تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Dr.Baha'a Makkawi

لا يختلف اليوم اثنان حول الصلة الوطيدة والرابطة العميقة والعلاقة الجدلية بين التعليم والتنمية، لان العالم قد توصل الى حقيقة أصبحت من المسلمات وهي انه “لا تنمية بدون تربية وتعليم وتعلم…. فأول شروط التنمية هو بناء إنسان التنمية” ويشير العلماء الى أن العقبة التي تعوق التنمية في العالم العربي عامة لا تكمن في قلة الموارد أو نقص التمويل وإنما في “غياب إنسان التنمية” ويستشهدون بتجربة اليابان التي” لا تملك الكثير من الموارد الطبيعية ولكنها … تملك إنسان التنمية”. في ذات الوقت تواجه العالم تحديات جسيمة في هذا الجانب. لقد قال السيد مارسيو باربوسا، الرئيس التنفيذي لمؤسسة التعليم فوق الجميع: “إن واحدا من بين كل 11 طفلاً حول العالم غير ملتحق بالمدرسة. ورغم جهود المجتمع الدولي، فإن النزاعات والكوارث تضع ضغوطاً على عملية توفير التعليم. ولا يبدو أن هناك أية مؤشرات على انخفاض هذه الظاهرة المتزايدة التي تحتاج من جميع القطاعات بذل جهود مشتركة” تقول تقارير حديثة صادرة عن اليونسكو إن عدد الذين يعانون من الأمية يبلغ 757 مليون شخص حول العالم (فوق 15 عاما)، بينهم 115 مليونا في مرحلة الشباب، و59 في المئة من هؤلاء إناث، وأن الأمية تكلف الاقتصاد العالمي 1.19 تريليون دولار. وفي العالم العربي، واحد من كل خمسة بالغين يعاني من الأمية (19 في المئة)، وتبلغ نسبة الامية في السودان طبقاً لليونسكو 24%. وقد أورد (التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع) والصادر عن اليونسكو أواخر العام 2015م الحقائق التالية عن السودان: 1-ان السودان هو الدولة العربية الوحيدة التي لديها قوانين حول الزامية التعليم ما قبل الابتدائي وذلك منذ العام 1992م وقد وضعها ذلك الى جانب دول متقدمة مثل سويسرا والدنمارك، ولكن وعلى الرغم من ذلك فان السودان لم يرد – في التقرير-ضمن الدول التي أحرزت تقدماً ملحوظاً باتجاه تعميم التعليم الابتدائي خلال الفترة الممتدة من 1999م الى 2012م. 2-ان السودان وضع خطة تعليمية خاصة بالمجتمعات الرعوية، لكن التدابير ذات الصلة بالسياسات لم تؤد -بالضرورة-إلى الى زيادة الالتحاق بالتعليم في أوساط البدو. 3-جاء السودان في اخر قائمة الدول التي رفعت من الانفاق على التعليم كجزء من الدخل القومي (وقد أظهرت دراسة حديثة عن الإنفاق الحكومي على التعليم في السودان-أن مستوى الإنفاق العام على التعليم لم يزد في المتوسط عن3% من إجمالي الإنفاق العام، أي بمعدل 1% من الناتج القومي الإجمالي. 4-جاء السودان ضمن (الفئة الدنيا في مؤشر تنمية التعليم للجميع) الى جانب ارتيريا وتشاد ورواندا، وكان السودان هو الدولة العربية الوحيدة في هذه القائمة. لقد انعكس ذلك على التعليم العالي في السودان ففي مؤشر جودة التعليم العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي بدافوس والذي شمل مائة واربعين دولة خرج السودان من المنافسة تماماً. كما جاء ترتيب الجامعات السودانية على مؤشرWorld Universities’ Ranking)) مخجلاً فقد جاء ترتيب جامعة الخرطوم 1689، تلتها جامعة السودان للعلوم التكنولوجيا بترتيب 3266 ،ثم جامعة شندي بترتيب 6006 ، ويرجع ذلك بالطبع الى ضعف ميزانية التعليم ، وهجرة الأساتذة الأكفاء ، فضلاً عن ضعف المناهج الدراسية ، وانعدام التدريب للأساتذة، وعدم إعطاء الاهتمام الكافي لجودة التعليم ، وقلة البحوث المنشورة للأساتذة ، وضعف المواقع الالكترونية للجامعات ، وهي مشاكل تعود بكاملها لضعف التمويل وعدم إعطاء التعليم الأولوية عند رصد الميزانيات السنوية . ان معالجة أوجه الخلل البينة التي أصابت التعليم في السودان تحتاج الى وقفة صادقة مع النفس فلا بد للمؤسسات التعليمية ان تراعي احتياجات سوق العمل وتزود خريجيها بالمهارات اللازمة والمطلوبة في سوق العمل. وبالتالي لا بد من التخطيط للتعليم بالشراكة مع المجتمع المدني وسوق العمل، لان عدم التنسيق بين المؤسسات التعليمية وسوق العمل قد أدى في عديد من الدول الى مفارقة تتمثل في بطالة خريجي الدولة من ناحية، والى الحاجة الى استقدام العمالة الخارجية من ناحية أخرى. وهو