تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Dr.Baha'a Makkawi

تناول الباحث التركي محمد زاهد جول في كتابه( التجرية النهضوية في تركيا : كيف قاد حزب العدالة والتنمية تركيا الى التقدم ) ،والذي صدر عن مركز نماء للبحوث والدراسات ،اربعة جوانب مهمة في التجربة التركية في ظل حكم حزب العدالة والتنمية التركي وهي :  الأسس الفكرية للنهضة التركية ، الرؤية التربوية والتعليمية للنهضة التركية ، النهضة الاقتصادية التركية ، و العلاقات الدبلوماسية والسياسة الخارجية التركية ، ثم خلص جول في نهاية كتابه الى خمس نقاط تمثل من وجهة نظره الدروس الاهم في التجربة التركية ، واعتبر جول أن هذه النقاط الخمس تمثل الشروط  الاساسية للاستفادة من التجربة التركية. هذه النقاط يمكن تلخيصها في الاتي : 1- تجديد الدماء السياسية وإشراك الشباب، والثقة بالمجتمع وأفراده خاصة المتعلمين . 2- ترسيخ مفهوم أن السلطة هي خدمة للشعب وليست مغنما ، في سلوك الدولة والمعارضة. 3- جعل الإنجاز هو الفيصل في تقييم المسؤولين. 4- العمل المؤسسي وفق خطط مدروسة وواضحة. 5- وصول نتائج النهضة لكل مواطن ولكل بيت. فالى أي مدى يمكن الاستفادة من التجربة التركية  في الواقع السوداني ؟ وما مدى  تحقق هذه الشروط في واقعنا ؟ واذا لم تكن متحققة كيف يمكن تحقيقها ؟ أولا: تجديد الدماء السياسية وإشراك الشباب، والثقة بالمجتمع وأفراده خاصة المتعلمين : تشير الاحصاءات الى ان نسبة الشباب في السودان تصل الى 55.8% من مجموع السكان ، وفي تقرير التنمية الانسانية العربية للعام 2016م والذي جاء بعنوان ” الشباب العربي  وآفاق التنمية ” دعا تقرير التنمية الانسانية الدول العربية عامة “الى الاستثمار في شبابها، وتمكينهم من الانخراط في عمليات التنمية ” ، من خلال ” اقتصادات تشجع ريادة الأعمال ، وبيئات سياسية تشجع المشاركة الفاعلة، ونظم اجتماعية تعزز المساواة وتكافح التمييز”. فهل يوجد ذلك في واقعنا السوداني؟ ان الجزئية الاولى والمهمة في هذا الصدد هي مسألة الانخراط في عمليات التنمية ، فالى اي مدى ينخرط الشباب السوداني في التنمية؟ ان الاجابة على هذا السؤال تستدعي معرفة حجم القوى العاملة ونسبة الشباب فيها ، ومدى توفر فرص العمل ، ونسبة البطالة في اوساط الشباب … الى غير ذلك من المعلومات المهمة . وفي الواقع ، تختلف التقديرات حول البطالة في السودان اختلافا كبيرا ، فبينما تقدرها بعض الجهات بحوالي 19% ، تقول جهات اخرى بانها لا تقل عن 70% ،وانتتشار البطالة سمة تميز كل المنطقة العربية تقريبا ، ففي تقرير التنمية الانسانية العربية للعام 2016م المشار اليه انفاً، جاء أن شريحة الشباب تساوي ثلث سكان الوطن العربي ، ومع ذلك فان نسبة مشاركتهم في القوى العاملة هي24% وسط الشباب و18% وسط الشابات وهو ادنى معدل في العالم، وينتظر الشباب المؤهلون لفترة طويلة أملاً في وجود وظيفة ، مما يضطرهم إلى العمل في قطاع غير رسمي وبأجور منخفضة وشروط عمل سيئة ، كما تلعب “الواسطة” الدور الأكبر في توزيع الوظائف المحدودة المتاحة ، مما يدفع الشباب للاعتماد على العلاقات الاجتماعية والروابط الأسرية، وهو ما يعطى أبناء العائلات المتنفذة أفضلية على أقرانهم بما يعنيه ذلك من انتهاك لمبادئ العدالة الاجتماعية