تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Dr.Baha'a Makkawi

يرى البعض أن الاهتمام بالجودة ليس أمراً جديداً بل يمتد لمراحل بعيدة في التاريخ معتبراً شريعة حمورابي في القرن الثامن عشر قبل الميلاد([1])، وبناء الأهرامات في مصر أدِلّة دامغة على الاهتمام بأمر الجودة منذ ذلك التاريخ، وفي مجال التعليم فإنَّ المدرسة المستنصرية التي افتتحها الخليفة العباسي المنتصر بالله في العام 1233م وكذلك المدارس المرينية بالمغرب في القرن الرابع عشر قد طبقت معايير الجودة ([2]).

لكن المؤكد هو أن العقود الماضية قد شهدت نقلةً نوعيةً في هذا الجانب بالتَحَوُّل إلى مفهوم الجودة الشاملة (Total Quality Management )، وذلك حينما شرعت اليابان، بمساعدة خبراء أمريكيين من أمثال ديمنج ويوران وغيرهما، بالإضافة إلى بعض الخبراء اليابانيين من أمثال إيشيكاوا، في تطبيق مبادئ إدارة الجودة الشاملة في القطاع الصناعي ونتج عن ذلك تطور هائل في الصناعة اليابانية، تلتها الولايات المتحدة الأمريكية في خمسينات القرن الماضي بعودة يوران وديمنج وتلاميذه من أمثال فيجينبوم وكروسبي وغيرهم، وفي إنجلترا أسهم الاهتمام الشخصي لرئيسة الوزراء – آنذاك- مارغريت تاتشر بأمر الجودة في ترسخ هذا المفهوم في سبعينات القرن العشرين في بريطانيا، ثم انتقل منها إلى بقية الدول الأوربية خلال عقد الثمانينات من ذلك القرن.

تعرّف إدارة الجودة الشاملة (Total Quality Management) على أنها أسلوب شامل يهدف إلى تحقيق رضا المستفيد وتوقعاته، وفي ظل الجودة الشاملة يتعاون جميع أفراد المؤسسة باستمرار في جهود تحسين جودة العمليات والنواتج([3]). وقد عرَّف معهد الجودة الفيدرالي الأمريكي الجودة الشاملة على أنها هي تأدِية العمل الصحيح على نحو صحيح من الوهلة الأولى، مع الاستفادة من تقييم العميل في معرفة مدى تَحَسُّن الأداء ([4]).

وعرفها المكتب الفيدرالي الأمريكي للإدارة على أنها ” نهج تنظيمي شامل لتلبية احتياجات العملاء والتوقعات التي تشمل جميع المديرين والموظفين في استخدام الأساليب الكمية للتحسين المستمر لعمليات ومنتجات وخدمات المنظمة”([5]).

كما عرَّفها آخرون بأنها ” هي التعاون المتبادل بين الجميع في المنظمة والعمليات التجارية المرتبطة بإنتاج السلع والخدمات التي تُلَبِّي احتياجات العملاء وتوقعاتهم أو تتجاوزها”([6]).

بناءً على ما سبق من تعريفات يمكن القول بإن مفهوم الجودة الشاملة يشير إلى نهج إداري شامل يساهم فيه كل المنتمين إلى المنظمة، ويهدف إلى تلبية احتياجات ورغبات العملاء والزبائن بما يوافق توقعاتهم أو يفوقها، وأن تخطط المنظمة للعمل باستمرار من أجل التحسين المستمر لمنتجاتها أو خدماتها التي تقدمها للجمهور.

تتميز الجودة الشاملة بمجموعة من الخصائص منها: الشمول لكل القطاعات والمستويات والوظائف، مركزية الزبون في فكر وأداء المنظمة، البحث عن مصادر غير تقليدية للمعلومات، التطوير والتحسين المستمر في أنشطة وعمليات المنظمة، إتِّباع المنهجية العِلمِيَّة في التخطيط والتنظيم والتحليل، المشاركة من خلال العمل بنظام الفريق، مبادرة قادة المؤسسة وتقديمهم الدعم والمساندة للعاملين، التنظيم الشبكي الذي يسمح بتدفق المعلومات، الجماعِيَّة في العمل بدلاً عن الجهود الفردية، تنمية الرقابة الذاتيَّة لدى العاملين، التركيز على الأنشطة المُهِمَّة وتفادي الأنشطة التي تقود إلى الهدر، وتبني فكرة منع وقوع الخطأ بدلاً من كشفه بعد وقوعه ومحاولة إصلاحه بعد ذلك([7])

