سقطت حكومة (الإنقاذ) وانقضى زمانها لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ السودان، وبرزت إلى الوجود بعد سقوط حكومة البشير وتشكيل مؤسسات الفترة الانتقالية حزمة من الأسئلة المهمة والمشروعة مثل: ما الذي تنوي الحكومة الجديدة فعله؟ هل سيشهد السودان تحولات حقيقية تطال الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتعليمية والفنية والرياضية وسائر أوجه الحياة في السودان؟ ما هو برنامج الحكومة الانتقالية؟ ما هي أولوياتها؟ من أين ستبدأ؟ وأين ستنتهي؟ ما الفرص المتاحة أمامها؟ وما التحديات التي تواجهها؟ كيف ستتعامل مع قضايا الواقع السوداني الملحة وأزماته المعقدة وإشكالياته المتشابكة والمزمنة؟
هذه التساؤلات هي، بلا شك، حق أصيل للمواطن السوداني، فمن حقه أن يعرف الى أين تتجه الأمور؟ وما هي خطط وسياسات حكومته ، لأنه المستفيد اذا نجحت الحكومة، وهو الخاسر اذا فشلت ، لذلك فان الشعوب الحية الواعية المنفعلة بقضايا وطنها ، مثل الشعب السوداني العظيم ، لا تنتظر الاشارة لتعطي رأيها في مستقبلها ومصيرها ، بل تبادر بإبداء رأيها في كل قضية قومية مطروحة ، لا تألو في ذلك جهداً ، ولا تدخر وسعاً ، والحكومات الرشيدة الصالحة هي التي تشجع المشاركة الشعبية ، وتستأنس برأي الجماهير ، وتفتح أبوابها لتلقي آراء المواطنين ومطالبهم وشكاواهم ، وهي تتيح لجماهيرها فرص التعبير الحر حول قضايا الوطن ، وتسعى للتعرف على اتجاهاتهم وآرائهم حول ما اتخذته وما سوف تتخذه من سياسات واجراءات ، وأن تقرر ، وتصوب ، وتراجع ، و(تتراجع)حسب التغذية الراجعة (Feed Back) من الشعب.
استناداً الى هذا المقدمة ، فهذه مساهمة متواضعة في تقديم اجابات على التساؤلات الكبيرة التي أثارها سقوط نظام الانقاذ ، ذلك أن سقوط النظام ، كله أو بعضه ، لا يعني بالضرورة أن المشاكل التي تواجهها البلاد قد حلت ، ولعل هذا الفهم هو السبب في كل مشاكلنا ، بل ان هذا الفهم هو السبب في معظم البلدان النامية ، فبعد أن تمكنت هذه البلدان من هزيمة المستعمر ، ظنت أن طريقها بات مفروشاً بالزهور والورود ، وان كل مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية قد حلت وانها موعودة في شهور قليلة بالرفاه والنمو والتطور تماما كالبلدان التي كانت تستعمرها ، ولم يكن هذا الفهم خاصا بالشعوب والافراد العاديين ، بل كان هذا الفهم سائدا حتى في اوساط النخب الوطنية ربما دون استثناء ، لذلك فان هذه النخب لم تجتهد في قراءة الواقع ولم تستعد لمرحلة ما بعد الاستقلال و”لم تعد له عدة ولم تأخذ له أهبة” ، فكانت النتيجة الفشل الذريع والتراجع المستمر والخيبات المتتالية .
وبالتالي، فان المدخل للإصلاح هو أن نعرف أين نحن الآن ، وأين نريد أن نكون ، وكيف نصل الى ما نريد ان نكونه في المستقبل ؟ وهذا هو المنهج الذي سوف نتبعه في هذا المقال حيث نسعى للإجابة على السؤال المهم: أين نحن الان؟ لان الإجابة على هذا السؤال هي نقطة الانطلاق للإجابة على التساؤلات الأخرى.