والجدارة. الا أن الامر في السودان أكثر تعقيدا وخطورة ،اذ ترتبط البطالة وسط الشباب بظواهر اجتماعية خطيرة للغاية ، ففي ندوة عقدت على هامش المؤتمر الثاني لمكافحة المخدرات في السودان في العام 2016 كشف متحدثون إن الأعوام الأربعة الماضية شهدت تزايدا ملحوظا في أعداد المتعاطين، ولا سيما بين طلاب المدارس والجامعات، أوقف خلالها 41 ألفا منهم، بينما ضبطت الجهات المختصة ملايين الحبوب المخدرة، وأطنانا من مادة الهيرويين والحشيش. وقال خبراء ومختصون ان  تزايد الظاهرة  تعود إلى النزاع المسلح و ( ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب ) ، وخلصت دراسة أجرتها مديرة مستشفى التجاني الماحي للأمراض النفسية والعصبية  الدكتورة نور الهدى محمد، إلى أن 57 في المائة من تجار المخدرات في السودان من الشباب، وأكثر من ثلثي هذه النسبة بين 18 – 44 عاماً. وقالت  الدكتورة نور الهدى إن الدراسة التي أجرتها على نزلاء في سجن الهدى العام 2014، أظهرت أن 28.9 في المائة يتعاطون المخدرات “لملء فراغهم” . ولا شك أن هذه مأساة بكل معاني الكلمة ، و على الحكومة أن تتحرك بسرعة من خلال الاتي :
  • العمل على تعزيز قدرات الشباب الأساسية والعمل على تحسين جودة التعليم القائم على دراسة احتياجات سوق العمل وتحديد التخصصات والمهارات المطلوبة بدقة .
  • السعي لتوسيع نطاق فرص عمل لائقة للشباب ، و احترام حقوقهم وحرّياتهم وتمكينهم من المشاركة الفاعلة في المؤسسات الرسمية ومساءلتها .
  • العمل على تحقيق السلام والأمن وتعزيزِ دور الشباب في هذا الإطار من اجل تعزيز قدراتهم وتوسيع  نطاق الفرص المتاحة أمامهم.
قد يبدو هذا الامر صعبا وهو كذلك ، لكن الاصعب منه والاخطر هو الاستمرار في هذا الوضع المقلق الذي ينذر بمخاطر عظيمة وعواقب وخيمة . وبالطبع فان تركيا لم تبدأ من مثل هذه المرحلة ، ولكن هذا لا يعني عدم امكانية التصدي لمثل هذه الظواهر ، الا ان الامر يحتاج الى تضافر الجهود الرسمية والشعبية ، وتعدد وتكامل الطرق والوسائل : الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتعليمية والثقافية من اجل التصدي لهذا التحدي الكبير . ثانيا : ترسيخ مفهوم ان السلطة ليست مغنم بل واجب يقع على عاتق المسؤولين الحكوميين :- كثيرا ما يردد السياسيون ان السلطه مغرم وليست مغنم ، لكن سلوكهم لا يتطابق مع هذا البتة،وفي امثالنا الشعبية “سلطة للساق ولا مال للخناق” ، حيث يفضل البعض السلطة حتى على المال ، وقال لي أحد السياسيين السودانيين مازحا ” أنا ما بحب السلطة ، أنا بموت فيها” ، وعلى الرغم مما انتشار الطرق الصوفية في السودان ، وما عرف عن التصوف من دعوته لصرف الناس عن متاع الحياة الدنيا وملازمة الزهد في حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، الا ان ذلك لم يطال الجانبين السياسي والاقتصادي في السودان ، فمشايخ اكبر الطرق الصوفية في السودان هم رؤساء لاكبر الاحزاب السياسية فيه ، والذين رفعوا شعار لا لدنيا قد عملنا اتضح انهم لا يعملون الا للدنيا . ان ترسيخ مفهوم ان السلطة ليست مغنم بل واجب يحتاج الى تنشئة سياسية عميقة وغائية ومدروسة .