريجين من جانب ومتطلبات سوق العمل من جانب آخر، واتسعت الفجوة بسبب التطورات التكنولوجية وتغير أنماط الإنتاج وظهور وظائف جديدة لمواكبة هذا الواقع المستجد، وبالتالي، برزت الحاجة إلى معارف ومهارات/ كفاءات وقيم وسُلُوكيَّات جديدة. اقتضت هذه التحولات العميقة إجراء مراجعات جذرية لواقع التعليم العالي في كل انحاء العالم من أجل تطويره وضبط مخرجاته، وجعله قادراً على الاستجابة لمتطلبات الواقع الجديد بتخريج كفاءات قادرة على التعامل مع التحديات التي فرضها هذا الواقع.
ولتوضيح التحديات الجديدة ودورها في الاهتمام بموضوع الجودة الشاملة بشكل عام وجودة التعليم بشكل خاص، فقد أشار البعض إلى ما يلي
([8]):
- أن التطورات التقنية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي انتظمت العالم عززت التنافس بين الشركات والمؤسسات المنتجة للسلع والخدمات ما اقتضى الاهتمام بموضوع الجودة بشكل عام، ومنها الجودة في التعليم، وذلك من أجل الصمود في هذه المعركة التنافسية الضارية التي أوجدتها تلك التطورات.
- أن هذه التطورات التقنية قادت إلى تعزيز أوضاع المستهلك الذي توافرت أمامه خيارات واسعة من السلع والخدمات، وبات قادراً على الاختيار من بين السلع والخدمات المقدمة على أساس جودتها وتكلفتها وسهولة الحصول عليها.
- اتضحت من خلال الدراسات الخاصة بالتعليم وسوق العمل أن هناك فجوة واسعة بين المخرجات التعليمية واحتياجات سوق العمل، حيث وضح أن هناك نقصاً كبيراً في تخصصات يحتاج لها السوق من جانب، وزيادة كبيرة في تخصصات لا يحتاج لها السوق من جانب آخر، وذلك بسبب عدم مراعاة حاجة السوق عند التخطيط لفتح البرامج العِلمِيَّة، وضعف أو غياب التواصل المطلوب بين أرباب العمل والمؤسسات التعليمية.
- تركيز التعليم على التلقين والحفظ واسترجاع المعلومات، بينما يحتاج سوق العمل إلى مهارات أخرى تتعلق بالتواصل، والعمل بروح الفريق، وحلَّ المشكلات، واتخاذ القرار، وغيرها ما يتطلب التخطيط لجودة التعليم وتوجيهه بطريقة تخدم سوق العمل.
بينما يرى آخرون أن الأسباب التي أدَّت لتزايد الاهتمام بالجودة في التعليم الجامعي برزت منذ أوائل التسعينات من القرن الماضي وتمثَّلت في الآتي
([9]):
- الزيادة في أعداد الطُلّاب المُلتحِقِين بمؤسسات التعليم الجامعي في مختلف أنحاء العالم خاصة في الدول النامية، والتنوع الكبير في أهداف التعليم الجامعي ومجالاته في الوقت الذي شحت فيه الموارد المالية لمؤسساته بشكل عام.
- قناعة المسؤولين في الحكومات بأن النجاح الاقتصادي يتطلب قوى عاملة جيِّدة في الإعداد.
- ازدياد مطالب المنظمات المهنيَّة والثقافيَّة والإنسانيَّة والهيئات المجتمعيَّة والدوليَّة بتحسين الخدمات المُقَدَّمة للمواطنين عامة والمتعلمين خاصَّة.
- ازدياد التنافس بين المؤسسات الجامعيَّة سواءً الحكوميَّة أو الخاصة على استقطاب الطُلّاب.
- ارتباط كثير من دول العالم باتفاقيات التجارة الإقليمية والدولية ومنظمات التعليم الجامعي الدولِيَّة، ومنظمات التعاون والتمويل، ما أدّى إلى حرص الدول على النوعية العالية في الصناعات والأبحاث والمواد التعليميَّة.