“جذور العطل” ومظاهر الخلل:
لقد خرج السودان من عباءة الانقاذ ضعيفا ًمنهكاً بسبب السياسات الخاطئة والممارسات الفاسدة. لقد عجزنا ونحن ” سلة غذاء العالم العربي” كما ظللنا نردد دائماً عن إنتاج غذائنا، فأصبحنا نتسول القوت من دول كان يتبرع أجدادنا لها بما يسد رمق مواطنيها ، ووقفنا في صفوف الخبز نساءً ورجالاً واطفالاً ، وشاهدنا على هذه الحالة القاصي والداني ، وأصبحنا حديث الدنيا مثالاً للجوع والفقر والمسغبة ، وغدونا مثاراً للشفقة والعطف عند قوم ، وموضوعاً للازدراء والتندر عند آخرين، . تعطلت مصانعنا ومؤسساتنا وأصبحت أطلالاً تحرق القلب وتُحدِّث عن ماضٍ تليد، وعن مجد آفل ، وعن ” بنيانِ قوم تهدماً” .
لقد عجزت حكومة البشير عن التصدي للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية وتفاقمت في عهدها هذه المشاكل ، وأنَّى لها القدرة على مجابهة هذه التحديات وقد هجّرت الكفاءات السودانية في كافة المجالات : من الاقتصاديين المتمرسين ، والاطباء المؤهلين ، والمهندسين المتميزين ، وأساتذة الجامعات المخضرمين ، والقانونيين الضليعين ، والمثقفين الموهوبين ، وهذه الكفاءات السودانية تعمل الآن ، للأسف ، في بناء دول اخرى تنهض بتعليمها ، وببنياتها الأساسية ، وخدماتها الصحية ، وهم مثال الكفاءة والاقتدار والهمة ، والأخلاق الفاضلة ، والقيم السامية ، والتمسك بقيم الدين الحنيف. هاجروا لأنهم عجزوا عن توفير أبسط مقومات الحياة الفاضلة في بلدهم فخرجوا وقلوبهم تتقطع لمفارقة أوطانهم واهلهم مكرهين مضطرين .
تعليمُنا الذي كان مضرب المثل ليس على المستوى الاقليمي فحسب ، بل على المستوى العالمي اصبح في عهد(الانقاذ) في الحضيض ، وأصبحت دولٌّ كانت تستعين بنا في تأسيس مدارسها ومؤسساتها التربوية ، وفي وضع مناهجها ،أصبحت تمد لنا لسانها ازدراء واحتقاراً ، وجامعاتنا التي كانت تنافس الجامعات العالمية غابت تماماً في مؤشرات التصنيف العالمية والاقليمية .
وكانت نتيجة التهجير القسري للكفاءات وما سمته الحكومة (الصالح العام) والذي قامت بموجبه بفصل أميز قيادات الخدمة المدنية أن سنحت الفرصة لأولئك الذين يفتقرون للمؤهلات العلمية وللقيم المؤسسية والفنية والاخلاقية لتسنم المواقع القيادية في مؤسسات الخدمة المدنية فعاثوا فساداً في هذه المؤسسات وخربوها عمداً أو جهلاً، فكانت النتيجة دماراً شاملاً طال كل أوجه الحياة لأنه كما قال الشاعر القديم:
تُقضَى الأمورُ بأهلِ الرأي ما صلحوا فان تولَوا فبالأشرارِ تنقادُ
وصَحَّت أكثر من ذي قبل أبيات شاعر المؤتمر (علي نور ) ، الذي قال في زمان أفضل من زمن (الإنقاذ)
كل امرئٍ يحتل في السودان غير مكانه
فالمالُ عند بخيلِه والسيفُ عند جبانِه
والمرء ليس بأصغريه : قلبه ولسانه
بل باكتمال روائه وريائه ودهانه
تسلط على هذا الشعب الأبي الواعي في عهد الانقاذ قادة مصابون بالأفانتاجيا أو العجز عن التَخَيُّل ، ظلوا يتخبطون في سياساتهم وقراراتهم حتى أوصلونا إلى مرحلة جعلتنا نتمنى أن لو عدنا الى ستينيات القرن الماضي؟ لقد خلت الساحة السودانية في سنوات (الانقاذ) من الابداع الحقيقي في ابتكار حلول غير مألوفة لمشكلات الادارة والاقتصاد والسياسة والاجتماع ، فما انفك ” المفكرون” الحكوميون يرددون المقولات المألوفة والمكرورة منذ عشرات السنين على الرغم من التغيرات الواسعة التي تشهدها البلاد ، وبرغم التطورات العالمية المتسارعة التي تحتاج إلى مواكبة ومسايرة حتى لا نتخلف عن ركب الأمم ، هذا والقائمة تطول حول الاخفاقات الكبيرة وأوجه الخلل الواضحة التي ميزت السياسة السودانية في عهد الانقاذ وخاصة في السنوات الأخيرة من عمرها .