لكن هذه التنشئة تحتاج الى وقت طويل ، وربما تظهر اثارها في اجيال قادمة ، ومع ذلك فلا مناص من التخطيط لها والشروع فيها ، وتبني ثقافة سياسية واجتماعية جديدة تحوي مثل هذه المضامين ،وبث هذه الثقافة من خلال مؤسسات التعليم ووسائل الاعلام المختلفة . ان ما نقصده هنا هو ما يطلق عليه اسم التنشئة السياسية  ، وقد برزت ـ في هذا السياق ـ آراء تقول بان النظام الاجتماعي والسياسي يعتمد على قبول الناس العاديين بنفس درجة اعتماده على القوانين المكتوبة ، فهو كما وصفه جان جاك روسو ” ليس منحوتاً على رخام أو نحاس ، ولكنه منحوت في قلوب المواطنين”، فكيف يتم نحت النظام السياسي والاجتماعي في قلوب المواطنين بما يجعل السلطة عندهم مغرما وليست مغنما . لا يختلف اثنان على ولاء السوداني لوطنه ، لكن الولاء الذي يشعر المواطن بأهمية المشاركة كواجب لا يزال حلما بعيد المنال ، ويحتاج الى تخطيط ومجهود للوصول اليه . ثالثا: أن يكون الإنجاز هو الفيصل في تقييم المسؤولين : قبل ان نصل الى مرحلة تقييم المسؤولين الحكوميين نحن بحاجة الى تحديد معايير دقيقة لاختيار هؤلاء المسؤولين ، لانه لا يستقيم ان يحقق المسؤول انجازات ملموسة اذا كان اختياره من البداية خاطئا او مخالفا للمعايير القائمة على التعليم والخبرة والكفاءة ، فلا بد من اختيار الاشخاص الذين يمتلكون القدرة الكافية للقيام بواجبهم على أكمل وجه ، حتى لا يترك مصير البلاد في أيدي أشخاص لا حظ لهم من التعليم والكفاءة أي نصيب ، ويستندون فقط على قبائلهم التي ينتمون اليها أو الجهات التي يدعون تمثيلها. فاذا تأكد اختيارهم على اسس صحيحة ، ينظر بعد ذلك في ادائهم من خلال مؤشرات دقيقة لقياس الاداء . ان الملاحظ هو ان بعض المؤسسات تضع خططا لا تراعي فيها اتساقها مع الخطط القومية او الولائية والمحددة وفق جداول زمنية محددة ، فاذا افترضنا ان هناك خطة خمسية تتبناها الدولة ، وان توجه الدولة هو انجاز الخطة بنسب ثابته ، فهذا يعني ان ينجز 20% من الخطة في كل عام وان تتولى كل وزارة ومؤسسة تنفيذ 20% مما يليها من هذه الخطة في كل عام ، لكن بعض الجهات تضع خططها دون ادنى اعتبار للخطة العامة او الاستراتيجية للدولة وربما لا تراعي هذه النسب ، وحينما تعد تقاريرها السنوية فانها تقيس اداءها ، لا على اساس ما ينبغي ان تنجزه من الخطة العامة، وانما الى ما وضعته من خطط ، فتذكر انها انجزت 100% من خطتها فان ذهبت تقيسها على ما ينبغي ان تحقق من الخطة القومية ربما كانت نسبة انجازها صفراً. ثم تأتي بناء على ذلك مسألة تقييم المسؤولين على اساس الانجاز الحقيقي ومساهمتهم في انجاز خطة الدولة ، فيتم تحفيز وترقية وتكريم الذين اسهموا اسهاما حقيقيا ، وحققوا انجازات ملموسة وواضحة تصب في مصلحة تنفيذ الخطة المرسومة ، وفي المقابل يحاسب المقصرون ويتعرضوا للمساءلة وتتخذ بحقهم الاجراءات اللازمة بطريقة عادلة وحاسمة ، حينئذ يشعر الجميع بوجود عدالة ومعايير محددة لقياس الاداء وحوافز وجزاءات مترتبة على  هذا التقييم . رابعا: العمل المؤسسي وفق خطط مدروسة وواضحة : يقصد بالمؤسسية فى أدبيات التنمية السياسية إضفاء الطابع المؤسسي  (Institutionalization)  على عمليات صنع القرار ، بمعنى الاعتماد على الأبنية والأطر الرسمية والنظامية مثل البرلمان والأحزاب وجماعات المصالح في صنع القرار السياسي، وذلك بهدف التخلص من عملية شخصنة