شهدت العقود الثلاثة الأخيرة استخداماً واسعاً لمصطلح المجتمع المدني (Civil Society) حيث أعدت البحوث، وعقدت المؤتمرات، وأقيمت السمنارات والحلقات النقاشية للتعريف بالمجتمع المدني والدور الذي يمكن أن تلعبه منظماته في سياسات الدول، وفي الاصلاح السياسي، وحماية البيئة وغير ذلك.
ومصطلح المجتمع المدني من أكثر المصطلحات المستخدمة في وسائل الاعلام المرئية والمقروءة والمسموعة ، فكثيراً ما نسمع عن دور منظمات المجتمع المدني في أوقات الحروب والنزاعات والكوارث ، أو دورها في النضال من أجل الديمقراطية وحقوق الانسان وحماية البيئة .
قد تتلقى دعوة من منظمة تعرف نفسها على انها منظمة مجتمع مدني تدعوك للمشاركة في ندوة تقيمها ،أو التعبير عن موقف تتبناه ، أو المساهمة بالمال في عمل طوعي تعتزم القيام به.
وعلى الرغم من ذلك فهناك اختلافات واسعة حول مفهوم المجتمع المدني والمنظمات المنضوية في اطاره ، والدور المطلوب منه ، فما هو المجتمع المدني؟ ومم يتشكل ؟ وما هي وظائفه ؟
رغم أن هذا مصطلح المجتمع المدني (Civil Society) ليس جديداً إذ يعود تاريخه إلى عهد أرسطو 384-322 ق.م والذي أشار إلى المجتمع المدني كمرادف للمجتمع السياسي Political Society) )أو باعتباره يمثل مجموعة سياسية خاضعة للقوانين، الا ان المجتمع المدني بمفهومه الحالي قد ظهر في الغرب مصاحباً لبزوغ الليبرالية السياسية ولتأسيس الديمقراطية كأداة يوظفها الأفراد للتعبير عن مطالبهم ومصالحهم ولتقييد السلطة ، وقد تطور المفهوم عبر مراحل مختلفة فقد استخدمه رواد نظرية العقد الاجتماعي – مثلا- لوصف المرحلة التي تلت قيام الدولة حيث قسموا التاريخ البشري الى مرحلتين : مرحلة حالة الطبيعة ( ما قبل قيام الدولة ) ومرحلة المجتمع المدني ( بعد قيام الدولة ) ، أما مونتسكيو ، ولانه عايش دولة مستقرة ، فقد قصد بالمجتمع المدني حالة التوازن التي تقوم بين القوى التي تشكل الدولة، والقانون هو عصب هذا التوازن، ومن هنا سمي كتابه روح القوانين، فالمجتمع المدني هو مجتمع القانون واحترام الملكية الخاصة وهو نقيض الاستبداد ، وبعد أن غاب مصطلح المجتمع المدني لفترة لا تقل عن القرن حتى سقط من القواميس السياسية والاجتماعية ، عاد إلى السطح بقوة مع نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين فما المقصود بالمجتمع المدني ؟ وما هي المنظمات التي تدخل في إطاره ؟
مفهوم المجتمع المدني :
من التعريفات الرائجة للمجتمع المدني اليوم انه يمثل ” كل المؤسسات التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات والمنافع العامة دون تدخل أو توسط الحكومة”. ومنها كذلك أن المجتمع المدني هو “النسق السياسي المتطور الذي تتيح صيرورة تمأسسه (تمفصله في مؤسسات) مراقبة المشاركة السياسية”.
وهناك من لا يرى فرقاً بين منظمة المجتمع المدني وجماعة المصلحة فعلى سبيل المثال هناك من يرى ” المجتمع المدني هو جماعات المصالح وهي الجماعات المنظمة من الأفراد الذين تجمعهم مصلحة مشتركة أو رابطة موحدة ويناضلون من اجل حماية هذه المصالح -اقتصادية كانت أو غير اقتصادية -والتأثير على الرأي العام وعلى متخذي القرار، وهذه الجماعات قد تكون ذات طبيعة ثقافية او دينية او مهنية أو جهوية أو فئوية ”
ولا يستطيع المرء أن يحصي التعريفات التي وردت بشأن المجتمع المدني، الا ان اشهر التعريفات انتشاراً في الوطن العربي هو أن المجتمع المدني عبارة عن “مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح، أفرادها ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والإدارة السلمية للتنوع والخلاف”.