من أين نبدأ الاصلاح :
الآن وقد أزاح الشعب عن كاهله كل ذلك العبث ، فقد آن له أن ينطلق نحو المستقبل على هدى وبصيرة يقوده المؤهلون من أبنائه نحو مستقبله الزاهر ، ولكن هذا لا يعني ، بالطبع، أن الطريق امام الحكومة الجديدة سيكون مفروشاً بالازدهار والورود ، ففي الواقع تواجه هذه الحكومة عدداً من التحديات الجوهرية التي لا بد ان تتصدى لها بعزم واصرار مثل: تعزيز الوحدة الوطنية، والتصدي للمشاكل الاقتصادية المستعصية، ومواجهة الفساد السياسي والاداري والمالي والتصدي للمشاكل الاجتماعية الخطيرة في المجتمع السوداني، وإصلاح النظام التعليمي، والسعي لإعمار علاقات السودان الخارجية، وهذه مجرد نماذج للتحديات التي يتوجب على الحكومة التصدي لها.
ولكي تنجح الحكومة في التصدي لهذه التحديات، لا بد لها من أن تنطلق من رؤية واضحة لهذه التحديات والاشكاليات العميقة والمتجذرة والمعقدة والمتطاولة بطريقة علمية مدروسة بعيداً عن العشوائية والارتجال ، لأنها تواجه قضايا مصيرية معقدة في مرحلة تاريخية فارقة من عمر الوطن ، لا تحتمل التخبط والتجريب ، فإما تخطيط علمي بمنهجية واضحة يؤدي بنا الى معالجة أوجه الخلل في الجوانب المختلفة ويفتح لنا طريقاً نحو التقدم والنهضة ، وإما تخبط يوردنا موارد الهلاك ، ويقودنا الى هاوية سحيقة ما لها من قرار . فما الذي يتوقعه الشعب من هذه الحكومة؟
لا يمكن – بالطبع- الاحاطة بكل المشاكل التي تواجه السودان والتي يتوجب على الحكومة الجديدة التصدي لها ومعالجتها، كما لا يمكن التفصيل في كل القضايا المطروحة هنا، ولكن حسبنا أن نسلط الضوء عليها ، ونلفت الانتباه اليها ، عسى أن تتاح فرصة أخرى – لنا أو لغيرنا – للتفصيل بشأنها.
ان القضايا التي تتوجب مناقشتها سريعاً والسعي لحلها عاجلاً – من وجهة نظرنا – هي : وضع استراتيجية لتعزيز الوحدة الوطنية تمنع الصراع والاحتراب ، التوصل الى صيغة سياسية ودستورية تجنب البلاد الاستقطاب السياسي ، التصدي للمشاكل الاقتصادية المستعصية ، مواجهة الفساد السياسي والاداري والمالي ، التصدي للمشاكل الاجتماعية الخطيرة في المجتمع السوداني ، إصلاح النظام التعليمي ، والسعي لإعمار علاقات السودان الخارجية .
