“أعيش محاطًا بكلّ هؤلاء الذين جعلوني وحيدًا”
عباس بيضون (شاعر لبناني)
برز في السنوات الاخيرة الحديث عن عصر انعدام اليقين ، وكتبت عشرات المقالات في الفترة الماضية حول الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية (في عصر انعدام اليقين )، وفي الواقع فان جذور هذا المصطلح ترجع الى كتابات الدكتور زيجمنت باومان .
ولد زيجمونت باومان في بوزنان، بولندا عام 1925 لأبوين بولنديين، يهوديين، واتجهت عائلته إلى الاتحاد السوفييتي بعد الاحتلال النازي لبولندا في عام 1939م،واستقر اخيراً ( في العام 1991) في جامعة ليدز استاذاً لعلم الاجتماع ، وتوفي في مطلع هذا العام (في يناير 2017م ) عن اثنين وتسعين عاماً .
العنوان اعلاه هو اسم كتاب نحاول في هذا المقال استعراضه والتعليق عليه. عنوان الكتاب باللغة الانجليزية هو (Liquid Times: Living in an age of Uncertainty) ، وهو أحد اربعة كتب تتناول موضوعاً واحدا وهي :الحب السائل (Liquid Love) ، والحياة السائلة (Liquid Life) ،والحداثة السائلة ( Liquid Modernity) ، بالإضافة الى الكتاب الحالي (Liquid Times) . صدر هذا الكتاب في نسخته العربية خلال الشهرين الماضيين عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، وقد قام بترجمته الى العربية حجاج ابوجبر، كما قامت الدكتور هبة رؤوف عزت الاستاذة بجامعة القاهرة بكتابة مقدمة ضافية وعميقة له.
يعيش العالم الآن – حسب المؤلف- في حالة من السيولة وانعدام اليقين لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، وهذه الحالة نتجت عن خمسة تحولات عميقة ومتداخلة ، تمثلت في انتقال الحداثة من مرحلة الصلابة الى مرحلة السيولة ، فالتحول الاول هو ان الأبنية التي تحدد الاختيارات الفردية ، والمؤسسات التي تضمن دوام العادات وانماط السلوك لم تعد قادرة على الاحتفاظ بأشكالها القديمة .
التحول الثاني في هذا الصدد هو الانفصال بين السلطة والسياسة حيث انتقل جانب كبير من سلطة الدولة الحديثة إلى الفضاء المعولم ، حيث غدت القوى الجديدة المتحررة مصدراً لحالة اللايقين ، وفشلت الدولة في القيام بمهامها السابقة ، فتناقصت قدرتها على جذب اهتمام المواطنين .
ثالث التحولات التي أفضت إلى السيولة وانعدام اليقين هو التقلص في الأسس الاجتماعية للتضامن، بل بدا المجتمع، بوصفه الرابطة الكلية التي تمارس تحتها (سيادة الدولة)، كلمة جوفاء ليس لها معنى . وأصبح الأفراد يعانون، بسبب ذلك، من تقلبات السوق الذي أصبح مرتعا للقوى الجديدة المنفلتة ، وتحول المجتمع من حالة “البنية ” إلى حالة ” الشبكة”، إذ صار مصفوفة من اتصالات مشتتة وتغيرات لا نهائية .
انهار التفكير والتخطيط والفعل طويل الأجل، وهذا هو التحول الرابع، ودفعت الحياة المفككة إلى مسارات “أفقية” لا مسارات” رأسية” . أما التحول الخامس فيتعلق بمسؤولية حل هذه المشكلات الجديدة المعقدة والغامضة ، والتي تحتاج إلى مهارات خاصة للتصدي لها . لقد انتقلت هذه المسؤوليات الغامضة والمعقدة – للأسف- إلى كاهل الأفراد ، على الرغم من أن هذه المسؤوليات تتجاوز وعي هؤلاء الافراد وقدراتهم . إن هذا بالضبط هو ما قاد إلى حالة عدم اليقين وما يرافقها من الغموض والخوف والشعور بالاتجاه نحو المجهول.