وطبقاً لهذا التعريف، ينطوي مفهوم المجتمع المدني علي ثلاثة مقومات رئيسية هي:
- الفعل الإرادي الحر: حيث يتكون المجتمع المدني نتيجة للإرادة الحرة للإفراد بخلاف الجماعات القرابية كالأسرة والعشيرة والقبيلة والتي يجد الفرد نفسه منتمياً لها بحكم المولد ودون أن يكون له خيار في ذلك.
- التنظيم الاجتماعي: حيث يقصد بالمجتمع المدني، عادة، الأجزاء المنظمة من المجتمع العام. والتنظيم هو الفرق بين المجتمع المدني والمجتمع عموماً.
- قبول الاختلاف والتنوع والالتزام بالإدارة السلمية للصراع : سواء كان ذلك مع الحكومة أو منظمات المجتمع المدني الأخرى. والالتزام التام بقيم التسامح وانتهاج أسلوب الحوار في التعامل مع الطرف الآخر.
وظائف المجتمع المدني :-
تؤدي منظمات المجتمع المدني وظائف متعددة يمكن تلخيصها في الاتي :
- حماية الحقوق وتحقيق المصالح :
تقوم منظمات المجتمع المدني – عادة – بتعبئة الافراد لتقوية موقفهم التفاوضي بهدف حماية المكاسب التي تم تحقيقها ، كما تعمل على تجميع وتحليل المطالب وحشد الافراد من أجل تحقيق هذه المطالب ، ولعل المثال الاوضح على ذلك هو النقابات التي تسعى الى تعبئة العاملين من أجل المحافظة على المكاسب التي حققوها ، وتعبئتهم من أجل تحقيق مكاسب جديدة مستخدمة طريقة المساومة الجماعية (Collective Bargaining) والتسوية (Compromise ) .
- حل الصراعات : سبقت الاشارة الى ان من أهم سمات المجتمع المدني الالتزام بالإدارة السلمية للصراع واعتماد قيم التسامح وانتهاج أسلوب الحوار ، وبالتالي فان تنظيمات المجتمع المدني تعمل على حل الصراعات التي تحدث داخلها او بينها وبين المنظمات الاخرى بوسائل ودية واساليب سلمية ، وهي بذلك تساعد الحكومة وتوفر عليها الكثير من الجهد والوقت .
- تنمية الوعي السياسي : حيث تعمل غالبية تنظيمات المجتمع المدني خاصة المنظمات ذات الطبيعة السياسية او شبه السياسية الى تنمية الوعي السياسي لعضويتها باكسابهم قيماً جديدة ومعلومات جديدة حول الشأن السياسي ، كما توفر لهم الفرصة للممارسة السياسية وان على مستويات دنيا ، وبذلك تسهم في التنشئة السياسية وفي التثقيف السياسي ، بل وفي المشاركة السياسية .
- تحسين المستوى الاقتصادي وزيادة دخل الاعضاء : ففي حالة النقابات مثلاً ، تعمل النقابة على المطالبة بزيادة الاجور وتقليل ساعات العمل فضلا عن توفير ضمانات اجتماعية وغيرها .
- المساهمة في تحقيق الديمقراطية : حيث تلعب بعض منظمات المجتمع المدني ادواراً مباشرة في المطالبة بالديمقراطية وتعزيز المشاركة السياسية واحترام حقوق الانسان والاقليات ، فضلا عن المطالبة بالتزام أسس الحكم الصالح كالشفافية والمحاسبية وحكم القانون والانصاف والمساواة وغيرها .
- اعداد قيادات سياسية جديدة : ذلك ان هذه التنظيمات تمثل مدارس للتثقيف والتنشئة السياسية لاعضائها ، وبذلك فانها تسهم في إعداد القيادات السياسية والمجتمعية .
- مساعدة الحكومة : من خلال تقديم مقترحات محددة للإرتقاء بالأوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية ، كما يمكن أن تشير إلى بعض مواطن الخلل بما يساعد الحكومة على تلافي أوجه القصور في عملها .
المراجع :-
- ابراهيم ابراش ، علم الاجتماع السياسي ، دار الشروق ، القاهرة ،د.ت ، ص83-84.
- سعيد بنسعيد العلوي وآخرون، المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1997م، ص 79.
- حيدر إبراهيم علي، المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في السودان، مركز إبن خلدون للتنمية ودار الأمين للنشر، القاهرة 1996م، ص 5، (من مقدمة د. سعد الدين إبراهيم).
0 Comments