أولاً: تعزيز الوحدة الوطنية:-
ليس أهم من الوحدة الوطنية موضوعاُ يستحق التركيز عليه والاهتمام به وحشد الطاقات والموارد من اجل تحقيقه ، لأن بقاء الدولة نفسها مرهون بتحقيق الوحدة الوطنية وتعزيز التكامل والتلاحم القومي ، لذا يولي الاستراتيجيون أهمية كبيرة لموضوع الوحدة الوطنية لكونه يتعلق ب ” بقاء” الدولة ، والبقاء يمثل الغريزة الأم لدى الانسان حسب علماء النفس .
لذلك يتوجب على الحكومة في المرحلة القادمة ان تولي هذا الموضوع الاهتمام الكافي، وان تحله المكان اللائق به ، وقد أوضح الدكتور عبد الله حمدوك رئيس الوزراء في المؤتمر الصحفي الذي عقده فور وصوله الى السودان أن السلام يمثل الأولوية لحكومته .
لقد بذلت الحكومات الوطنية منذ الاستقلال جهوداً متباينة في هذا الملف الخطير ، فحققت بعض الحكومات الوطنية نجاحات لا يستهان بها ، وارتكبت حكومات أخرى أخطاء فادحة ضربت الوحدة الوطنية في الصميم .لقد انفصل جزء عزيز من السودان ، وتحاول أجزاء أخرى من الوطن تكرار سيناريو الجنوب الذي انفصل ، رغم أن الجنوب نفسه لم يستطع ان يستقر بعد أن انفصل عن الشمال الذي طالما اعتبره العدو اللدود ، ولا استقر الشمال الذي اعتبر بعض قادته ان فصل الجنوب يعني نهاية الصراعات الدموية في البلاد.
لكن تحقيق الوحدة الوطنية ليس مجرد أمنية ، والذين يكتفون بالتمني في أمر الوحدة الوطنية لا يمكنهم تحقيق هذا الهدف النبيل . لان الوحدة الوطنية المطلوبة ينبغي ان تقوم على أسس راسخة ومتينة ، ويقتضي تحقيقها : الاعتراف الصريح بالتباين التنموي بين اجزاء الوطن المختلفة ، والسعي الجاد لردم الفجوة التنموية في اطراف البلاد ،والتخطيط لذلك في صميم الخطط القومية . تتحقق الوحدة الوطنية بالمساواة التامة بين المواطنين بغض النظر عن أعراقهم أو الوانهم أو لغاتهم أو اديانهم أو جهاتهم ، مساواة يشعر معها كل فرد أنه ينتمي وجدانياً وشعورياً الى هذا الوطن ، وأن تتاح لكل الجماعات السودانية فرص التعبير الحر عن خصوصياتها الثقافية والدينية الى أقصى مدى دون تدخل من أية جهة ما دام ذلك لا يخالف القانون ، ولا يقود الى التعدي على حقوق الآخرين .
تتحقق الوحدة الوطنية الحقة ببسط الحريات العامة ، وفتح قنوات التواصل الفعال بين السلطة والجماهير المحكومة ، وبابتعاد السلطة عن أسلوب المحاصصات على أسس قبلية أو جهوية ، فالمحاصصة بحد ذاتها تمييز ، ولا ينبغي للدولة أن تتعامل مع مواطنيها على هذه الأسس الجوفاء فارغة المحتوى. تتحقق الوحدة الوطنية المنشودة بمعالجة أوجه القصور الواضحة في النظام الفيدرالي السوداني، وبجعل المركز جاذباً غير طارد بما يمتلكه من موارد ، وبما يقدمه من مساعدات للأقاليم الضعيفة وذات الموارد الشحيحة ، وبما يفرضه على الولايات من التزامات تجاه قضايا الوحدة الوطنية التي يجب أن تكون خطاً احمراً لا ينبغي تجاوزه .
ثانياً: التصدي للمشكلة الاقتصادية :-
إن توفير احتياجات الناس الاساسية ودعم الطبقات الفقيرة هي أكثر ما يستهلك جهد الحكومات الغربية اليوم ، وأول ما يتصدر برامج الاحزاب السياسية في البلدان الغربية في مواسم الانتخابات .