ان ما يعزز حالة اللايقين هو بعض الحقائق المفجعة فيما يتعلق بتوزيع الثروة على المستوى العالمي. لقد أكدت تقارير عالمية موثوقة ان نصف الاستثمار العالمي تفيد منه اثنتان دولة يعيش في كنفها ملا يزيد عن 14% من سكان العالم، وتحصل افقر 49 دولة يسكنها 11% من سكان العالم على ما لا يزيد على نصف بالمئة من الناتج العالمي، وهو ما يساوي الدخل الكلي لأكثر ثلاثة رجال ثراء في العالم، في حين يبقى تسعون بالمئة من الثروة العالمية بيد 1% من سكان هذا الكوكب، وبينما تنعم النخبة التي تعتلي القمم تجربة الانتقال الى “عوالم متخيلة”، يسقط الفقراء في مستنقع الجريمة والفوضى.
تحولت في عصر اللايقين ” فكرة التقدم” الى واقع مرير وجبرية متطرفة، وبعد ما كانت هذه الفكرة هي أبرز تجليات التفاؤل والأمل، اصبحت فكرة التقدم تشير الى تهديد دائم وحتمي ينذر بالشدة والمشقة والارق وكوابيس الخوف.
عجز العالم عن خفض السرعة المذهلة التي يسير بها التغيير، كما عجز عن تحديد مسار هذا التغيير، صرنا نعيش في عصر الخوف وعدم الامان، وتستغل شركات الدعاية والاعلان – عمداً- المخاوف المنتشرة من شبح الارهاب من أجل زيادة مبيعاتها من العربات المصفحة ، حتى صارت السلامة الشخصية منفذ بيع رئيسي ، بل اختزلت وعود الاحزاب والقوى السياسية التي تخوض غمار الانتخابات من السعي الى الارتقاء بأوضاع الجماهير اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا الى الى الوعود بتوفير السلامة الشخصية .
لقد بدأ الحديث بالفعل عن شرعية بديلة وصيغة سياسية مختلفة لفكرة المواطنة. هذه الشرعية الجديدة تدور حول وعد الدولة بحماية المواطنين من الاخطار التي تتهدد سلامتهم الشخصية لتبرز الى الوجود ” دولة السلامة الشخصية ” . ففي عصر فقدت فيه الافكار الكبرى مصداقيتها، يصبح الخوف من شبح العدو هو كل ما تبقى للساسة حتى يحافظوا على سلطتهم .
ان الحداثة السائلة – يقول زيجمونت –وضعت العالم امام ثقب اسود من اهم ملامحه : انهيار التفكير والتخطيط والفعل طويل الاجل، واختفاء الابنية الاجتماعية التي يمكن ان تترسخ فيها عمليات التفكير والتخطيط والفعل . ان الحياة التي بلغت درجة عالية من التفكك والسيولة تدفع باتجاه مسارات مختلفة تتطلب مهارات مختلفة -كما سبقت الاشارة – وتدبيرا مختلفاً لمصادر القوة ، وبالتالي فان نجاح الماضي لا يؤكد نجاح المستقبل ، فالوسائل التي نجحت في الماضي ربما تغدو غير نافعة في المستقبل .
وفي الازمنة السائلة تزيد العزلة والوحدة التي يعيشها الانسان ، فبرغم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ، الا ان العزلة غدت هي الشعور الطاغي لا الانسان حاول ان يستعيض عن العلاقات الاجتماعية المباشرة والالتقاء في عالم الواقع ، باللقاءات في العالم الافتراضي ، ولكن العالم الافتراضي لا يعوض عن عالم الواقع ، ولا يقود الى الشعور بالتضامن الاجتماعي الحقيقي ، وهذه حالة ينطبق عليها قول الشاعر اللبناني عباس بيضون ” أعيش محاطاً بكل هؤلاء الذين جعلوني وحيداً”.
0 Comments