وضع العالم الأمريكي والخبير في مجال الجودة الشاملة إدوارد ديمنج (Edward Deming) ما أطلق عليه (مبادئ الجودة الأربعة عشر)، وذلك على النحو التالي:([8]):

  1. إيجاد هدف واضح وثابت للعمل على تحسين المنتجات والخدمات ونشره بين العاملين.
  2. العمل على تبنّي فلسفة التطوير والتحسين المستمر لمواجهة التحديات والصعوبات.
  3. الابتعاد عن استخدام أسلوب التفتيش والفحص بهدف تحقيق الجودة.
  4. أخذ التكاليف الكلية بعين الاعتبار، وعدم أخذ قرار الشراء بناءً على السعر فقط، إنَّما على نوعية وجودة المنتج.
  5. العمل على التحسين المستمر لكل الأنشطة والعمليات التي لها علاقة بالتخطيط والإنتاج والخدمات التي تساعد في تطوير وتحسين الجودة والعمل على تخفيض التكاليف.
  6. توفير المناخ الملائم الذي يعمل على تحفيز العاملين، وإبعاد الخوف عن المرؤوسين والموظفين حتى يعمل الجميع بفاعلية من أجل المنظّمة.
  7. إزالة العوائق التي تحرم الموظفين من الافتخار بالعمل والتخلص من نظام التقييم السنوي.
  8. العمل على التخلص من كل العوائق والخلافات التي يمكن أن تنشأ بين الأقسام.
  9. البُعد عن الشعارات والتحذيرات المُوجَّهَة للموظفين التي تطلب منهم تحقيق مستوى جيد من الأداء دون تقديم وسائل تساعدهم على ذلك.
  10. العمل على تأسيس برامج قوية للتعليم والتدريب والتطوير الذاتي لكل أفراد المنظّمة حتى يَتَمَكَّنُوا من التعاطي مع كل ما هو جديد.
  11. استخدام أحدث طرق التدريب لتطوير أداء العاملين.
  12. وضع كل موظف في المكان المناسب لكفاءته وخبرته حتى يخصص جهده ويستثمر خبرته في التطوير المستمر للمؤسسة.
  13. تحقيق التنسيق بين القيادة والمستويات الإدارية الأخرى في المؤسسة.
  14. عدم وضع أرقام قياسية للإنتاج دون ربطها بالجودة.

كما وضع رائد الجودة الياباني إيشيكاوا أربعة مبادئ لرقابة الجودة وهي:

  1. بناء الجودة على وجهة نظر العميل، ما يقتضي التعرف على رغباته وكيفية تلبيتها.
  2. إن الجودة عملية استثمار طويلة الأمد وهي جوهر العملية الإدارية.
  3. العمل على إزالة الحواجز بين أقسام المنظمة، وتشجيع المشاركة الفاعلة للعاملين في إدارة المؤسسة.
  4. استخدام الوسائل الإحصائية في معالجة البيانات للوصول إلى قرارات سليمة ([9]).

[1]  جاء في شريعة حمورابي، على سبيل المثال، أن من يبني بيتاً فيسقط على ساكنيه ويقتلهم فإن عقوبته الإعدام.

[2]  سوسن شاكر مجيد، مرجع سبق ذكره، ص 13.

[3]   المرجع السابق نفسه، ص 97.

[4]   المرجع السابق نفسه، ص 29.

[5]   Alexandros G. Psychogios and Constantinos-Vasilios Priporas, Understanding Total Quality Management in Context: Qualitative Research on Managers’ Awareness of TQM Aspects in the Greek Service Industry, The Qualitative Report Volume 12 Number 1 March 2007, P.41.

[6] Ibid. 41.

[7]  بتصرف من: رافدة عمر الحريري، القيادة وإدارة الجودة في التعليم العالي، (عمَّان: دار الثقافة للنشر والتوزيع)، 2010م، ص 24-25.

[8]  المرجع السابق نفسه، ص 53-55.

[9]  رافدة الحريري، مرجع سبق ذكره، ص59.

0 Comments

Leave a Comment