ولئن كان ذلك كذلك في الدول المتقدمة حيث الدخل المرتفع وامكانية استقلال الافراد عن الدولة واعتمادهم على انفسهم ممكن وقائم ، فان الدول النامية وعلى رأسها السودان بحاجة ماسة الى خدمات الدولة في مجال الغذاء والعلاج والتعليم وغيرها من أوجه الحياة .
لكن السودان ، ومنذ انفصال الجنوب ظل يعيش ازمة اقتصادية طاحنة عجز اثناءها النظام السابق عن توفير الخدمات الضرورية للمواطن ، وعجز المواطن عن تدبير أموره الحياتية بمعزل عن الدولة وكان هذا أحد أهم أسباب الثورة في السودان.
إن على الحكومة أن تتصدى بعزم وهمة للمشكلات الاقتصادية التي تواجه المواطن ، لأن هذه المشكلات كانت هي السبب الجوهري لقيام الثورة ، كما أن شرعية الحكومات في نظر الشعوب ، بشكل عام، ترتبط بقدرتها على التصدي للمشاكل الاقتصادية التي تواجه المواطن أكثر من أي شئ أخر ،وعجزها عن حل هذه المشاكل والتصدي لهذه الازمات سيكون خصماً من رصيدها الشعبي ، لا تنتطح في ذلك عنزان.
يذخر السودان بموارده الاقتصادية ، فمنذ سبعينيات القرن الماضي تنبأت منظمة الاغذية والزراعة العالمية أن دولاً ثلاث ستكون هي المصدر الرئيسي للغذاء لبقية دول العالم ، وذاك وقت لم تتضح فيه معالم الفجوة الغذائية العالمية كما اليوم . هذه الدول الثلاث كانت بالترتيب : السودان ، وكندا ، واستراليا .
وخلال فترة الصراع العربي- الاسرائيلي ، وعندما عزم العرب على استخدام سلاح النفط في المعركة ، هددت الدول الغربية بقطع الغذاء عن العالم العربي ، أدرك العالم الفذ والاقتصادي الضليع والوطني الغيور البروفيسور محمد هاشم عوض استاذ الاقتصاد الشهير بجامعة الخرطوم عليه رحمة الله ، والذي كان وزيراً للاقتصاد في عهد الرئيس جعفر نميري ، أدرك أن الفرصة باتت مواتية للسودان ليخرج من دائرة الفقر من خلال الاستفادة من موارده الطبيعية خاصة الاراضي الخصبة الواسعة والمياه الوفيرة ، فيعالج أزماته الاقتصادية ويسند ظهر أمته العربية في قضيتها المصيرية ( قضية فلسطين ) .
طاف السيد الوزير بالدول العربية شارحاً هذا الشعار مبشراً بإمكانيات السودان وموارده الضخمة، وقد كان لهذه الجهود مردود طيب حيث أقبل المستثمرون العرب على السودان للاستثمار في قطاع الزراعة وقاد ذلك الى تحسن كبير في الوضع الاقتصادي للسودان، وفي زيادة الناتج القومي الاجمالي ونصيب دخل الفرد السوداني، إلا ان هذه الجهود قد تعرضت للانتكاس لأسباب عديدة ، والآن وبعد مضي ما يقارب الاربعة عقود من الزمان يتجدد الأمل في تحقيق هذا الشعار وجعله واقعاً معاشاً .
ونعتقد ان السودان غدا الآن أكثر تأهيلاً، وأصبحت الظروف الآن أكثر مواتاة مما كان في السابق لبعث هذا الشعار من جديد بسبب النقص في انتاج الحبوب الغذائية في اغلب الدول المنتجة لها والارتفاع الكبير في أسعارها، لكن الامر يحتاج الى ارادة سياسية قوية، تعمل عل تحسين علاقات السودان الخارجية وانفتاحه على العالم.
