تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Dr.Baha'a Makkawi

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الإخفاق الاستخباراتي في كشق ومنع العمليات الإرهابية التي وقعت مؤخراً في مناطق متفرقة من العالم مثل العمليات الإرهابية التي طالت العاصمة الفرنسية باريس في فبراير ونوفمبر عام 2015م، والتفجيرات الإرهابية في بروكسل في مارس الماضي، واكتسب الحديث أهميته من أن الدول التي طالتها يد الإرهاب هي من الدول المتقدمة التي يظن الناس أنها أقل عرضة لمثل هذه الهجمات، لأن الأجهزة الاستخباراتية فيها أكثر تطوراً وتدريباً، وتمتلك قدرات أكبر من الدول النامية في كشف الهجمات قبل وقوعها. وفي الواقع فان الحديث عن الإخفاق الاستخباراتي ليس جديداً، ففي اربعينيات القرن الماضي أثيرت تساؤلات واسعة حول أسباب فشل الولايات المتحدة الامريكية في منع وقوع الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربر، وتكرر الحديث حول فشل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في التنبؤ بالهجوم المصري السوري على إسرائيل عام 1973م، كما برزت تساؤلات حول أسباب فشل الاستخبارات الامريكية في التنبؤ بوقوع احداث الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001م. لكن المناقشات حول اخفاق الاستخبارات في منع الاحداث الأخيرة في فرنسا وبلجيكا وغيرها، أعاد النقاشات القديمة الى الواجهة مرة أخرى، وهو ما حدا بدورية اتجاهات الأحداث (Trending Events) والتي تصدر عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات بدولة الامارات العربية المتحدة أن تخصص ملحقها الذي يصدر بعنوان مفاهيم المستقبل (Future Concepts)، والذي صدر قبل أيام قلائل لتناول ما سمته المجلة بالإخفاق الاستخباراتي Intelligence Failure) ). سعى التقرير المشار اليه الى الوقوف على الأسباب الرئيسية للفشل الاستخباراتي؟ وهل أجهزة الاستخبارات وحدها هي المسؤولة عن هذا الإخفاق؟ أم أن هناك جهات أخرى داخل الدولة مسؤولة عن هذا الإخفاق والفشل؟ وهل يمكن تفادي حالات الفشل الاستخباراتي ام لا؟ وكيف؟ تناول التقرير سبعة محاور أساسية حيث جاء المحور الأول كاطار مفاهيمي لأجهزة الاستخبارات ، وتناول المحور الثاني ما اطلق عليه التقرير اسم العمى الاستخباراتي( Scotoma) ، وتناول المحور الثالث موضوع الإخفاق المؤسسي ( المشكلات الداخلية التي تحد من فاعلية أجهزة الاستخبارات) ، وتناول المحور الرابع الضغوط السياسية (التفاعلات السلبية بين صانعي القرار ومجتمع الاستخبارات ) ، وتناول المحور الخامس ما اسماه التقرير الانكار والخداع (تأثير الخصوم على مدركات أجهزة الاستخبارات) ، أما المحور السادس فقد جاء بعنوان التهديدات الإرهابية وتناول(تحديات مواجهة التنظيمات المتطرفة )، وأخيراً تناول المحور السابع إمكانية تفادي الفشل الاستخباراتي . أشار التقرير الى الاختلافات الواسعة حول مفهوم الاستخبارات فهناك تعريف ضيق مثل تعريف هارولد ولينسكي ” الاستخبارات هي جمع المعلومات وتحليلها”، وهناك تعريفات تقدم مفهوماً أوسع مثل تعريف روي جاكسون ” المعلومات التي يتم جمعها وتحليلها ورفعها الى صانعي القرار بما يدعم امن الدولة “، ويشير التقرير الى انه ورغم الاختلافات الواسعة حول تعريف الاستخبارات، الا ان هناك عناصر أساسية لاستخبارات تتمثل في: البيئة الأمنية، والسرية، والرقابة. أن السبب الأول للإخفاق الاستخباراتي -حسب التقرير-هو العمى الاستخباراتي، ويعرفه على انه “الحالة التي يعجز فيها المحلل في أجهزة الاستخبارات عن رؤية الحقائق أو إدراك البدائل او الخيارات المتاحة امامه، نظرا لتجاهله المعلومات الواردة اليه من البيئة المحيطة”. ان العمى الاستخباراتي –يقول التقرير-يرجع الى عدة عوامل مثل: اعتماد المحلل على معتقداته المسبقة عن الموضوع بما يقلل من فرص استفادته من المعلومات المتوفرة له، او