ما يقتضي التنسيق بين المؤسسات التعليمية وسوق العمل وكما توجد فجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات التنمية من ناحية، توجد فجوة مقابلة بين التعليم العام والتعليم العالي من ناحية أخرى وما ذلك الا بسبب غياب مفهوم الجودة في مجال التعليم ، واذا اردنا لأنفسنا التطور فعلا فلا بد من الالتزام بالمعايير العالمية لجودة التعليم ، وتدريب المعلمين وأساتذة الجامعات على نظم الجودة  ، أن تلزم المدارس والجامعات بإنشاء وحدات للجودة في كل مدرسة وجامعة ، وان تجري الدولة المراجعات الدورية للمدارس ومؤسسات التعليم العالي والبرامج الاكاديمية فضلا عن المراجعات المؤسسية والتأكد من البيئة التعليمية الى غير ذلك من الامور المهمة والعاجلة والتي لا ينصلح حال التعليم ولا يمكنه المنافسة إلا بها . لقد لخص أحد الخبراء العرب (الأستاذ الدكتور علي حبيش) تصوره للتعليم وما ينبغي أن يكون عليه في كلمات بديعة بقوله “نحتاج تعليماً يحفظ للأمة هويتها وتميزها وخبرتها. تعليماً يعتمد على التكنولوجيا… تعليما ينتقل بالأمة من العمالة العضلية الى العمالة العقلية، ومن التخصص الضعيف الى المرونة والمعرفة الشاملة، ومن المركزية الى اللامركزية، ومن التنظيم الهرمي الى التنظيم الشبكي… ومن النمطية الى التميز، ومن الخيار الواحد الى الخيارات المتعددة”. ولكي تتم الاستجابة للتحولات الراهنة لابد من إحداث ابتكارات وإبداعات في العملية التعليمية تتضمن هيكلة جديدة “تخلع الأمة من سيناريو التدهور، وتدفع بها إلى سيناريو الانطلاق والتقدم”. وفي هذا الصدد، يقترح خبراء التربية اسلوب “الشجرة التعليمية ” بدلاً عن ” السلم التعليمي ” وهناك فرق بين المفهومين، فالسلم التعليمي يشير الى بداية محددة وتسلسل محدد ونهاية محددة، أما مفهوم الشجرة التعليمية فإنه يتضمن معنى البناء المستمر، وينطوي على جذع أساس، هو التعليم الأساسي، وعلى فروع وأغصان متعددة تمكن ابناء الوطن من التسلق الى أعلى فروع الشجرة، والانتقال الأفقي من فرع الى فرع، كما إنه يتيح فرصة دائمة للمواطن لدخول النظام التعليمي مهما كان عمره ومستوى تعليمه السابق وتخصصه. و الشجرة التعليمية – بالتالي- تنطوي على مجاز لغوي يتمثل في وجود جذع أساسي واحد للتعليم يمر به كل الطلبة في مرحلة التعليم الأساسي التي أقرها المؤتمر العالمي حول التربية للجميع جومتين (تايلاند) عام 1990م، وحاجات هذه المرحلة الأساسية تشمل كل من وسائل التعلم الأساسية، كالقراءة والكتابة ، والتعبير الشفهي ، وحل المشكلات ، والحساب ، والمضامين الأساسية للتعلم، كالمعرفة والمهارات والقيم والمواقف التي يحتاجها البشر من أجل البقاء ثم تأتي بعد ذلك الفروع والأغصان، وهي ايضاً تعبير مجازي يشير الى المعارف المتنوعة الاخرى وكل وفق مفهوم الشجرة التعليمية تكون لديه الحرية في اختيار المعرفة التي تتوافق مع ميوله واهتماماته . إن تطوير التعليم يحتاج الى (المعلم القدوة) وهو المعلم الذي يتميز بـ (علو الكفاءة ورفعة المستوى الأكاديمي والمهني والأخلاقي، والقدرة على الإسهام الفعال في التعلم الذي هو علم صناعة الإنسانية). كذلك لابد من ربط التعليم بالتدريب والممارسة والإنماء المعرفي القادر على صنع التقدم وتوكيد التنافسية وبناء حضارة التكنولوجيا، وهذا يتطلب نظام تعليمي وتربوي وثقافي يزرع قيمة الوقت وقيمة الجودة وقيمة الإتقان. ان التعليم العالي هو الرصيد الاستراتيجي للدولة، لذلك لا بد ان توليه الاهتمام الاكبر بتجويده وتحسين نوعيته وتطوير المقررات الدراسية وفقاً للاتجاهات الحديثة ، و إدخال اللغة الأجنبية كمادة إجبارية في كل كليات الجامعة ،و تشجيع الأساتذة على التفرغ للبحوث العلمية وتوفير التمويل اللازم للبحث العلمي، كما لا بد من  انفتاح الجامعة على المجتمع، ودعم الأنشطة الطلابية، وتقييم الأداء ، والاهتمام بنظام الجودة الشاملة ، وإنشاء مؤسسة قومية مستقلة غير حكومية تتولي مسؤولية التقويم الخارجي للجودة في مؤسسات التعليم العالي، ويكون لها اتصال بالمؤسسات المماثلة في دول العالم المتقدم. وبالجملة ينبغي أن نعرف ما الذي نريده من التعليم، وما نوعية التعليم المطلوب.

0 Comments

Leave a Comment