ويذكر أشرف محمود ومحمد جاد حسين عدداً من التحديات التكنولوجية والسياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية التي واجهت مؤسسات التعليم العالي على مستوى العالم ودفعت بها نحو الاهتمام بتطبيق مبادئ الجودة. من هذه التحديات: الزيادة في أعداد الطُلّاب بمؤسسات التعليم العالي، ومطالبة المنظمات المهنية بتحسين الخدمات المقدمة للطلاب وتحسين نواتج التَعَلُّم، وظهور التعليم الإلكتروني، وخصخصة التعليم الجامعي، وتطور مجالات البحث العلمي، وزيادة التعاون والتبادل العلمي بين الجامعات ومراكز البحوث، وزيادة اهتمام الشركات متعددة الجنسيات بالتعليم الجامعي، والشراكات بين الجامعات والمؤسسات الإنتاجية والخدمية
([10])
وتحت عنوان التحديات الحالية للتعليم العالي أوضحت الدكتورة صليحة رقاد أن هناك تحديات داخلية وخارجية فرضت الأخذ بنظام الجودة في مؤسسات التعليم العالي. من التحديات الداخلية: تزايُد الطلب الاجتماعي على التعليم العالي، والتنويع في التعليم العالي، والخوصصة في مؤسسات التعليم العالي، والتغيير في متطلبات سوق العمل، وقِلَّة الموارد، الحراك الأكاديمي والمهني، وتصدير التعليم العالي، والبطالة المتزايدة، ومن التحديات الخارجية: التقدُّم العلمي والتكنولوجي، والعولمة، والاتفاقية العامة حول تجارة الخدمات وسوق التعليم العالي عبر الحدود، والسوق الدوليَّة لخدمات ضمان الجودة، والتغيُّرات الاقتصادية العالميَّة، والتكامل الإقليمي
([11])
وفي الواقع فإن من أهم دوافع الاهتمام بجودة التعليم هي تلك العلاقة القوية والصلة الوطيدة بين التعليم والتنمية. لقد وصف تقرير التنافسية العالمي(Global Competitiveness Report) الذي يصدر عن المنتدى الاقتصادي العالمي(World Economic Forum) التعليم بأنه “مخزون المهارات والكفاءات المُعزِّزة للإنتاجية” لكونه يزيد من القدرة الجماعيَّة للقوى العاملة على تنفيذ المهام الحاليَّة بسرعة أكبر، ويُسهِّل نقل المعرفة حول المعلومات والمنتجات والتقنيات الجديدة التي أنشأها الآخرون، ويُعزِّز القدرة الذاتية للبلد على استحداث معارف ومنتجات وتقنيات جديدة من خلال زيادة الإبداع
([12]).
لقد حدَّدت الأمم المتحدة 17 هدفاً للتنمية المستدامة تتحقّق بحلول العام 2030م وهي: القضاء على الفقر، القضاء التام علـى الجوع، الصحة الجيِّدة والرفاه، التعليم الجيِّد، المسـاواة بين الجنسـين، الميـاه النظيفة والنظافة الصحية، الطاقة النظيفة بأسعار معقولة، العمل اللائق ونمو الاقتصاد، الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية، الحد من أوجه عدم المسـاواة، مدن ومجتمعات محلية مستدامة، الإنتاج والاستهلاك المستدام، العمل المناخي، الحياة تحت الماء، الحياة في البر، السلام والعدل والمؤسسات القويَّة، الشراكات من أجل الأهداف
([13]).
لكن هناك ما يشبه الإجماع على عدم إمكانية تحقيق أي من هذه الأهداف دون الاهتمام بالتعليم، ولذلك فإن اليونسكو وهي تتبنى شعار (التعليم من أجل التنمية المستدامة) تقول: “يمثل التعليم هدفاً في حد ذاته ووسيلة لبلوغ سائر أهداف التنمية المستدامة الأخرى”
([14])، وحسب رؤية إيرينا بوكوفا، المديرة العامة لليونسكو (2015) فإنه ” يمكن للتعليم، بل يَتَعَيَّن عليه الإسهام في بلورة رؤية جديدة إزاء التنمية العالميَّة المستدامة”
([15]).
واستشعاراً منها للدور المحوري للتعليم في التنمية، فقد أصدرت الجامعات البريطانية، في وقت كانت فيه الحكومة البريطانية تبحث في تخفيض المصروفات، منشوراً بعنوان: لماذا الاستثمار في الجامعات Why Invest in Universities))، تناولت فيه أهميِّة الجامعات للمجتمع، وأهمية أن تستثمر المملكة المتحدة في الجامعات، وعددت في المنشور الأسباب التي تقتضي الصرف على التعليم في أحلك الظروف الاقتصادية.