الاستناد الى الخبرة التاريخية في الفهم واستخلاص النتائج واتخاذ القرار، وذلك قد يؤدي به الى جمع المعلومات بصورة انتقائية. كما قد يؤدي الى تجاهل معلومات مهمة لأنها تتعارض مع رؤيته ورغبته واتجاهه وموقفه من القضية المعنية. ويعتبر التقرير ان من أوضح الأمثلة للعمى الاستخباراتي موقف القيادة الإسرائيلية من المعلومات التي وردت لها عام 1973م عن تحرك مصري سوري لمهاجمتها بهدف استرجاع الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل. حيث لم تأخذ إسرائيل تلك المعلومات مأخذ الجد، بل استبعدت ذلك تماماٍ استناداً الى ان سلاح الجو إسرائيلي متفوق تفوقا كبيرا على سلاح الجو العربي، وبالتالي لن تقدم هذه الدول على مخاطرة معروفة العواقب، وصرح ارئيل شارون بان إسرائيل ” قادرة على ضرب أي هدف بين بغداد والخرطوم بما في ذلك ليبيا”، لكن الواقع كذب كل ذلك وهاجمت مصر إسرائيل في السادس من أكتوبر وهزمتها وتهاوى خط بارليف امام خراطيم المياه التي استخدمها الجيش المصري. أما السبب الثاني فهو ما سماه الإخفاق المؤسسي وعنى به كتاب التقرير ” المشكلات الداخلية التي تحد من فاعلية أجهزة الاستخبارات، من هذه المشكلات: المؤسسية، يقول التقرير انه على الرغم من الجوانب الإيجابية الكثيرة للمؤسسية، الا أن هذه المؤسسية تعوق-أحيانا-عمل أجهزة الاستخبارات وذلك بسبب الضغوط المؤسسية التي تهدف الى الوصول الى ” حكم واحد محدد” حول كل قضية مطروحة، وهو ما يعني تجاهل الآراء الأخرى التي ربما تكون أكثر صحة من الرأي الذي جرى عليه الاجماع. ومن المشاكل المؤسسية التي تعوق عمل الاستخبارات – كذلك -التفكير الجماعي (Group Thinking)، ففي غياب قدر معقول من التضامن بين العاملين داخل الجهاز، تختلف التقييمات ويعجز العاملون في الجهاز من التوصل الى حلول وسطى ما يتسبب في ارباك صانع القرار الذي لا يستطيع التمييز بين الخيارات المقدمة له بدقة. ومن الأسباب المؤسسية التي تعوق عمل الاستخبارات وتقود الى الإخفاق غياب التنسيق والتعاون الكافي بين الأجهزة الاستخباراتية، ففي أمريكا مثلا هناك تنافس بين وكالة الامن القومي (National Security Agency) ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ومكتب التحقيقات الفيدرالية (Federal Bureau of Investigation F.B.I) ويرجع الكثيرون الفشل في احباط هجمات الحادي عشر من سبتمبر الى التنافس بين هذه الأجهزة التي كان كل منها يمتلك معلومات جزئية عن الهجوم المحتمل لكنها – بسبب التنافس-لم تتبادل المعلومات المتاحة لديها. والسبب الثالث للإخفاق هو موضوع الضغوط السياسية والتفاعلات السلبية بين صانعي القرارات ومجتمع الاستخبارات. يقول التقرير في هذا الجزء ان الفشل الاستخباراتي – غالباً- لا يكون بسبب خلل في عمل الأجهزة الاستخباراتية ، وانما في الجهاز السياسي ، فقد تقوم أجهزة الاستخبارات بالحصول على المعلومات وتحليلها ورفع التحذيرات المطلوبة الى القيادة السياسية ،ولكن صانع القرار السياسي لا يتخذ الإجراءات اللازمة والمناسبة لمواجهة الموقف ويرجع ذلك لعدة أسباب منها : عدم اقتناع القيادة السياسية بالمعلومات التي تتلقاها من الاستخبارات ، وشعور القيادة السياسية بوجود تحيزات داخل أجهزة الاستخبارات بسبب الصراعات الداخلية في جهاز الاستخبارات مما يقود الى تشكك في المعلومات الواردة من الجهاز  . لكن تسييس القضايا الأمنية يتمثل بشكل واضح في الضغط المباشر على أجهزة الاستخبارات من قبل القيادة السياسية بهدف تغيير الاستنتاجات التي تم التوصل لها لتساير قناعات وتوجهات صانع القرار. بالإضافة الى انتقاء القيادة للتقييم الذي يناسب توجهاتها من بين التقييمات المطروحة أمامها، أو استخدام أسلوب طرح الاسئلة (Question – Asking) بهدف توجيه التحليل والنتائج النهائية الى إجابة معينة تتفق مع ميول واهداف صانع القرار وهو ما يقود الى تشويه التحليل والوصول الى