السلطة . والمؤسسية السياسية ، بالتالي ، تشير إلى الدور الكبير الذى تضطلع به المؤسسات السياسية المختلفة فى صنع القرار ،حيث تقوم الأبنية الرسمية – وفقاً لصلاحياتها المنصوص عليها مسبقاً – باتخاذ القرارات اللازمة لتسيير شؤون الحكم والسياسة ،على أسس موضوعية بعيداً عن الرغبات الذاتية والمصالح الشخصية لصناع القرار ، وذلك خلافاً للأنظمة التي تفتقر الى المؤسسية و التي تعانى من شخصنة السلطة وتمحورها حول الأشخاص ،وتتضاءل  فيها دور المؤسسات التى تصبح – إن وجدت- مجرد لافتات وأدوات لتبرير ممارسات السلطة القائمة ، وهو ما يشير الى ضعف أو غياب الفاعلية المؤسسية. وتلعب المؤسسات، حيثما وجدت، دوراً أساسياً وحيوياً في الواقع السياسي فهي ضرورية ومهمة لحماية المجتمع لأنها تجنب المجتمع العودة الى حالة التجزئة والانقسام، كما أنها تضمن تنمية سياسية مترابطة تتعلق بالمصلحة العامة، كذلك فان دعم المؤسسات القوية والمعقدة والفاعلة من شأنه ان ينضج القرارات الحكومية ويعمل على انفاذها، وتوصف الدول التي تفتقر الى المؤسسات بأنها ” ضعيفة وسيئة” لأنها عاجزة عن تحقيق المصالح سواء كانت مصالح خاصة او عامة . ان إقامة نظام سياسي فاعل وصالح يقتضي إعمال المؤسسية فى الجهاز السياسى (مؤسسة الحكم) والتى تتمثل فى إيجاد المؤسسات السياسية الضرورية والفاعلة ، والفصل بين السلطات، والمشاركة الفاعلة للمواطنين فى تصريف أمورهم، وتزام مبادئ االشفافية، والمحاسبية، واحترام حقوق الإنسان، والمساواة أمام القانون، واحترام الدستور، واصلاح الجهاز الإدارى الى غير ذلك من الأمور المهمة ، فضلاً عن السعي الى إعمال قيم المؤسسية في مجالات أخرى فى البيئة السياسية تتكامل مع الدولة من أجل خلق نظام سياسى مؤسسى يقود الى الحكم الصالح أو الراشد ، و من هذه المجالات الأحزاب السياسية، والمجتمع المدنى، ، والقطاع الخاص. خامساً: وصول نتائج النهضة لكل مواطن ولكل بيت: ان تحقيق هذا الشرط يستوجب الاعتراف الصريح بالتباين التنموي بين اجزاء الوطن المختلفة ، والسعي الجاد لردم الفجوة التنموية في اطراف البلاد ،والتخطيط لذلك في صميم الخطط القومية ، والالتزام بتحقيق المساواة التامة بين المواطنين بغض النظر عن أعراقهم أو الوانهم أو لغاتهم أو اديانهم أو جهاتهم ، مساواة يشعر معها كل فرد أنه ينتمي وجدانياً وشعورياً الى هذا الوطن ، وأن تتاح لكل الجماعات السودانية فرص التعبير الحر عن خصوصياتها الثقافية والدينية الى أقصى مدى دون تدخل من أي جهة ما دام ذلك لا يخالف القانون ولا يقود الى التعدي على حقوق الاخرين . وبعد، فهذه هي الشروط الخمسة التي استخلصها صاحب كتاب التجربة النهضوية التركية ، ولئن بدا للقارئ ان البون شاسع والفجوة كبيرة بين الواقع والطموح السوداني ، الا انه من المؤكد ان السودان يمتلك الكثير من شروط ومقومات النهضة ، والتي تتمثل في موقعه الاستراتيجي المهم، وموارده الطبيعية الهائلة ، بالإضافة الى تنوع مناخاته وتوفر العمالة القادرة على الإنتاج، واكثر من ذلك امتلاكه ل ” انسان التنمية” . فالى اي مدى يستطيع السودان ان يرتب اوضاعه ، ويتجاوز صعوباته ليقتدي بهذه التجربة الرائدة في التقدم والنماء؟ ذلك ما سوف تكشف عنه السنوات القادمات .

0 Comments

Leave a Comment