من أهم مبررات الصرف على الجامعات، حسب ما جاء في ذلك التقرير، أن الجامعات تُحَوِّل حياة الناس من خلال التعليم والبحث، وتساعد سوق العمل بتوفير المعارف والمهارات التي يحتاج إليها، وأن الأبحاث العِلمِيَّة الرائدة التي تجريها هذه الجامعات هي التي يؤسس عليها الازدهار الاقتصادي والاجتماعي في المستقبل، وهي( أي الجامعات) تساعد على ضمان بقاء المملكة المتحدة قادرة على المنافسة في السوق العالمية من خلال دعم المزيد من الابتكارات التجاريَّة والنمو المعرفي المكثف الذي يقوده التصدير، وهي ضرورية للاقتصادات المحلية النابضة بالحياة، وهي محركات للابتكار وتطوير الأعمال، وأن الجامعات من المساهمين الرئيسيين في اقتصاد المملكة المتحدة حيث حققت 73 مليار جنيه إسترليني من الإنتاج في عام واحد فقط
([16]). وعلى الرغم من أن التقرير المُشار إليه تناول دور التعليم في تنمية وتطوير الاقتصاد البريطاني، فإن هذا الأمر يصدُق على كل الدول والمجتمعات الأخرى وإن بدرجات متفاوتة.
[1] Ryan, Quality Assurance in Higher Education: A Review of Literature High. Learn. Res. Commun., Volume 5, Num. 4, December 2015, P.1.
[2] جريدة المال، أمين اتحاد الجامعات العربية: اهتمام عالمي بـ«الوافدين وتدويل التعليم العالي» لتحسين الجودة وتحقيق عوائد، 5/3/2020م.
[3] Frederick Muyia Nafukho and Alexander Boniface Makulilo (ed.), Handbook of Research on Nurturing Industrial Economy for Africa’s Development, (Pennsylvania: IGI Global, 2021).
[4] Neeta Baporikar and Michael Sony (ed.), Quality Management Principles and Policies in Higher Education, (Pennsylvania: IGI Global, 2020).
[5] Sherrie Wisdom, Lynda Leavitt and Cynthia Bice (ed.), Handbook of Research on Social Inequality and Education, (Pennsylvania: IGI Global, 2019).
[6] Edgar Oliver Cardoso Espinosa (ed.), The Formation of Intellectual Capital and Its Ability to Transform Higher Education Institutions and the Knowledge Society, (Pennsylvania: IGI Global, 2019).
[7] أشرف محمود أحمد ومحمد جاد حسين، ضمان جودة مؤسسات التعليم العالي في ضوء معايير هيئات الاعتماد الدولية، (القاهرة: عالم الكتب،2009)، ص24-25.
[8] رافدة عمر الحريري، مرجع سبق ذكره، ص 30-32.
[9] محمد أحمد الصاعدي وأحمد محمد الدوري، إدارة الجودة الشاملة في المؤسسات التعليمية في ظل العولمة، مجلة كلية التربية- جامعة أسيوط، العدد (11-2)، مجلد (34)، نوفمبر 2018، ص 186.
[10] أشرف محمود أحمد ومحمد جاد حسين، مرجع سبق ذكره، ص19 -21.
[11] صليحة رقاد، تطبيق نظام الجودة في مؤسسات التعليم العالي الجزائرية: آفاقه ومعوقاته: دراسة ميدانية بمؤسسات التعليم العالي للشرق الجزائري، رسالة دكتوراه في العلوم الاقتصادية، جامعة سطيف 1، 2013/2014م، ص 58- 64.
[12] World Economic Forum, Education, the Global Competitiveness Report 2015–2016, P.43.
[13] أنظر موقع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي .
undp.org
[14] منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم، التعليم من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة، (باريس: 2017)، ص1.
[15] لتفاصيل ذلك ينظر: المصدر السابق نفسه، ص15.
[16] Mike Hamlyn, Why are universities important, Staffordshire University, June 28, 2015 at: http://bitly.ws/vHYi. Retrieved on 23.10.2022.
0 Comments