نتائج خاطئة. من أسباب الفشل الاستخباراتي ايضاً (الانكار والخداع)، وهو السبب الرابع للإخفاق الاستخباراتي حسب رأي كتاب التقرير ، ويقصد بالإنكار (Denial) الأنشطة والبرامج التي تهدف الى عرقلة جمع المعلومات الاستخباراتية ، بينما يشير الخداع (Deception) الى نشر معلومات خاطئة أو مضللة لأجهزة الاستخبارات من أجل خداع المحللين والتأثير على أحكامهم ومن ثم على صانعي القرارات الذين يعتمدون على هذه التحليلات والأحكام ، ذلك أن الانكار والخداع يقودان – على الأقل – الى التضليل ( Misleading) وعدم اليقين (Ambiguity Increasing) ، ولقد مارس اليابانيون أسلوب الخداع في عملية بيرل هاربر لكن المساحة لا تسمح بالتفصيل في ذلك ، ويمكن الرجوع الى ذلك في مظانه. كذلك تناول التقرير التحديات التي تواجه الاستخبارات في مواجهتها لتنظيمات التطرف العنيف وقد لخصها التقرير في خمسة تحديات أساسية وهي:
  • متلازمة الاستنفار الكاذب (Cry Wolf Syndrome): فكثيرا ما تجمع معلومات تؤكد وجود تهديدات وشيكة، وتستنفر الأجهزة الأمنية لمواجهة التهديد المحتمل، وعندما لا يقع الهجوم الإرهابي لا يتم أخذ تحذيراتها اللاحقة مأخذ الجد، وتعلم الحركات الإرهابية ذلك فكثيرا ما تعمد الى الإعلان عن نيتها ضرب اهداف معينة ويكون هدفها من ذلك هو ارهاق الأجهزة الأمنية والسعي الى ان تفقد الاستخبارات مصداقيتها لدى السلطات الحاكمة.
  • صعوبة الاعتماد على المصادر البشرية: بسبب الطبيعة المغلقة للجماعات الإرهابية وصعوبة الاعتماد على المصادر البشرية لجمع المعلومات، تلجأ أجهزة الاستخبارات الى الاعتماد على المصادر المفتوحة مثل وسائل الاعلام وفحص المواقع الالكترونية لهذه الجماعات لمعرفة توجهاتها ووسائلها، وهي طريقة مكلفة وتحتاج الى الكثير من الجهد والموارد.
  • معضلة السوابق الاستخباراتية: حيث تلجأ أجهزة الاستخبارات الى الاعتماد على السوابق التاريخية من أجل التنبؤ بالأحداث المستقبلية من خلال دراسة تكرار تلك الحوادث في الماضي، ومع التكلفة العالية لهذا الأسلوب فهو كذلك غير دقيق ولا يحدد بالضرورة الأماكن الجديدة التي سيتم استهدافها.
  • تعقد الظاهرة الإرهابية نفسها: حيث تتميز العمليات التي تقوم بها القاعدة وداعش – مثلا– بانها دولية الطابع وليست محلية مما يجعل من الصعب الإحاطة بها، كما انها تستخدم أسلوب يقوم على إشاعة مناخ الخوف والإرهاب في الأماكن العامة التي يصعب التكهن بها، بالإضافة الى أنها تعتمد بشكل كبير على الوسائل التكنولوجية الحديثة.
  • تعدد العناصر المراد متابعتها: حيث تشكو أجهزة الاستخبارات من عدم وجود العدد الكافي من الافراد بهذه الأجهزة لتعقب العناصر الإرهابية، فعند وقوع تفجيرات فرنسا كان لدى الاستخبارات والشرطة 500-600 عنصر لمراقبة الافراد، بينما كان على قائمتها حوالي 11 ألف شخص يمثلون تهديداً محتملاً للأمن القومي الفرنسي.
أخيراً حاول التقرير الإجابة على السؤال الجوهري والذي لا بد ان يتبادر الى الذهن بعد هذا الاستعراض للأسباب الكامن خلف الإخفاق الاستخباراتي وهو: هل يمكن منع الإخفاق الاستخباراتي؟ للإجابة على هذا السؤال – يقول التقرير- يبرز اتجاهان رئيسيان: الأول يرى إمكانية تفادى الفشل الاستخباراتي من خلال التعلم من السوابق الماضية من خلال وضع توصيات وخطط لتفاديها مستقبلاً ، بينما يقول الاتجاه الثاني ان الإخفاق الاستخباراتي في  بعض الحالات امر حتمي لا مفر منه لان  افراد الاستخبارات  مثلهم مثل أي شخص يدركون الواقع من خلال عدسات أيديولوجية ولهم تحيزات مسبقة تشكل لهم اطاراً مرجعياً في التحليل ، وبالتالي فان ظاهرة الإخفاق الاستخباراتي تعد أمراً طبيعياً خاصة في حالة نقص المعلومات ، وسيادة التحيزات الذاتية والأيديولوجية في الادراك والتحليل والتقييم ، وفي ظل الضغوط السياسية الناجمة عن الحاجة الى قرار سريع لمواجهة موقف ما .

0 Comments

Leave a Comment