وفي الواقع فان السودان يزخر بالموارد الطبيعية، فبالإضافة الى الموارد الزراعية والحيوانية، هناك الكثير من المعادن في السودان مثل: الذهب، الكروم، المنغنيز ، اليورانيوم ، الفضة ، النحاس ، الكبريت ، الزنك ، والرصاص ، وغيرها من المعادن ، لكن الاستفادة من كل ذلك يتطلب ارادة سياسية قوية وعلاقات خارجية جيدة، وعلى العموم لا تحتاج حكومة يرأسها الخبير الاقتصادي الدكتور / عبد الله حمدوك ووزير ماليتها الدكتور / إبراهيم البدوي الى نصائح في هذا الجانب حتى لا نكون ” كناقل التمر إلى هجر” .
ثالثاً: محاربة الفساد :-
لقد ولغ رجالات العهد البائد في الفساد حتى أزكمت رائحة الفساد انوف أهل السودان، وها نحن نسمع منذ سقوط نظام الانقاذ البائد وفي كل يوم عن الأموال التي نهبت ، والأراضي التي بيعت ، والدولارات التي خزنت ، والأموال التي هربت للخارج . لقد ظلت جماعة عديمة الضمير والاخلاق تنهب ، طوال السنوات الثلاثين الماضية ، أموال السودان دون خوف ولا وجل ولا حياء من الناس ولا من رب الناس ،أغواهم الشيطان فسرقوا أموال الشعب ، وهذا ما يوجب على السلطة التعامل بقوة وحزم مع هذه الظواهر المفجعة ، لأنه إذا شعر المواطن أن السلطة لا تحرك ساكناً ولا تردع مجرماً ولا تحاسب سارقاً ولا توقف مجرماً فحق له حينئذ ان يتهم الحكومة بالتواطؤ مع المجرمين .إن حكومة تتهاون في قضايا المال العام ستفقد ثقة الجمهور فيها ، وإن نظاماً قضائياً يفشل في تتبع مصادر الفساد وقطع دابره لهو بحاجة الى مراجعات هيكلية وعاجلة .إن على الحكومة الجديدة أن تسن القوانين الرادعة وتتخذ الاجراءات الصارمة لمحاسبة كل المفسدين من العهد السابق ، وأن تأخذ الحيطة اللازمة بما يحول ، في المستقبل، دون التعدي على أي جزءٍ من المال العام مهما صغر .
ثالثاً: التصدي للمشاكل الاجتماعية :
قادت الاوضاع الاقتصادية المتدهورة في عهد (الإنقاذ) ، وغياب الرقيب ، والتسامح في الاخطاء الجوهرية الى انتشار الكثير من الأمراض والآفات الاجتماعية في المجتمع وعلى رأسها القضايا الاخلاقية كالزنا والاغتصاب وما تبع ذلك من ازدياد معدلات الاطفال مجهولي الأبوين ، فضلاً عن الأوبئة المرتبطة بالممارسات الجنسية الخاطئة ، وانتشار المخدرات ، وانتشار معدلات الجريمة بكل أنواعها من سرقة ونهب ورشاوى.
ولا بد للحكومة أن تتصدى لهذه المشاكل بشكل عاجل ، وأن تتخذ من الاجراءات ما يعالج أوجه الخلل في هذه الجوانب الحساسة ، وما يقتضيه ذلك من جوانب تربوية ونفسية تضطلع بها مؤسسات الدولة ، وما يجب ان تقوم به الدولة من اجراءات صارمة ضد مرتكبي هذه الجرائم ، وما يستوجب ذلك من رسائل اعلامية تسلط الضوء على هذه الجرائم ومرتكبيها والعقوبات المتخذة بشأنهم.
على الدولة اصدار وتفعيل القوانين الرادعة لهذه الظواهر الاجتماعية الخطيرة ، وتطبيق القانون على المجرمين ومحاسبة المتقاعسين عن ردعهم مهما كانت وظائفهم ومكانتهم. إن على الدولة أن تسهر على راحة المواطن ، فلم يعد المواطن السوداني يأمن على أبنائه في المدارس ، ولا على زوجته وهي تخرج لزيارة أهلها، ولعل ذلك بالإضافة الى سوء الاوضاع الاقتصادية هو الذي دفع الكثيرين من ابناء الوطن للهجرة الى خارج البلاد حتى يعيش ابناؤهم في بيئة نظيفة لا يخشى فيها الفرد الا الله ، ولئن فشلت الحكومة في معالجة هذه المشكلات الاجتماعية الخطيرة واجتثاثها من جذورها فعليها وعلى السودان السلام ، لانه لا يرجى ان تتحقق تنمية سياسية أو نهضة علمية أو طفرة اقتصادية مع انتشار هذه الجرائم البشعة المناقضة لقيم الدين والمنافية للانسانية والاخلاق والمروءة .
رابعاً: إصلاح النظام التعليمي :-
يحتاج النظام التعليمي في السودان الى معالجات جوهرية تخرجه من حالته التي هو فيها بما يجعله مواكباً للعصر وبما يجعله قادرا على المنافسة إقليمياً ودولياً ،فقد تراجعت جامعاتنا في التصنيف العالمي والاقليمي حتى لم يظهر منها في هذه التصنيفات الا القليل .
ولكي نعرف ما الذي نريده من التعليم ، وما نوعية التعليم المطلوب، على الحكومة أن تعقد مؤتمراً حول النظام التعليمي بالبلاد تناقش فيه قضايا التعليم وتجارب الدول الاخرى ، وان تلتزم بالمعايير العالمية لجودة التعليم ، وأن تدرب الدولة المعلمين وأساتذة الجامعات على نظم الجودة ، وأن تلزم المدارس والجامعات بإنشاء وحدات للجودة في كل مدرسة وجامعة ، وان تجري الدولة المراجعات الدورية للمدارس ومؤسسات التعليم العالي والبرامج الاكاديمية فضلا عن المراجعات المؤسسية والتأكد من البيئة التعليمية، الى غير ذلك من الامور المهمة والعاجلة والتي لا ينصلح حال التعليم ولا يمكنه المنافسة إلا بها .
خامساً: إعمار العلاقات الخارجية :
لعلنا لا نبالغ او نجانب الصواب اذا قلنا إن أغلب المشاكل التي كان يعاني منها السودان في عهد الإنقاذ سواء كان ما يتعلق منها بالأوضاع الاقتصادية المتدهورة أو الازمات السياسية او الامنية او الاجتماعية قد نجمت عن الخلل البيّن في العلاقات السودانية الخارجية. ومن هنا يبدأ الاصلاح، ويقع على عاتق وزارة الخارجية أمر ترميم الشروخ التي أصابت جدار العلاقات الخارجية للسودان، وتحتاج وزارة الخارجية الى مساندة حقيقية من كل اجهزة الدولة للقيام بنفرة غير مسبوقة تهدف من خلالها الى تجاوز كل السلبيات السابقة، وفتح صفحة جديدة في علاقات السودان الخارجية تتجاوز بها – إلى غير رجعة – مرحلة الانكفاء التي ميزت المرحلة السابقة.
وحتى لا تكون النفرة التي نبتغيها قفزة في الظلام لا يدري أحد نتائجها ، أقترح ان توضع خطة إسعافيه يشارك فيها الخبراء والعلماء وذوي الخبرة من السياسيين السودانيين المخضرمين ، وقادة الاجهزة الاعلامية ، وقادة الجيش والاستخبارات العسكرية ، وقيادة الشرطة ، وجهاز المخابرات السوداني ، واساتذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالجامعات السودانية ، وكل قادة الفكر والعمل السياسي بالسودان ، وذلك للتفاكر حول الفرص المتاحة أمام السودان في المجال الخارجي ومردودها ، والتحديات التي تواجهها إلى غير ذلك من الامور التي تحدد في حينها كأجندة للحوار .
أما بعد …. فهذه مجرد خواطر حول ما اعتقد انه يتوجب على الحكومة الانتقالية القيام به، لكن الامر يحتاج الى ” تفصيلات ” و” تفريعات ” و” توضيحات “، ونأمل أن نجد الوقت الكافي لتفصيلها وتوضيحها مستقبلاً…وفق الله قادة السودان الجدد وهداهم لما فيه خير السودان وشعبه العظيم. ‘
0 Comments